قد جاءت الأوصاف المذكورة عَرَضًا في عدّة أحاديث، ومن الأمثلة لذلك الأحاديث التالية:
الحديث الأول:
ما يمكن أن يُفهم عليه حديث: "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ" "١"؛ فَيُظن أن هذه المنزلة بسبب الشعث والدفع بالأبواب، في حين أنّ الأمر ليس كذلك.
الحديث الثاني:
الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ؛ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ
_________________
(١) مسلم، ٢٦٢٢، البر والصلة والآداب، و٢٨٥٤، الجنة وصفة نعيمها وأهلها. عن أبي هريرة.
[ ١٨٠ ]
يُشَفَّعْ" "١". فَيُظن أن هذا المدح له إنما هو بسبب شَعَث واغبرار القدمين، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، وإنما جاء هذا وصفًا عارضًا.
الحديث الثالث:
حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيُبَاهِي الْمَلائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا""٢". فيُظن أن الشعث والغبرة أيضًا هما السبب في هذه المغفرة!.
لكن الأمر ليس على هذا المعنى في جميع هذه الأحاديث. ومن ثم لم يطّرد هذا الفضل والثواب في حديث: أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ؛ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ! ""٣".
_________________
(١) البخاري، ح٢٦٧٣، الجهاد والسير.
(٢) أحمد، ٧٩٨٦. وأخرجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، برقم ٧٠٤٩.
(٣) مسلم، ح١٦٨٦، الزكاة.
[ ١٨١ ]
الحديث الرابع:
٢- ما فُهِم عليه حديث: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" "١".
فقد ظن كثير من الناس أن هذا في الدنيا، وأن معناه أن الله تعالى يحب هذه الرائحة الكريهة، تقدَّس ربنا.
وقد فهموا هذا الفهم من الحديث على الرغم من أن الحديث ليس فيه ذكرٌ لمحبة الله لها، بل إنني لم أقف على شيءٍ مِن هذا، إلا ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: "خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ، أَوْ قَالَ: أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" "٢".
لكن هذه الرواية فيها ما يأتي:
- ليس فيها التصريح بالرفع إلى النبي ﷺ.
- جاءت بالشك في لفظة: "أحب إلى الله".
والقاعدة أنه إذا جاءتنا روايةٌ على الشك، وجاءتنا روايات بالجزم، رَدَدْنا
_________________
(١) البخاري، الجامع الصحيح ، نسخة "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، لابن حجر: ح١٨٩٤. وأخرجه مسلم في صحيحه، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: ح١١٥١، والترمذي في سننه، بترقيم أحمد شاكر ومن معه: ٧٦٤، والنسائي في سننه، بترقيم عبد الفتاح أبو غدة: ح٢٢١١، و٢٢١٢،و٢٢١٣، ٢٢١٥، و٢٢١٦، و٢٢١٧٢٢٣٤، وابن ماجة في سننه بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي: ح١٦٣٨، وأحمد في مسنده، في عدة مواضع.
(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٨٣٦٦.
[ ١٨٢ ]
التي على الشك إلى التي لا شكّ فيها. وكذلك إذا جاءتنا رواية موقوفة مخالفة للمرفوع حَكَمْنا بالمرفوعة على الموقوفة.
فليس في الحديث نصٌ على أن هذا الخلوف أطيب عن الله في الدنيا، بل ذلك قد فُهِمَ منه خطأً، ويدل على الصواب الرواية الأخرى: "أطيب عند الله يوم القيامة" "١"، ويَدُل عليه كذلك الحديث عن دم الشهيد: "الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ، إِلا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ" "٢"، وكذلك النصوص الأخرى في المعنى.
وإنما ذُكِرَ الشعث والغبرة، وخلوف فم الصائم، للإشارة إلى علامةٍ
من علامات الصدق، وذلك بتحمّل الأذى، والمشاق، والمكاره، في سبيل
مرضاة الله تعالى.
فليس المقصود في هذه الأحاديث: مدْح تلك المكروهات لذاتها.
أو الحث عليها، أو الدعوة إليها.
أو الدعوة لاتخاذها بمفردها علامة على إخلاص الإنسان وصدقه.
كيف وقد جاءت الشريعة بالنظافة بمعانيها المتعددة الحسيّة والمعنوية، والدعوة إليها، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "إن الله جميل يحب الجمال" "٣".
ولقد أراد بعض الصحابة أن يتأكد مِن النبي ﷺ مِن مفهوم الكِبْر؛ خوفًا مِن
_________________
(١) مسلم، ١١٥١، الصيام، وأخرجه غيره.
(٢) البخاري، ٢٨٠٣، الجهاد والسير.
(٣) مسلم، ٩١، الإيمان.
[ ١٨٣ ]
أن يكون منه عناية الإنسان بمظهره؛ فأخبره أنّ ذلك ليس منه؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ". قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ، يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ" "١".
_________________
(١) وهو الحديث السابق.
[ ١٨٤ ]