من الفقه في الدِّين وفقْه الدعوة إليه مراعاة الخصوصيات، ومِنْ ذلك أنني لم أَرَ حديثًا عن رسول الله ﷺ يصرّح في خطبةٍ عامة ببعض الأحكام الخاصة المتعلقة مثلًا ببعض موجِبات الغسل، وموجِبات إقامة حدّ الزنى، ولم أره مصرِّحًا بذلك إلا في أحد موضعين:
- عند إقامة الحدّ وما يترتّب على ذلك من إزهاق نفسٍ مؤمنة.
- عند بيان الحكم لمحتاج إليه، كسائلٍ أو مستفتٍ أو صاحبِ حالٍ واقعةٍ؛ فيبين له رسول الله ﷺ الحكم واضحًا وصريحًا بقدر ما يوضِّح له حكم الله تعالى.
فقلت لنفسي أين كثير من الخطباء، والمعلمين الناسَ دروس الفقه، الذين يخطبون في الناس في هذه الموضوعات كما لو كان أحدهم يحقق في إقامة حدِّ الرجم على شخصٍ معيَّنٍ، أو يوضِّح لمستفتٍ في الموضوع لا يفهم إلا
[ ١٨٤ ]
بالتصريح، أين هم من هذا الهدي النبوي!.
إننا في حاجة إلى وقفةٍ فاقهة للأسلوب الصحيح لتعليم ديننا، بحيث نُصْلح ولا نُفْسد، ونختار: إما الدرس وإمّا التلاميذ؛ فليس كل موضوع يَهُمُّ كل الناس، وليس كل درس يناسب كل الناس، وليس كل الناس يناسبهم كل درس.
وبعض الذين يسلكون المسلك الآنف الذكر في التعليم والدعوة، لو قلتَ له مثْلَ هذا، لقال لك: إن تعليم أحكام الله واجب. أو: لا حياء في الدين. إلى آخر ما هنالك من العبارات الواردة على هذا النحو التي يَخْرج بها قائلها عن الموضوع الذي نحن بصدده كليًّا!!.
نَعَمْ هناك أحاديث قد تدلُّ في ظاهرها على هذا المعنى الذي يَذهب إليه مَن يَسْلك هذا المسلك، مثل قول عائشة، ﵂: "نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ" "١".
ومثله ما في الحديث أنه: "جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ؛ فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ- تَعْنِي وَجْهَهَا-وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ تَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟. قَالَ: "نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ! فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا! ""٢". ونحو هذه الأحاديث.
لكن الأمر ليس على هذا الفهم- الذي يَستدِل بمثل هذه الأحاديث على
_________________
(١) علّقه البخاري في صحيحه، بصيغة الجزم، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، وأخرجه ابن ماجه، ٦٤٢، الطهارة وسننها.
(٢) البخاري، ١٣٠، العلم.
[ ١٨٥ ]
ذلك المسلك-وذلك لأن هذه الأحاديث قد جاءت في دائرة مقامَيِ التصريح السابق ذكرهما اللذين يُصَرّح فيهما بمثل هذا. على أنّ النبيّ ﷺ ليس في كلامه هنا شيءٍ مِن التصريح الذي يَستدل له أصحاب هذا المسلك. وأما السائلة، فإنها تسألُ عن حكمٍ مِن أحكام الله لا يمكن لها أن تَعْرفه إلا بالتصريح بتلك العبارات، على أنها قد تأدبت في سؤالها، وقدّمتْ بين يدي سؤالها تلك العبارة المؤدّبة.
فلا حجةَ على ذلك المسلك.
فإلى الفقه والحكمة أيها الخطباء، ويا أيّها المعلمون والمدرسون، حَفِظَكم الله ورعاكم، وإلى الاقتداء بسيد الأنبياء ﷺ في الدعوة والتربية والتعليم.
[ ١٨٦ ]