١- صحة النيّة وصحة الغاية، ومن ذلك: صِدْقُ الرغبة في معرفة الحق، وإرادتِهِ.
٢- الفهم، وأعني به القدرة على الفهم بدرجة كافيةٍ لإدراك معنى الكلام السليم، والتلقي عن رب العالمين ورسوله سيد المرسلين ﷺ.
٣- موافقة كلٍ من الفهم والعمل للشرع. وهذا يستلزم: صحةَ الطريق، والمنهجَ السديد - وهذا يتوقف على: صحة النية والقدرة على الفهم.
٤- بذْل الجهد المطلوب والكافي للوصول إلى الحق والصواب.
يقول ابن الوزير -﵀- في أثناء تعداده لأوصاف من صُنّفت لهم التصانيف، وعُنيتْ بهدايتهم العلماء: " وهم من جَمَعَ خمسة أوصاف، معظمها:
- الإخلاص.
- والفهم.
- والإنصاف.
- ورابعها.
-وهو أقلها وجودًا في هذه الأعصار-: الحرص على معرفة
[ ١٤٥ ]
الحق من أقوال المختلفين، وشدة الداعي إلى ذلك، والحامل على الصبر والطلب كثيرًا، وبذْل الجهد في النظر -على الإنصاف ومفارقة العوائد، وطلب الأوابد- فإن الحق في مثل هذه الأعصار قلما يعرفه إلا واحد بعد واحد! وإذا عظم المطلوب قل المساعد! فإن البدع قد كثرت، وكثُرت الدعاة إليها والتعويل عليها.
وطالبُ الحق اليوم شبيه بطلاّبه في أيام الفترة"١"، وهم: سلمان الفارسيّ، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأضرابهما -رحمهما الله تعالى- فإنهم قدوة الطالب للحق، وفيهم له أعظم أُسوة؛ فإنهم: لمّا حرصوا على الحق، وبذلوا الجهد في طلبه، بلّغهم الله إليه، وأوقفهم عليه، وفازوا [به] من بين العوالم الجَمّة، فكم أدرك الحقَّ طالبُهُ في زمن الفترة! وكم عميَ عنه المطلوب له في زمن النبوّة!
فاعتبرْ بذلك، واقتدِ بأولئك؛ فإن الحق ما زال مصونًا عزيزًا نفيسًا كريمًا؛ لا يُنال مع الإضراب عن طلبه، وعدم التشوّف والتشوّق إلى سببه! ولا يهجم على المبطلين المعرضين! ولا يُفاجِئ أشباه الأنعام الغافلين! ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل، ولا بطّال ولا غافل! وقد أخبر الله تعالى أنَّ ذرْء جهنم هم الغافلون، فإنا لله، وإنا إليه راجعون! ما أعظم المصاب بالغفلة، والمغْتَرَّ"٢" بطول المهلة!! """٣".
_________________
(١) أيْ فترة انقطاع الرسل. ويقصِد بها الفترة التي سبقت بعثة نبينا محمد؟.
(٢) مراده التعجب مِن عِظَم مصيبةِ المصاب، لا مِن المصاب نفسه، ولكن جاء تعبيره هكذا بتجوِّزٍ، رحمه الله تعالى.
(٣) ابن الوزير، "إيثار الحق على الخلْق":٢٤.
[ ١٤٦ ]
ثم قال ابن الوزير مستكمِلًا أوصاف المذكورين:
- "خامسها -وهو أصعبها-: المشاركة في العلم أو في التمييز والفهم لأهل الطبقة الوسطى"١" ومن يقاربهم في المنزلة""٢".
ولابدّ من الاستعانة بالله تعالى فنِعْمَ المعين. يقول ابن الوزير-رحمه الله تعالى-: "مع الدعاء واللّجَئِ إلى الله تعالى، وما أقرب نفْع هذا مع خلْق القلوب على الفطرة، وكثْرة موادّ هدايته! كما ذكره في آية النور"٣"، وقال تعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ "٤" فأكّد ذلك بمؤكِّدين اثنين، كما تقول: إنّ زيدًا لقائم. وقال ﴿وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيل﴾ "٥" هذا للخلْق عمومًا. وللمؤمنين خصوصًا: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَه﴾ "٦"، إلى غير ذلك.
_________________
(١) لعلَّه يقصدُ بهم المتوسطين في التحصيل، وهذا مقياسٌ يختلف فيه الأمر بالنسبة لعصرنا.
(٢) ابن الوزير، "إيثار الحق على الخلْق": ٢٧.
(٣) يَقْصِدُ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ٣٥: سورة النور: ٢٤.
(٤) ١٢: الليل: ٩٢.
(٥) سورة النحل:٩. والمعنى هو: إنه تعالى - مِن رحمته بعباده - قد تكفّل لهم إيضاح السبيل القاصدة، وهي الطريق المستقيمة، وهي الصراط المستقيم الذي هو أقرب الطرق وأخصرها إيصالًا إلى الله وإلى كرامته، بخلاف الطريق الجائرة في العقائد والأعمال، التي لاتوصلُ إلى الله تعالى! يُنظر: ابن سعدي في التفسير، سورة النحل، بتحقيق محمد زهري النجار: ٣/٢٥، والأصبهاني، في "مفردات ألفاظ القرآن"،مادة: قصد.
(٦) ١١: التغابن: ٦٤.
[ ١٤٧ ]
وإنما يؤتى أكثر الخلْق من كفرهم بآيات الله البينة، وبطلبهم غيرها، كما قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِن آيِةٍ بِيِّنَةٍ وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةِ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ "١"؛ فلْيُحذر كل الحذر من عدم القنوع بما قنع به السلف من حجج الله تعالى، ويا له من تخويف شديد ووعيد عظيم! ""٢".
_________________
(١) ٢١١: البقرة: ٢.
(٢) ابن الوزير، "إيثار الحق على الخلْق":٢٣.
[ ١٤٨ ]