يكفي في بيان أهمية الإخلاص ما يلي:
- أمْرُ الله به؛ وهو الأمر الذي لا يَسَع عبيدَ الله وعبادَه الإعراضُ عنه، أو تجاهله.
- أنه شرطٌ لصحة العمل -كما سبق- فلا يقبل الله تعالى عملًا بدونه.
كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ "١".
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ. فَمَا لَهُ مَنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِر﴾ "٢".
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ "٣".
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلِيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ "٤".
_________________
(١) ٨٩: الشعراء: ٢٦.
(٢) ٩-١٠: الطارق: ٨٦.
(٣) ٢٣: الفرقان: ٢٥.
(٤) ١١٠: الكهف: ١٨.
[ ٣٧ ]
- أن الناس جميعًا يبعثون على نياتهم: "يهلكون مهلكًا واحدًا ويَصْدرون مصادر شتَّى"؛ بحسب نياتهم؛ فمنهم الناجي من عذاب الله ومنهم الهالك؛ فعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ؛ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتَ شَيْئًا فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. فَقَالَ: "الْعَجَبُ! إِنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي، يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ، بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ". فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الطَّرِيقَ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ. قَالَ: "نَعَمْ فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ، وَالْمَجْبُورُ، وَابْنُ السَّبِيلِ. يَهْلِكُونَ مَهْلَكًا وَاحِدًا وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى؛ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ""١".
ويكفي بيانًا لأهمية الإخلاص، أنه هو الشيء الوحيد الذي يتأسف على فقده العاملون، ويحزن على فواته المفرطون، أعني إخلاص العبودية لله، وإخلاص العمل له سبحانه، وكل ما هو من مقتضياته:
فقد قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّتَّخِذَ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّوْنَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لله وَلَو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لله جَمِيعًا وَأَنَّ الله شَدِيدُ الْعَذَاب. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأُوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابَ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهُمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ "٢".
_________________
(١) مسلم،، ح٢٨٨٤، الفتن وأشراط الساعة، وبنحوه البخاري، ٢١١٨، البيوع.
(٢) ١٦٥-١٦٧: البقرة: ٢.
[ ٣٨ ]
وقال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْل أَنْ يَّأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَّبِّكُمْ مِنْ قَبْل أَنْ يَّأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تُشْعرُون. أَنْ تَقُولَ نَفْس يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطت فِي جَنْبِ الله وَإِنْ كُنْت لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ "١".
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُد أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ. وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلكَ وَلَتَكُونّنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيْعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِيْنِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ "٢".
ولهذا ينبغي استحضار النيّة الصالحة دائمًا في كل عملٍ يعمله الإنسان.
وينبغي تحرير النيّة، وتخليصها من الشوائب.
وهُناك جانبٌ مهمٌّ متعلق باستحضار النية في الأعمال، واستحضار طلب الأجر، أو السلامة مِن إثم المعصية، وهو أنه بهذا الاستحضار "تتحول العادات إلى عبادات، أو تزداد المقاصد الحسنة في العبادات؛ فيكون أجر العمل الواحد كأجر عددٍ من الأعمال" "٣".
وقد قال الله، سبحانه، في الهدْي والأضاحي: ﴿لَن يَّنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَّنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُم﴾ "٤".
_________________
(١) ٥٤-٥٦: الزمر: ٣٩.
(٢) ٦٤-٦٧: الزمر: ٣٩.
(٣) جهود الإمام النووي ومنهجه في الدعوة إلى الله، رسالة ماجستير أعدّها، تحت إشرافي، الأخ: عبد الناصر اللوغاني، المبحث الثالث: صفات الداعية وآدابه.
(٤) ٣٧: الحج: ٢٢.
[ ٣٩ ]
"والتداخل بين الإخلاص والنية، غير منكر، إلا أن النية قد تكون أعمَّ من وجهٍ، فإن الإخلاص لا يتصور من غير نية، بخلاف النيّة، فقد توجد بغير إخلاص، كما أن النيّة تتميز بالتعدد في المرادات، فيمكن للعامل أن ينوي بعملٍ واحد، أمورًا عديدة مختلفة، فإن كانت حسنة، ازداد ثوابه بزيادة تلك المقاصد الحسنة، وإن كانت مشوبة، فله من الخير والشر بقسطه.
وعلى المسلم- لاسيما الداعية- بعد تحرير قصده فيما يتعلق بأعماله الصالحة، ومنها قيامه بالدعوة وتكاليفها، أن يحرص على استحضار النوايا الصالحة فيها، كدلالة الناس على الخير، ونشر العلم، ونصرة الدين، وتثبيت المؤمنين، وخذلان الباطل وأنصاره، والاقتداء برسل الله صلى الله تعالى عليهم أجمعين، وسِواها من النوايا والمقاصد العاليات الساميات.
وهذا باب واسع، يَفتح الله تعالى على عباده منه ما يشاء"""١".
قال الإمام النووي: ""اعلم أنه ينبغي لمن أراد شيئًا من الطاعات، وإن قلَّ، أن يُحضر النية، وهو أن يقصد بعمله رضا الله ﷿، وتكون نِيَّتَه حال العمل، ويدخل في هذا جميع العبادات، من الصلاة والصوم، والوضوء والتيمم، و، وإنكار المنكر، والأمر بالمعروف، و، وحضور مجالس العلم والأذكار، وزيارة الصالحين، و، ومذاكرة العلم، والمناظرة فيه، وتكراره، وتدريسه، وتعليمه، ومطالعته، وكتابته، وتصنيفه، والفتاوى، وكذلك ما أشبه هذه الأعمال، حتى ينبغي له إذا أكل، أو شرب، أو نام، يقصد بذلك
_________________
(١) المصدر السابق، المبحث الثالث: صفات الداعية وآدابه.
[ ٤٠ ]
التقوّي على طاعة الله، أو إراحة البدن لينشط للطاعة"، ثم قال: "فمن حرم النية في هذه الأعمال، فقد حُرم خيرًا عظيمًا كثيرًا، ومن وُفّق لها، فقد أُعطي فضلًا جسيمًا، فنسأل الله الكريم التوفيق لذلك، ولسائر وجوه الخير" "١".
_________________
(١) المصدر السابق، المبحث الثالث: صفات الداعية وآدابه، نقلًا عن: بستان العارفين، للنووي: ص٧٥.
[ ٤١ ]