ومِن يُسْر هذا الدين أن الله تعالى إذا أوجب أمرًا على عباده، فإنه يُيسر معرفته ومعرفة وجوبه لكل من أراده بإخلاص وسعى إلى معرفته"١".
والمنهج الصحيح لطلب العلم، أو التوصل إلى معرفة ذلك الواجب، والالتزامِ به، يتحقق باتّباع الأسس الآتية:
١- التثبت من الرواية.
٢-التثبت من الرأي.
٣- العمل بالثابت منهما.
٤- اتّخاذ الكتاب والسّنَّة مُحتَكَمًا يُصْدَرُ عنه في كلٍ مِن: المقاصد، والأحكام، والآراء، والأفعال، والأقوال.
وقد يَرِد -بعد هذا- استشكالٌ"٢" فيما إذا تعددت الصوَرُ المقبولة، أو تعارضت؛ فأيها نأخذ؟. والذي يبدو في هذه الحال أنه لا إشكال، طالما أن الصوَر كلها مقبولة، حتى ولو تعارضت؛ لأن ذلك مِن قبيل تعارُضِ المصالح؛ فتكون مِن قضايا الاجتهاد التي لا حرج فيها بحسب المنهج الشرعي.
ودليل هذا الأصل-أعني تيسير الله معرفة الحق والعمل به، لكلّ راغبٍ
_________________
(١) يُنظَر: ابن الوزير، "إيثار الحق على الخلْق":٣٤.
(٢) أَوْرَدَ هذا د. سعيد صيني في تعليقه على مسوّدات الموضوع.
[ ١٥٢ ]
فيه- ما يلي:
١- قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّف اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾، فهي تقرر أن كل ما يقع تحت دائرة التكليف الشرعيّ؛ فإنّ في وسع الإنسان فعله والأخذ به، ومن التكليف الأمر بالإخلاص، والتواضع، وطلب العلم إلى آخر ما هنالك.
٢- قوله ﷺ: "الدين يُسْرٌ، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه ". فتأمل قوله ﷺ: "الدين يُسْرٌ" فـ"أل" هنا للاستغراق؛ لتشمل الدين كله "الأقوال، والأعمال: عمل القلوب، والجوارح".
وتأمل التنكير في " يُسْرٌ"، ولم يحدد نوع اليسر؛ ليشمل اليسر كله فهو:
- يُسْرٌ في التعرف عليه وإدراكه
- يُسْرٌ في العمل به.
- يُسْرٌ في الدعوة إليه.
٣- والكلام هنا مبناه -أيضًا- على سنةٍ من سنن الله، وهي أن الإنسان إذا رغب في أمرٍ وسعى لتحصيله من بابه، وبَذَل الجهدَ الواجب لتحصيله، أدركه بعد توفيق الله له.
٤- دلالة الواقع، حيث إن أهل الفترة لَمّا أرادوا الحق بصدق وُفِّقوا لمعرفته والعمل به، وصحابة رسول الله - ﷺ- لَمّا أرادوا الحق، وسعوا في طلبه، وُفِّقوا لمعرفته والعمل به.
ولكن ينبغي أن لا يَغْتَرّنّ مُغْتَرٌّ بهذا اليسر؛ فيقعد ولا يقدم الجهد المطلوب شرعًا، إذ أنه رغم يسر معرفة الحق والعمل به، لمن أراده بصدق؛ ينبغي ألا ننسى مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُوْلُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ .
[ ١٥٣ ]
وقوله ﷺ: "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة".
وجَمْع النصوص في هذا المقام هو الذي يصحح الفهم، ومن ثمَّ يستقيم العمل. وقد أعجبتني مقولة أحدهم: لا تَقُلْ عن أمرٍ ما: أنه صعب، ولكن قلْ: يحتاج لجهد كبير.
وهذا التقرير فيه ردٌّ على مسلكٍ مخطئ يرتكبه البعض، وهو الكلام في بعض المسائل الشرعية، كالإخلاص، وطلب العلم، ونحوهما، مع تضمين الكلام القول بأنه صعب المنال، ولا يكاد يصفو لأحد، وقليل من الناس مَن يدركه، إلى آخر ما يقال، والأولى -والله أعلم- تيسير المطالب الشرعية للناس، مع دلالتهم على الطريق لتحصيلها؛ ليرغبوا فيها ويسْعوا إليها بعد ذلك كل بحسبه، "وكلٌّ ميسّرٌ لِمَا خُلِق له".
ومما يدل على خطأ هذا المسلك مع ما سبق: الواقع المشاهد، حيث أنه لو ذهبت لتقنع شخصًا بأمر ما، وتبين له أهميته، ووسائل تحصيله، ثم قلت له بعد ذلك، لكن هذا الأمر صعب إدراكه عزيز مناله، لَمَا أقبلت نفسه عليه رغم أهميته. والرسول ﷺ يقول: "يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا" "١"، وقد يكون الدافع مِن وراء هذا المسلك في طريقة العرض لقضايا الدين، كالإخلاص والتفقه في الدين، مثلًا، إنما هو الرغبة في تحريص الناس على الأخذ بهذا الأمر، وبيان نفاسته؛ ليَجِدُّوا في تحصيله، لكنَّ صحة هذه الغاية لا تستلزم صحة الوسيلة التي مارسها البعض للترغيب في تحصيلها.
_________________
(١) البخاري، ٦٩، العلم، وغيره.
[ ١٥٤ ]
والقاعدة أنه كلما عَظُم الأمر في الدين، كلما كان بيانه أوفى، والدعوة إليه، ووسائل تحصيله أكثر، والأخذ به أسهل، وذلك كأركان الإيمان، والإسلام، فهي يدركها الكبير والصغير، والجاهل والمتعلم.
وهذا المسلك المخطيء يناقض طبيعة الإسلام، وكَوْنَهُ يمكن تطبيقه في واقع الناس، الأمر الذي هو خصيصة من خصائص الإسلام الكبرى.
[ ١٥٥ ]