هناك دواعٍ إذا توافرت لدى المرء حَرِص على الإخلاص، منها ما يلي:
١- استحضار الإنسانِ أمْرَ اللهِ بهِ.
٢- استحضار كونِه شرطًا لصحة العمل وقبوله.
٣- علْمه بأن الله تعالى يعلم السر والجهر، وأنه يعلم ما هو أخفى من السر، يعلم مكنونات الضمائر وما تخفي الصدور، وأن السر والجهر عنده، ﷿، سواء: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْل وَمَنْ جَهرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ "١"، وأن أصل معاملة الإنسان لربه لا يرتكز على ظاهر الأعمال، وإنما على حقيقة أعمال القلوب، "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" "٢"، ولا يقبل الله تعالى إلا طيبًا.
٤- علْمه بأن الناس ليس لهم من الأمر شيء، ولا يستطيعون النفع والضر إلا بإذن الله تعالى، فمن الجهل، ومن السفه أن يتجه الإنسان بعمله إلى من لا يقدر على جزائه عليه، لأنه عبد مخلوق مثله!
٥- علْمه بأن الإنسان سيواجه جزاءه ولابد، وأنه سيحاسَب على حقيقة أعماله، لا على دعواه، ولا بما أظهره لعباد الله!!
_________________
(١) ١٠: الرعد: ١٣.
(٢) مسلم: برقم ٢٥٦٤.
[ ٣٣ ]
٦- استحضاره عظيم ثواب الله تعالى، وعظيم عقابه سبحانه، ويقينه به، فمن عَلِم صفات الجنة، وصفات النار، ومن علم قدْر حب الله ورضاه، وقدْر سخط الله، علم أي شيء يَطلب، ومِن أي شيء يَفِرّ.
٧- علْمه بأن الأعمال الخالصة لله تعالى، قد تشفع لصاحبها في وقتِ حاجته إليها، في وقت الشدائد والأزمات، أو في يوم القيامة ومن الأمثلة على هذا حديثُ أصحاب الغار الثلاثة، الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فلم تنفرج عنهم الصخرة إلا بعد أن توسلوا إلى الله تعالى بأعمالٍ عملوها لله تعالى خالصة؛ فخرجوا يمشون "١".
٨- علْمه بأن الإخلاص ليس صفة تحصل للمرء ثم تثبت له على الدوام، بل هو صفة تعرض وتزول، تعرض للإنسان عند أسبابها، وتزول بوجود أسباب زوالها.
٩- يقينُهُ أنّ بإمكانه تحصيل الإخلاص الذي ينجو به العبدُ في الدنيا وفي الآخرة؛ بل أنّ ذلك مُيَسَّرٌ له؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِن مُّدَّكِر﴾ "٢"، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ "٣"، وقال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَها﴾ "٤".
_________________
(١) خ، ٢٢١٥، البيوع، ٢٢٧٢، الإجارة، ٢٣٣٣، المزارعة، ٣٤٦٥، أحاديث الأنبياء، ومسلم، ٢٧٤٣، الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.
(٢) ١٧: القمر: ٥٤، وتكررت مرارًا بآيات أخر في السورة نفسها.
(٣) ٧٨: الحج: ٢٢.
(٤) ٢٨٦: البقرة: ٢، وقد جاء هذا المعنى في عددٍ من الآيات الأخرى، ومن ذلك: البقرة:٢٣٣، والأنعام:١٥٢، والأعراف:٤٢.
[ ٣٤ ]
فهل يُعْقَلُ أنْ يكون تحصيل الإخلاص صعبًا على مَن أراده بصدقٍ وبَذَل سببَ الوصول إليه!، وهل يُعْقَلُ أن يكون تحصيله مستحيلًا بعد هذا كلِّه!.
١٠- علْمه بالله بأسمائه وصفاته؛ فإنّ ذلك يورث رجاءه وحْده، وخوفه وحْده، ويورث الأدب معه سبحانه، وأما الجاهلون بالله، والمشركون بالله فكما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ "١".
١١- استعراضه آياتِ الله تعالى، وأحاديثَ رسوله ﷺ وسيرته، وتدبرها، وفقْه معانيها، والعمل بها.
١٢- كثرة قراءته سِيَرَ المخلصين والعباد والزهاد من السلف الصالح؛ فإن النفس تصفو بقراءة أخبار هؤلاء الأخيار.
واعلم، يا أُخَيَّ، أن من أحب شيئًا أكثر من ذكره، فهو يتذكره ويَذْكره، ومَن عرف قدر شيء -وكان عاقلًا- فإنه لا يملك إلا أن ينزل ذلك من نفسه حسب قدره أيًا كان، حبًا أو بغضًا، تقديرًا وإجلالًا أو ازدراء وإهمالًا. فمَن عَرف الله حق معرفته، ومَن عَرف شأن الإخلاص وعاقبته، وحقيقة ما يضاده مِن أعمال القلوب والجوارح وعاقبتها، فسوف يتطلب الإخلاصَ، وينشغل به، ويُحاكِم نفسه على مقتضياته؛ حتى يُدرِك مطلوبَهُ منه، ومطلوبَهُ مِن ورائه في الدنيا والآخرة!
وينبغي لنا العلم بأن الإخلاص في أعمال الناس-ونحن منهم- نفيس
_________________
(١) ٩١: الأنعام:٦، ٦٨: والزمر: ٣٩.
[ ٣٥ ]
عزيز، إذ الغالب في أعمالنا -والعياذ بالله- إما عدم الإخلاص، وإما أن يكون الإخلاص ناقصًا مشوبًا بشيءٍ ما من حظوظ النفس العاجلة، التي لا تخلو أن تكون في الغالب إما على حساب مرضاة الله تعالى، وإما على حساب حظوظ النفس في الآجلة.
وهذا كله يقتضي أن يجتهد المرء في أن تكون بضاعته -في هذه الحياة، ويوم القدوم على مولاه في الدار الآخرة-الإخلاصَ والفقهَ في الدين، بحيث لا يَنْفَكّ أحدهما عن الآخر؛ فإن هذا هو العمل الباقي النفيس، الذي يستحق المنافسة.
وأمّا ما عداه، فلا شيء، ولا يقبله الله تعالى؛ لأن العمل إذا لم يكن خالصًا لم يُقْبَل، ولو وافق الشرع ظاهرًا، وإن كان خالصًا، ولم يكن صوابًا، لم يُقْبَل؛ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ "١".
وقد قال سهل بن عبد الله: "ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب" "٢".
وقال يوسف بن الحسين الرازيّ: "أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أَجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لونٍ آخر" "٣".
على أنه ليس المراد بالكلام السابق- عن الإخلاص وقِلّته في أعمال الناس-استحالة تحصيله؛ وإنما يُحمَلُ ما قاله السلف عن صعوبةِ تحصيل
_________________
(١) ٢٦: يونس: ١٠.
(٢) "جامع العلوم والحكم "، لابن رجب، ١/٤٢.
(٣) "جامع العلوم والحكم "، لابن رجب، ١/٤٢.
[ ٣٦ ]
الإخلاص، على طبيعة النفس مع الإخلاص، وأنّها متردِّدةٌ، لا تستقر على حالٍ.
ونحن في دعوة الناس إلى الإخلاص لابدّ أن نُقَرِّر لَهم أن تحصيلَ الإخلاص مُيَسَّرٌ وبابَه مفتوحٌ، وأن كل من أراده، وصدَقَ مع الله في ذلك، فسينالُه.
ومما يُراد بعبارة: "إن الإخلاص عزيز نفيسٌ"، مثلًا، شحْذ الهمَمِ وترغيبها في تحصيله؛ لأنه شيءٌ نفيسٌ؛ فيستحق الجهد والمجاهدة.
[ ٣٧ ]