قد جاء عن بعض السلف أقوال في ذمّ الرأي، ويبدو من ظاهِر تلك الأقوال عنهم ذمُّ الرأي مطلقًا. وليس الأمر كذلك؛ إذْ لو كان هذا صحيحًا وكان هذا هو مرادهم من ذمّ الرأي، لكان معناه قفْلَ باب الاجتهاد، وإلغاء إعمال العقل. والأدلةُ الشرعية قائمة على عكس هذا!
وإنما مرادهم من ذلك، والله أعلم، ذمه في حال الاقتصار عليه، أو ترجيح كفته على النقل الثابت؛ ويتحدد وجْه ذمهم للرأي فيما يلي:
١- ذمّ الرأي إن كان مخالفًا للكتاب والسّنَّة.
٢- أو ذمّ الرأي في أمر مخصوص، وهو:
أ- في حال استخدامه في القول على الله بغير علم.
ب- في حال استخدامه للزيادة والنقص في الدين.
هذا هو توجيه كلامهم، رحمهم الله تعالى، على ما تقتضيه النصوص، ولو صح -فرَضًا- عن أحدٍ من السلف النهيُ عن استخدام العقل مطلقًا، لوجب علينا ردُّه والأخذ بحُكم نصوص الكتاب والسّنَّة المؤكِّدة على استخدام الرأي والعقل!
لقد دلت أدلة الكتاب والسنّة على وجوب التسليم للحق، والصدق، وعلى قبول الخبر الثابت عن الله ورسوله، وعلى وجوب إعمال العقل والأخذ بمقتضى حكم ذلك، وهذه كلها، في الجملة، يَعْتمِد الأخذ بها
[ ١٦٥ ]
ومراعاتها على إعمال العقل. وقد ورد في الكتاب العزيز كثير من الآيات التي تأمر بهذا، ومنها، على سبيل المثال:
- قوله تعالى: ﴿ لعلكم تتفكرون﴾ "١"، وقوله تعالى: ﴿..أفلا تتفكرون﴾ "٢". ووردت لفظة: "يتفكرون" في آيات من القرآن مكررة: ١١مرة.
- ووردت لفظة: "يعقلون"، و"لا يعقلون" في القرآن: ٢٢ مرة.
- ووردت لفظة: "تعقلون"، و"لا تعقلون" في القرآن: ٢٤ مرة.
- ووردت لفظة: "تذكّرون"، و"لا تتذكرون" في القرآن: ٢٠ مرة.
- ووردت لفظة: "يتذكرون"، و"لا يتذكرون" في القرآن: ٧ مرات.
وكلُّ ذلك دعوةٌ إلى استخدام العقل والتعقل والتذكر، وبيانٌ لعاقبة ذلك وعاقبة ضدِّه، وبيانٌ لأهميّة الاستناد إلى الدليل الصحيح، واحترامه.
فهل بعد هذا يصح أن يقال شيء من الذمّ المطلق للعقل والرأي باسم الشرع أو الكتاب والسنّة؟!.
وتتلخص الأدلة، التي يُعْتمد عليها في النفي أو الإثبات، إلى الأنواع التالية:
١- أدلة منقولة ثابتة عن الله ورسوله.
٢- أدلة عقلية تعتمِد على الاستقراء والاستنباط.
٣- أدلة محسوسة، كالقول بأن هذا ذَكَرٌ أو أنثى- لإنسان أمامنا، أو لطفلٍ، أو لِجَنين-.
وقد جاء الشرع والعقل بالتسليم لهذه الأدلة وعَدَمِ مكابرتها أو تجاهلها.
_________________
(١) ٢١٩ و٢٦٦: البقرة: ٢.
(٢) ٥٠: الأنعام: ٦.
[ ١٦٦ ]