والفقه في الدين ليس معناه، في دلالة الكتاب والسّنَّة، مقصورًا على المعنى الاصطلاحي الذي ذكر ابن الأثير، وهو ما تعارف عليه الناس اليوم باسم:
[ ٧٧ ]
تَخَصُّصِ الفقه، وأقسام الفقه الدراسية، وذلك لأمرين:
الأول: أن هذا المعنى الاصطلاحي لا يصح أن يُقَيَّدَ به دلالة اللفظ في الكتاب والسّنَّة، وإلا كان ذلك من الصوارف عن فهم المصطلح أو اللفظ القرآنيّ والنبويّ، وهو أعمُّ من المعنى المراد في الاصطلاح، إذ أن معناه في الاستعمال القرآني والاستعمال النبويّ عامٌّ في فقْه الدين كله، من غير تقييد بحدود موضوعٍ ما "اللهم فقهه في الدين".
الثاني: أن المراد بالمعنى الاصطلاحيّ هو مجرد التخصص في دراسة تلك الموضوعات المحدّدة، وهذا غير المراد في استعمال الكتاب والسّنَّة الذي هو حصول الفقه للمرء؛ فيصبح متفقِّهًا في الدين، لا أنه درس تلك الموضوعات التي تسمّى الفقه.
وبهذا يتضح أن هناك فرقًا واضحًا بين المراد بالمصطلح في دلالة الكتاب والسّنَّة وبين دلالته في اصطلاح علماء الشريعة أو اصطلاح عامة الناس اليوم، فـ"الفقه" في اصطلاحهم قد روعي فيه تحديد موضوعات الدراسة، فمجرَّد الدراسة لتلك الموضوعات يُعدّ عندهم تخصصًا في الفقه، ومعلوم أن مما يؤخذ على هذا الاصطلاح أن مجرَّد الدراسة ليست فقهًا. بينما الفقْه في اصطلاح الكتاب والسّنَّة قد روعي في إطلاقه حصول الفقه للدارس، وليس مجرّد الدراسة، أي أن المراد وصف الشخص بالفقه وليس وصف ما درسه.
والفارق الآخر أن المراد بالمصطلح في القرآن والسّنَّة ليس مقيدًا بموضوعات محدّدة بل هو فقْه الدين بعامّة، بخلاف المراد في الاصطلاح إذْ هو دراسة موضوعات خاصة، وكم من دارس للفقه بهذا المعنى لا فقْه له بالمعنى القرآنيّ
[ ٧٨ ]
والمعنى النبويّ، "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ" "١".
إِذَنْ ينبغي أن لا يصرفنا المصطلح الحادث في استعمال اللفظة عن المصطلح القرآنيّ.
وقول الإمام ابن الأثير السابق في تعريف الفقه بأنه الفهم حيث قال: "أي فَهِمْه، وأصل الفقه الفهم "، لا يستقيم على إطلاقه، لأن الفهم قد يكون جزئيًا، فلا يكون فقهًا على الإطلاق، ويكون فهمًا عامًا كاملًا شاملًا فيكون فقهًا، فتعريف الفقه بالفهم مطلقًا فيه نظر، ولو كان التعريف لقوله ﷺ كلمة: "اللهم فقهه في الدين" أي فهمْه لكان صحيحًا؛ لأن التعريف في هذه الحال مقيدة فيه اللفظة بعموم الدين، وذلك هو الفقه، فإذا فهم الدين كله فقد فقهه.
وهكذا يتبيّن -من خلال مصطلح الكتاب والسنّة- أن الفقه في الدين وفي الدعوة شامل شمول هذا الدين وشمول هذه الدعوة.
_________________
(١) الترمذي، ٢٦٥٦، وقال: حديثٌ حسن، و٢٦٥٨، العلم، وأبو داود، ٣٦٦٠ العلم، وابن ماجه، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٦، المقدمة، ٣٠٥٦، المناسك، وأحمد في مواضع، منها: ١٦٢٩٦، ١٦٣١٢، والدارمي، ٢٢٧-٢٢٩، المقدمة.
[ ٧٩ ]