لتحصيل مفاتيح العلم الثلاثة -السابق ذكْرها- طريقةٌ، مَن لم يأخذ نفسه بها فإنه لن يُحَصّلها، وتتلخص هذه الطريقة فيما يلي:
الطريق إلى تحصيل المفتاح الأول-وهو: أن تقرأ قراءةً صحيحةً:
إنّ الطريق لتحصيل هذا المفتاح هو أن تتعرف على صورة كل حرفٍ وتتدرب على قراءته مفردًا ومجموعًا مع بقية حروف الكلمة بشكلٍ صحيحٍ، لكنّ ذلك لا يكفي لأَنْ تقرأ القراءة الصحيحة؛ ولا يَتِم لك ذلك حتى تُلِمّ -فيما بعد- بالأساس مِن اللغة العربية نحوًا وصَرْفًا-نظريًا وعمليًا-بأنْ تتعرف على ذلك مِن كتاب جيدٍ مختار، وتدْرسه على يدِ شخص متقنٍ، بشرط أن تَجمع بين الإلمام النظريّ والتدريب العمليّ؛ فتقرأ بين يديه، ويتولّى توجيهك في نطق الكلمات-مِن حيث صفات الحروف ومخارجها، وضبطها الإعرابي-ويوَقّفك عند القراءة،
_________________
(١) كتاب: "كلمات في مناسبات"، للمؤلف.
[ ١٣٩ ]
ويسألك عن سبب الرفع والنصب والجر للكلمة؛ حتى يُصبح الطابع لقراءتك رفْعَ المرفوع ونصْبَ المنصوب وجرَّ المجرور، وهذا هو المفتاح الأول تمامًا.
الطريق إلى تحصيل المفتاح الثاني- وهو: أن تكتب كتابةً صحيحةً-:
إنّ الإتقان لطريقة القراءة الصحيحة-نظريًا وعمليًا-يُعَدُّ الشطر الأول للقيام بواجب الكتابة كتابة صحيحةً، ومعنى ذلك أنك إذا عرفت وتدربت كيف تقرأ قراءةً صحيحةً فقد خطوتَ نصفَ الخطوةِ لتكتب كتابةً صحيحةً.
إنّ الطريق لتحصيل هذا المفتاح هو أن تتعرف على صورة كل حرفٍ وتتدرب على كتابته بشكلٍ صحيحٍ، ثم تتعرف على ربط الحروف مع بعضها بطريقةٍ صحيحةٍ، ثم تتعرف على قواعد الإملاء السليم نظريًا، وتتدرب على تطبيقها عمليًا، ثم تتدرب على شيء مِن أنواع الخط وطُرق وضوحه وجماله؛ بحيث يؤدي كلُّ ذلك إلى أن تكتب كتابةً صحيحةً وواضحةً وجميلةً في الوقت نفسه.
والشرط في التعرف على كل ذلك أن تعتمد على:
- كتابٍ جيدٍ محرَّرٍ في الإملاء، وكتابٍ كذلك في الخط.
- التدرب على يدِ شخصٍ متقنٍ للإملاء، وشخص متقنٍ للخط.
الطريق إلى تحصيل المفتاح الثالث-وهو: أن تَفْهم فهمًا صحيحًا-:
إنّ تحصيل المفتاحين: الأول والثاني بإتقان يعني أنك قد خطوت نصف الخطوة لكي تفهم فهمًا صحيحًا، لكنّ ذلك لا يكفي لأَنْ تفهم فهمًا صحيحًا؛ وإنما عليك أن تخطُوَ النصف الباقي لتحصيل هذا المفتاح، وهو أن تُعنى بالفهم، ويُساعدك عليه العناية بما يلي:
[ ١٤٠ ]
- الإلمام ببعض تراكيب اللغة وأساليبها، مِن الحقيقة والمجاز، والظاهر المراد والظاهر غير المراد، والأمثال في اللغة، وكل ما يَلزم مِن مباحث علم البلاغة.
- الإلمام بالأساس مِن القواعد في أصول الفقه، والقواعد الفقهية.
- الإلمام بالأساس في أصول التفسير.
- الإلمام بالأساس في أصول الحديث.
فإذا فعلتَ ذلك فقد أصبحت عارفًا بمدلولات الألفاظ والتراكيب، وعارفًا بعلوم الآلة-كما يُسمّونها-وبالعلوم المنهجية للفهم والتحقيق العلمي، وتستطيع، عندئذٍ، المشاركة في العلم والفهم، ويَسْهل عليك تحصيل العلم مِن بابه، وتُميّز بين الصحيح وغير الصحيح روايةً ورأيًا. والموفق مَن وفقه الله تعالى، ومَن يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.
وبهذا يتضح أن كل مفتاح مِن هذه المفاتيح شرطٌ لتحصيل المفتاح الآخَر، على الترتيب المذكور.
وكم من إنسانٍ وقع في اللحن أو الخطأ وهو لا يشعر، ويأتيه الخطأ من أربعة أمور، هي
١-الخطأ في حركة إعراب الكلمة.
٢- الخطأ بإبدال حرف في الكلمة بغيره.
٣- الخطأ بإبدال كلمة بكلمة.
٤- الخطأ في المعنى بسبب الوقف والابتداء بما يحيل المعنى.
وهو لا يستطيع أن يعرف خطأه ما لم يكن عنده إلمامٌ بالصواب في مجالاتِ الخطأِ هذه كلها، ولا يستطيع أن يُلِمَّ بتلك المجالات إلا بالعناية بتحصيل تلك المفاتيح الثلاثة اللازمة لطلب العلم.
[ ١٤١ ]
وربما قالت للإنسان نفسه: إن هذا طريق طويل لتحصيل العلم.
والجواب كلاّ ليس هذا طريقًا طويلًا، بل الأطول منه طريق الجهل، والأطول منه كذلك إتيان العلم مِن غير بابه؛ فيُفْسد الإنسان، عندئذٍ، أكثر مما يُصْلح، ويَضِل ويُضِل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "١".
ولا شكّ في أنّ تحصيل العلم بهذه الطريقة، يختصر كثيرًا مِن الوقت على المتعلم والمعلم، إضافةً إلى الإتقان والضبط؛ فيحْصُلَ على ما يُريد بالضبط؛ فَدَعْكَ مِن أهل الظن والخلط والخبط!.
_________________
(١) ١٨٩: البقرة: ٢.
[ ١٤٢ ]