هناك عددٌ مِن مقاييس الفقه وعلاماته، التي تُعِين الراغبَ في التفقه على الوصول إلى هذا الهدف النفيس، بإذن الله تعالى، وتُعِين الإنسان على محاسبة نفسه على الفقه"١"، ومِن ذلك ما يلي:
١- كل مخالفة للحكم الشرعي، في الدعوة أو في غيرها، فهي مجانَبَةٌ للفقه.
٢- كل خطأ في اختيار الأسلوب المناسب في الدعوة فهو مجانَبَةٌ للفقهولئك هم الغافلون﴾ أوتبتنبنبتبتب في الدين والفقه في الدعوة.
٣- كل خطأ في اختيار الوسيلة المناسبة في الدعوة فهو مجانَبَة للفقه في الدين والفقه في الدعوة.
٤- كل تصرّفٍ للداعية يكون على حساب الغاية من الدعوة فهو مجانَبَةٌ للفقه في الدين وفي الدعوة.
٥- كل تصرّف للداعية يصدُّ الناس عن الهداية أو عن الاستجابة للدعوة فهو تصرّف مجانب للفقه في الدين والفقه في الدعوة.
٦- ليس كل خطأ يقع فيه الداعية دليلًا على عدم فقهه. ووصْف عملٍ ما، أو تصرّفٍ بأنه مجانب للفقه ليس من لازمه وصْف صاحبه بعدم الفقه.
٧- مِن الخللِ في فقه الداعية وفي تفكيره، حماسته لجزئياتٍ في الإسلام،
_________________
(١) وقد تضمَّنت هذه المقاييس مقاييسَ تتعلق بفقه الدِّين، بعامّة، ومقاييس تتعلّق بفقه الدعوة خاصّة، دون فصْلٍ لِمَا بينهما مِن تلازمٍ لا يَخْفى.
[ ٩٦ ]
وعنايته بها، أكثر مما يدعو الإسلام إليه تجاهها.
٨- تعرّضُ المرء لعملٍ ما دون أن يتأهل له ودون أن يُحْسنه دليل على نقصٍ أو خللٍ في فقهه، وليس من هذا القبيل التدرّب والمران المبنياّن على المحاولة والاستعداد.
٩- تعرُّض المرء لتعليم الناس ما لم يتعلمه، أو ما لم يفقهْه خللٌ في فقهه وفي تفكيره.
١٠- تعرُّض المرء لدعوة الناس إلى ما لم يفقهْه، أو لم يستوعبه، أو لم يقتنع به، أو لم يلتزم به، دليلٌ على خللٍ في فقهه وفي تفكيره، أو نقصٍ في إخلاصه!. وإن كانت عصمة الداعي من الخطأ ليست شرطًا للدعوة.
١١- من عدم فقْه الداعية أن تراه يضيق ذرعًا بالنقْد البنّاء، فلا يفهمه إلا أنه تجريح له، أو تعصبٌ ضده أو ضد عمله أو جماعته، أو أنه تحاملٌ عليه!.
١٢- من علامات فقه المرء أن تراه حريصًا على جمْع كلمة المسلمين على الخير، بعيدًا عن كل ما يفرِّق الصف، ويشتت الكلمة، ويباعد بين القلوب.
١٣- من علامات الفقه عناية المرء بحسن الخلق في دعوته وفي تعامله مع الناس، وفي تعليمهم وتربيتهم.
١٤- من علامات فقه المرء عنايته بتربية نفسه أكثر من عنايته بتربية الناس، وعنايته بنصح نفسه أكثر من عنايته بنصح الناس، وعنايته بتعليم نفسه أكثر من عنايته بتعليم الناس، وقد قال ﷺ في النفقة: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" "١"، وقد جاء في الحديث
_________________
(١) البخاري، ١٤٢٦، و١٤٢٨، وفي الزكاة، و٥٣٥٥، و٥٣٥٦، في النفقات، عن أبي هريرة، وعن حكيم بن حزام، ومسلم، ١٠٤٢، الزكاة عن أبي هريرة، و١٠٣٤، و١٠٣٦، عن أُمامة.
[ ٩٧ ]
الآخر: قَالَ: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا؛ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ؛ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا " "١". وقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بَالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم﴾ "٢".
١٥- من علامات الفقه عناية المرء بالعمل أشد من عنايته بالقول، فإن القول إنما يكون من أجل العمل، ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُوْلُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَعْمَلُون﴾ "٣".
١٦- من علامات الفقه أن لا يكون الإنسان جريئًا على الفتوى، ولا على تحريم ما شرعه الله تعالى، ولا قفْل باب فَتَحَهُ الله تعالى.
كما أن من علامات فقهه أن لا يكون جريئًا على أن يَفتح بابًا أغلَقَه الله تعالى، أو أن يُلزِمَ بما لم يُلْزِمْه الله سبحانه.
_________________
(١) أخرجه مسلم، ٩٩٧، الزكاة: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ،؟، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ؟، فَقَالَ: (أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟) . فَقَالَ: لا. فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟) . فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ، بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ؟؛ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ؛ ثُمَّ قَالَ: (ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا؛ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ؛ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ، فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ، فَهَكَذَا، وَهَكَذَا يَقُولُ: فَبَيْنَ يَدَيْكَ، وَعَنْ يَمِينِكَ، وَعَنْ شِمَالِكَ) .
(٢) ٤٤-: البقرة: ٢.
(٣) ٢-٣: الصف: ٦١.
[ ٩٨ ]
ومن الأمثلة على هذا -الدالة على عدم الفقه- ما يُعْنى به بعض المسلمين اليوم من تحريم العمل الجماعي في الدعوة إلى الله تعالى مطلقًا، أو الانضمام إلى جماعة إسلامية تعمل وفق الكتاب والسّنَّة في الدعوة إلى هذا الدين مطلقًا.
ومِن الأمثلة، كذلك: تحريم السرية مطلقًا في الدعوة إلى الله تعالى، بغضّ النظر عن الظروف المكانية والزمانية وأحوال البلدان المختلفة، ثم ترى هذا يوقِف جهوده، وحبه وبغضه، وولاءه وعداءه على أساس هذه القضية أو تلك، أو هذا الرأي أو ذاك"١".
ويتجاوز بهذا المسلك النصوص الشرعية، ويتجاوز ظروف الناس المختلفة في أنحاء الأرض، ويتجاوز تفاوتَ موقفهم من الإسلام: من كفرٍ ومحارَبةٍ له ولأهله، أو إيمانٍ به وسعيٍ في سبيله، ويتجاوز بهذا المسلك الغاية من إيجاب الدعوة إلى الله تعالى، والهدف الأساس الذي جاء به هذا الدين، وهو إخراج الناس من عبادة المخلوقين إلى عبادة الخالق سبحانه، وليس هو السعي في سبيل هذه المسالك المتعصبة، ولو باسم الدين أو الدعوة، سواءٌ أكان بالتعصب ضدها باسم الدين-والدين لا يُقرُّ ذلك-أم بالتعصب لها باسم الدين وتصويرِ أنه لا يصح للمرء دِينه إلا بالانضمام إلى جماعةٍ من جماعات الدعوة-والدين لا يُقِرُّ ذلك الفهم والتعصب أيضًا-حتى لو كانت تلك
_________________
(١) الحديث هنا في الأصل ليس عن الحُكم الشرعيّ مِن حيث الجواز وعدمُه، وإنما عن هذا المسلك من حيث هو، ومدى إصابته للفقه-منهجيًا-أو مجانبته له، وإنما تَطَرَّق الحديث إلى بيان الحكم مِن أجْلِ بيان المنهجيّة السديدة.
[ ٩٩ ]
الجماعة على هدي الكتاب والسنّة، والحالة هذه!!.
ويَخفى على مَن يَسلك هذا المسلك-إن كان مُخلِصًا لله تعالى صادقًا في أنه إنما يُعَبِّرُ عن رأيه الصادق-أن ظروف المسلمين في أقطار المعمورة مختلفة؛ بحيث يَختلِف فيها الحكم مِن ظرفٍ إلى آخر:
أ- فالحال عندما تكون حالَ بلدٍ مسلم والحاكم مسلمًا، فإنها تختلف عنها في الصورتين التاليتين:
ب- عندما يكون المسلمون أقليّةً -محارَبين أو غير محارَبين-في بلدِ كفرٍ.
جـ- عندما يكون المسلمون في بلدٍ مسلمٍ قد حَكَمهم فيه كفّار أو كافر.
فهذه ثلاثُ صُوَرٍ.
ففي الصورة الأُولى لا مَساغَ شرعًا لسرّيّة الدعوة إلى الله تعالى، إلا بشرطين، هما:
الأوّل: أن لا يكون في ذلك خروجٌ على الحاكم المسلم.
الثاني: أن لا يكون في ذلك خروجٌ عن أحكام الكتاب والسنّة ومنهجهما وهَدْيهما؛ بحيث لا تكون الدعوةُ إلا تعاونًا على البر والتقوى، كما أَمرَ الله ﷿ ورسوله ﷺ، وليس تعاونًا على الإثم والعدوان والتعصب والتحزّب، وما إلى ذلك.
أما في الصورة الثانية والثالثة فلا مَساغَ لكشْف برنامج المسلمين أو خُطّتهم للعدوّ.
فالأصلُ في الدعوة في الصورة الأُولى الجهر وعدم السّرّيّة.
والأصل في الدعوة في الصورتين الثانية والثالثة السريّة وعدم الجهر، بل لا
[ ١٠٠ ]
معنى للجهر في هاتين الصورتين إلا عَدَم الفقه أو خيانة الإسلام والمسلمين!.
ومن الأمثلة على هذا ما كان من حال المسلمين في الاتحاد السوفيتي قبل سقوط الاتحاد، فلقد كان العمل للإسلام هناك في سرّيّةٍ تامّة وكان هذا من أوجبِ الواجبات وأفضل أنواع الجهاد في حقهم؛ لما كانوا فيه من حصار ومنْعٍ من ذكْر اسم الله تعالى، حتى إنه كان مجرّد العثور على المصحف لدى المرء كافيًا لقتْله!.
ومن الأمثلة كذلك حال المسلمين في فلسطين، وما هم فيه من حُكْمٍ لهم مِن قِبَل اليهود، وما يعانونه من اضطهاد، وتشريدٍ من أرضهم منذ سنين؛ فهل يَصِحّ أن يُقال لهم لا يجوز لكم السّرّيّة في العمل للإسلام والدعوة إليه في أرضكم ضدّ عدوّكم؟!.
نَعم يُمكن أن يقال ذلك، ولكن ليس باسم الإسلام الذي جاء به النبي ﷺ!
ومعلومٌ أن الرسول ﷺ قد بدأ دعوته سرًّا نحو ثلاث سنوات، ولم يكن مخطِئًا في ذلك، ولم يُنسَخْ!! فمتى ما وُجِدَت الظروف ذاتها فإنّ الحكْم هو التأسي به ﷺ في ذلك.
والحقيقة أنّ هذا كما أنه هو موقف الشرع، فهو موقف العقل والفطرة أيضًا-حتى في نظرة الكافرين-؛ إذ لا يُنتظَرُ من الكافرين أن يقولوا-مثلًا-: إن العقل والمنطِق يَفرضان عليكم أيها المسلمون أن تكشفوا لنا عن خُططكم وبرامجكم لنشْر دينكم!
فكيف إِذَنْ يَسلك مثلَ هذا المسلك بعض المسلمين اليوم، وليس هذا فحسبُ بل تُصبح هذه هي قضيته التي مِن أجلها يتحرّك بدأَبٍ غريب،
[ ١٠١ ]
وبحماسةٍ منقطعة النظير، ويُرتّب على ذلك حُبًّا وبُغضًا، وولاءً وبراءً باسم الدين، للأسف!!.
إِذَنْ لا يَصحّ الحكم بالتعميم في هذه الأحكام نظرًا لظرفٍ واحدٍ من الظروف، وإنما الواجب الانطلاق في إصدار الأحكام في مثل هذه القضايا وغيرها مِن الإسلام ذاته، وليس مِن ظروف الناس، ثم لابدّ من النظر إلى الظروف كلها، وليس لظرفٍ واحدٍ منها!.
والمقصود أن مِن الفقه وعلاماته الاعتدالَ في النظرة وفي الآراء، وعدمَ الحماسة لوجهةٍ واحدةٍ، وإنما النظر لكلِ جوانب المسألة، وقد تبيّن لنا الآن كم هو الفرق بين القول بأنّ هذا لا يجوز مطلقًا، وبين القول بأنه في حالٍ يَجب، وفي حالٍ لا يجوز!!.
١٧- من علامات الفقه في الدين أن ترى الإنسان يتجه في فهمه اتجاهًا منهجيًا، لا فهمًا جزئيًا معزولًا عن القاعدة والمنهج، فالعلم والإسلام ليسا معلومة فحسب، والعِلْم والحُكم الشرعي ليسا مقصورين على المثال، وإنما ينبغي أن يُفْهم فهمًا منهجيًا يَسْتثمر القاعدة والمنهج والمثال في التطبيق على كل ما يستجدّ، فيطّرد من خلال هذا الفهم المنهجي الحكم على المتماثلين بحكم واحد، والحكم على كلٍ من المختلفين بحكم مختلف، ويجب تطبيق حكم الله تعالى على ما يستجد في حياة الإنسان مثلما أنه يجب تطبيقه على ما كان في زمن النبوَّة من مسائل، فمبدأ الالتزام بحكم الله في الحاضر يستوي مع مبدأِ تطبيقه في الماضي، ولا يغيّر اختلاف الصور من ذلك شيئًا.
[ ١٠٢ ]
١٨- من علامات الفقه المنهجيّ أنك تحتاج إلى مرانٍ وتدرّبٍ على تطبيقه، وعلى تطبيق الفروع عليه، وقتًا طويلًا أو حياتك كلها.
١٩-من أهم أسباب التربية على الفقه، التربية والتوجيه وَفْق أسلوب القرآن الكريم والحديث النبوي، وذلك بالاتجاه إلى البيان التصنيفي المنهجيّ، وليس الاتجاه إلى البيان التفريعي المغرق على حساب البيان المنهجيّ.
٢٠- الاتجاه إلى الظاهرية في الفهم مجانب للفقه في الدين وفي الدعوة، ومن العجيب أنْ ترى أناسًا يتجهون هذا الاتجاه الظاهريّ في فهم الكتاب والسّنَّة، مع أن هذا مخالفٌ لطبيعة الكتاب والسّنَّة ومنهجهما في البيان وطريقة الدعوة والتعليم والتربية، ومَنْ دَرَسَ أساليب القرآن وأساليب الحديث النبويّ في ذلك عَرَفَ طبيعة منهجهما، وأنه مخالفٌ تمامًا لتلك النظرة الظاهرية، أو تلك النظرة الحرفية.
٢١- العناية بالمظهر على حساب المخْبَر، وأعمال الجوارح الظاهرة على حساب أعمال القلوب دليل على اختلال في فقه المرء، ودليلٌ على مخَالفةٍ لهدْي الإسلام، وعدمِ إدراكٍ له، وعدم فهمه فهمًا صحيحًا.
٢٢- للقلب المعمور بنور الله تعالى أثرٌ في إدراك الفقه السليم، وإصابة الحق في مسائل النظر والاجتهاد، قال شيخ الإسلام: ""القلب المعمور بالتقوى إذا رَجَّحَ بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي، قال: فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه إن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله، كان هذا ترجيحًا بدليل شرعي، والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقًا إلى الحقائق مطلقًا أخطأوا، فإذا اجتهد العبد في طاعة
[ ١٠٣ ]
الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة، فإلهام مثل هذا دليل في حقه، وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة، والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب، والخلاف، وأصول الفقه.
وقد قال عمر بن الخطاب: اقربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون: فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة. وحديث مكحول المرفوع: "ما أخلص عبدٌ العبادةَ لله تعالى أربعين يومًا إلا أجرى الله الحكمة على قلبه؛ وأنطق بها لسانه"، وفي رواية: "إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".
وقال أبو سليمان الداراني: إن القلوب إذا اجتمعت على التقوى جالت في الملكوت؛ ورجعت إلى أصحابها بِطُرَفِ الفوائد؛ من غير أن يؤدي إليها عالم علمًا.
وقد قال النبي ﷺ: "الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء" "١"، ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها؟ ولا سيما الأحاديث النبوية؛ فإنه يعرف ذلك معرفة تامة؛ لأنه قاصدٌ العمل بها، فتتساعد في حقه هذه الأشياء، مع الامتثال، ومحبة الله ورسوله، حتى إن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مرادَه منه، تلويحًا لا تصريحًا.
_________________
(١) مسلم، ٢٢٣، الطهارة، وأخرجه غيره.
[ ١٠٤ ]
والعين تعرف من عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
إنارة العقل مكسوف بطوع هوىً
وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
وفي الحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" "١"، ومن كان توفيق الله له كذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة؟ وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجَوَلان، فكيف حال مَن اللهُ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ وهو في قلبه؟ وقد قال ابن مسعود: الإثم حواز القلوب، وقد قدمنا أن الكذب ريبة والصدق طمأنينة، فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب.
وأيضًا فإن الله فطر عباده على الحق، فإذا لم تَسْتَحِلِ الفطرة: شاهدت الأشياء على ما هي عليه، فأنكرت منكَرَها، وعَرَفَت معروفها، قال عمر: الحق أبلج، لا يخفى على فطن.
فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن، تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المزايا، وانتفت عنها ظلمات الجهالات، فرأت الأمور عيانًا مع غيبها عن غيرها"""٢".
_________________
(١) البخاري، ٦٥٠٢، الرقاق، وأحمد في مواضع متعددة.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٠/٤٢-٤٤.
[ ١٠٥ ]
٢٣- من اختلال التفكير المنهجي، أو عدم المنهجية في التفكير لدى المرء، عدم اطّراد أحكامه من غير مقتضٍ لذلك.
ومن الأمثلة على ذلك أن ترى شخصًا يَعْلم نجاسة أرضٍ أو فراشٍ ما فيفرش عليها سجادة ليصلي عليها، ويتوضأ ثم يمشي على تلك الأرض أو ذلك الفراش إلى أن يصل إلى السجادة حافيًا مبلول القدمين، ثم يصلي على السجادة!!.
أو تراه مثلًا يصلّي في ذلك المكان الذي يعتقد نجاسته، على سجادة لكنه يقف واضعًا قدميه أو بعضهما خارج السجادة، على تلك البقعة غير الطاهرة!!.
٢٤- لاستقامة فقه المرء لابدّ من شرطين أساسين، هما:
أ- صحة الدليل في ذاته، لأن ما لم يَثْبُتْ لا يُثْبِتُ غيره، فإذا كان المدَّعى دليلًا، ليس هو دليلًا صحيحًا فإنه لا يمكن أن يُصَحَّحَ به غيره!.
ب- صحة الاستدلال بذلك الدليل الصحيح في المعنى المستَدل عليه، لأن صحة الدليل في ذاته لا تغني عن صحة الاستدلال به في الموضع، لأن الدليل الصحيح في ذاته إذا وُضِعَ في غير موضعه الصحيح لا تقوم به حجة، ولا يثبت به فقْه صحيح.
٢٥- من معالم إصابة الفقه في تصرفٍ ما في الدعوة، أن ترى أثر الاستجابة لك من المدعو مباشرة على ما ترجوه من دعوتك.
فإذا نصحت أو تكلمت أو خطوت خطوةً ما؛ فدَعا لك ذلك الشخص الذي دعوته أو شكر فاعلم أنك قد نجحت في هذه الخطوة، وأنك قد أصبت
[ ١٠٦ ]
الفقه أو وفِّقت للفقه فيها غالبًا.
وإذا كانت ردة الفعل لدى من دعوته على العكس من ذلك فاحذر أن تكون قد جانبتَ الفقه في خطوتك هذه، فإن الغالب أن يكون السبب هو ذلك، لأن الكلمة الطيّبة، والنصيحة الطيّبة بالأسلوب الطيّب هدية يتقبلها كل إنسان مهما كان بُعْده وانحرافه إلا النادر من الناس. فعليك أن تتهم نفسك وتراجعها وتعيد النظر في طرائقك وأساليبك قبل أن تتهم الناس.
٢٦- ليس من الفقه أن تطلب العلم أو الدعوة لغير الله تعالى، وأن ترجو من وراء ذلك العاجلة، لا الدار الآخرة؛ فقد جعل الله تعالى العلم الشرعي والدعوة إلى الله تعالى طريقًا صحيحًا إلى رضوان الله وإلى ثواب الآخرة، وليس ثمت طريق آخر لتحقيق هذه الغاية، فإذا طلب المرء بهما غيرَ هذه الغاية فقد ضل الطريق، واختل فقهه!.
٢٧- من الفقه في الدين طلب العلم والعناية به، ولا تقوم دعوة صحيحة بغير العلم، ويُقبض العلم والفقه بقبض العلماء الربانيين.
٢٨- لا يحفظ الفقه بالحفاظ على الكتب فقط، وقد ضل أهل الكتابِ، والتوراةُ والإنجيلُ بين ظهرانيهم.
٢٩- من الفقه التفريق بين موقف الداعية وموقف المفتي، وعندما يشتبه على الداعية الأمرُ، فيظن أن موقف الداعية هو الإفتاء فقد جانبَ الفقه في ذلك، إلا أن يكون من أهل الفتوى، أو ممن تأهّل لذلك. ومعلوم لدى كثير من الناس ما يحصل من أخطاءٍ بسبب غياب هذا المعنى عن أذهان كثير من الدعاة.
[ ١٠٧ ]
٣٠- اتجاه الداعية إلى تكفير الناس وتفسيقهم مجانَبَةٌ للفقه والحكمة، ولن تكون النتيجة سوى بُعد الناس عنه وكراهيتهم له ولدعوته، فهل هذا هو هدف الداعية الحق؟! وهل هذا فقْه صحيح؟!.
٣١- ضيقُ الداعية بأي خلاف، وعدم سعة الصدر لسماع الآراء المخالفة، مجانبٌ للفقه وللحكمة، ومخالفٌ للفطرة، ومخالفٌ لطبيعة هذا الدين.
٣٢- عناية الداعية بالنقد الذاتي وسماع النقد البنَّاء من الآخرين، والحرص عليه، مظهرٌ من مظاهر الفقه والحكمة والعناية بهما.
٣٣- من مظاهر الفقه لدى الرجل طول صلاته حينما يكون منفردًا، وقِصَرُ خطبته، على ما أخبر به النبي ﷺ: "إن طول صلاة الرجل، وقِصَرَ خطبته، مئنّةٌ من فقهه"١"؛ فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة" "٢". والمقصود ما لم يكن هناك مقتضٍ للخروج عن هذا.
بلغني أن سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- يقول مخاطبًا الدعاة: "اتركوا الناس قبْل أن يتركوكم". وهذا واللهِ من الفقه والحكمة بمكان!.
٣٤- من مظاهر فقه الرجل هندامه، إذْ من الفقه أن لا يكون ثوبه ثوبَ شُهْرة، لا بإسبال ولا بتقصير.
٣٥- من مظاهر فقه الرجل طريقته في الأكل والشرب، والكلام والضحك،
_________________
(١) أَيْ: علامةٌ مِن فقهه.
(٢) مسلم، ٨٦٩، الجمعة.
[ ١٠٨ ]
والحركة؛ فلا يكون مهرِّجًا ثرثارًا مهذارًا فيُحْتقر، ولا حادًّا صَلِفًا فيُهْجر.
٣٦- مِن علامات الفقه أن يُفَرِّق الإنسان، عند طلبه للعلوم، بَيْنَ ما هو مِن قبيل الغاية، وبين ما هو مِن قبيل الوسيلة؛ فما كان منها وسيلةً لغيره أُخذ منه ما يُتوسَّل به لغيره دون الإطالة فيه.
وهذه النظرة المنهجية مهمة عند التفقه في الدين. ومِن تطبيقات هذا، مثلًا: عند دراسة علوم الوسائل: كاللغة، والأصول، والمصطلح، وأصول التفسير؛ فإننا نأخذ منها ما يُعيننا في الوصول للغاية التي من أجلها اتّجهنا إلى دراسة هذه العلوم؛ فلا ننشغل بها عن الغاية منها"١"، فنظل ندرس اللغة، مثلًا، ونحفظ ونقرأ ولم تستقم ألسنتنا أو فهمنا للكلام.
ونظل ندرس الأصول بمعزل عن الفقه، والمصطلح بمعزل عن الحديث، وهكذا مما يُعدّ قصورًا في الفهم"٢".
٣٧- من علامات فقه المرء عنايته بالوقت، واستثماره لتحصيل الفقه في الدين،
_________________
(١) لأنها علوم آلات يراد بها غيرها، "وكل شيء يطلب لغيره لا ينبغي أن يُنسى فيه المطلوب"، على حدِّ قول المقدسي الذي مضى نقله في: ص٢٠.
(٢) ويقترح للأخذ بهذا المطلب اتّباع ما يلي:
(٣) إدراك أن علوم الوسائل علومٌ عمليَّة، تحتاج لممارسة وتطبيق، فهي تؤخذ من الناحية النظرية بما يخدم الهدف من التطرق لها أصلًا، ويبقى بعد ذلك القسم الأكبر للتطبيق والممارسة. وهذا الكلام ينطبق على علوم اللغة، والأصول، والمصطلح، وأصول التفسير، وغيرها مما هو وسيلة لغيره في طلب العلم والفقه في الدين.
(٤) ينبغي أن يكون التطبيق والممارسة على يدِ عالِمٍ خبير بهذا، مؤهَّلٍ له.
(٥) يحتاج الإنسان إلى مراجعةٍ لِمَا كُتِب في علوم الوسائل؛ ليعرف ما يحتاجه للوصول للغاية منها، وما لا يحتاجه.
[ ١٠٩ ]
وإلمامه بالطرق المساعدة على استثمار أوقاته.
٣٨- من علامات فقه المرء تفريقه بين الدليل والمدلول، والرأي والرواية، والسبب والنتيجة، والغاية والوسيلة؛ فلا يَخْلِط بينها خلْطًا يوقِعه في أخطاءَ متعدّدة.
٣٩- من دلائل فقه المرء، عدم أخذه الأمورَ بالتسليم دائمًا، وإنما يُمْعِنُ النظرَ في الدليل والمدلول، ويتأكد من صحة كليهما من حيث النقل والعقل؛ وذلك مِن غير غلوٍّ أو تقصير.
٤٠- من مقاييس الفقه ودلالاته، إدراك أوجه الدلالة، وموضع الشاهد في النصوص، والعناية بذلك في فهمه وفي طلبه للعلم.
٤١- توجه المعلِّم والمتعلِّم إلى حقائق العلم، وليس إلى صُوَرِهِ فقط من علامة فقهِ كلٍّ منهما.
ومِن تطبيقات هذا المقياس في العناية بمنهج المحدِّثين، أن لا يَدْرس الدارس هذا المنهج دون أن يَبْلُغ به الغاية منه، وهي: التمييز بين ما يصح وما لا يصح مِن الروايات؛ ويستثمر ذلك عمليًّا في فهمه للإسلام واتّباعه للرسول ﵊.
٤٢- من دلائل فقه المرء، إعطاؤه كلَّ أمرٍ ما يستحقه من الهمِّ، والتفكيرِ، والبرنامجِ، والعملِ. وحديثُ: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" "١"، دليلٌ مِن الأدلة على هذا المعنى.
_________________
(١) البخاي، ٦١٣٩، الأدب، وفي غيره.
[ ١١٠ ]