وأما إذا قارن باعث الرياء باعث العبادة، ثم ندم في أثناء العبادة فأوجب البعض من العلماء الاستئناف؛ لعدم انعقادها، وقال بعضهم: يلغو
[ ٧٢ ]
* جميع ما فعله إلا التحريم، وقال بعض: يصح؛ لأن النظر إلى الخواتيم، كما لو بدأ بالإخلاص وصحبه الرياء من بعده.
قال الغزالي: القولان الأخيران خارجان عن قياس الفقه.
وقد أخرج الواحدي في أسباب النزول جواب جندب بن زهير لَمّا قال للنبي ﷺ: إني أعمل العمل لله، وإذا اطّلع عليه سرّني، فقال ﷺ: "لا شريك لله في عبادته"، وفي رواية: "إن الله لا يقبل ما شورك فيه"، رواه ابن عباس.
وروي عن مجاهد أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله، فيُذكَر ذلك منّي، وأُعجب به. فلم يقل النبي ﵌ له شيئًا حتى نزلت الآية، يعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ "١".
ففي الحديث دلالة على أن السرور بالاطلاع على العمل رياء، ولكنه يُعارضه ما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة- وقال: حديث غريب"٢"- قال: "قلت: يا رسول الله بينا أنا في بيتي في صلاتي إذْ دخل عليّ رجل؛ فأعجبني الحال التي رآني عليها. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: لك أجران" "٣".
وفي الكشاف من حديث جندب أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له: "لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية".
_________________
(١) ١١٠: الكهف: ١٨.
(٢) وهذا حكْمٌ منه على الحديث بالضعف، بحسب اصطلاح الترمذي الذي دلَّ عليه الاستقراء. وبناءً على هذا؛ فإنه لا يُبْنى على الحديث الضعيف الأحكام؛ لكن الحديث عند ابن ماجه سنده لا بأس به.
(٣) ابن ماجه، ٤٢٢٦، الزهد. بنحوه.
[ ٧٣ ]
وقد رجح هذا الظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ "١".
فدل على أن محبة الثناء من رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لا تنافي الإخلاص، ولا تُعدّ من الرياء.
ويُتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله: "إذا اطُّلع عليه سرّني"، لمحبته الثناء عليه، فيكون الرياء في محبته للثناء على العمل، وإن لم يخرج العمل عن كونه خالصًا، وحديث أبي هريرة ليس فيه تعرّضٌ لمحبته الثناء من المطلع عليه، وإنما هو مجرد محبة لما يصدر عنه وعَلِم به غيره.
ويحتمل أن يراد بقوله: فيعجبه. أي يعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح؛ لقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "أنتم شهداء الله في الأرض" "٢".
وقال الغزالي: وأما مجرد السرور باطّلاع الناس إذا لم يبلغ أمره بحيث يؤثِّر في العمل، فبعيدٌ أن يُفسد العبادة""٣".
_________________
(١) ٩٩: التوبة: ٩.
(٢) في البخاري، ١٣٦٧، الجنائز: أَنَس بْنَ مَالِكٍ؟: قال: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ؟: (وَجَبَتْ) . ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى؛ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا؛ فَقَالَ: (وَجَبَتْ) . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ،؟: مَا وَجَبَتْ؟. قَالَ: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا؛ فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا؛ فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ) . وأخرجه مسلم، ٩٤٩، الجنائز، وقال في آخره: ( أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ) .
(٣) سبل السلام: ٤/٣٦٦-٣٦٩. والعناوين الفرعية مِن عملي، لا مِن كلام الصنعاني.
[ ٧٤ ]