لعل مِن المهمّ هنا، ضرْب أمثلةٍ مِن واقع الحياة، بمختلف مجالاتها، يتبيّن منها مظاهرُ لِفقْد الإخلاص، أو نقْصه. فَمِن ذلك ما يلي:
* من عدم الإخلاص، أن لا يحب المرء أن ينجح شخص آخر أو جهة أخرى تدعو إلى الله تعالى على منهج سليم، بغيًا منه وحسدًا.
* عدم تقديم المساعدات والجهود الممكنة لمساعدة الآخرين الداعين إلى الله تعالى على صراط مستقيم.
* التشهير بالدعاة الصادقين، والعلماء العاملين، والقدح فيهم بغير حق.
* نظرُ المسلم إلى عمله على أنه مجرد عمل رسميّ، لا عملًا دعويًا وتكليفًا شرعيًا.
* بقاء الإنسان حياته جاهلًا بدينه وعبادة ربه، على الرغم مما يبذله من وقتٍ وجهدٍ لدنياه.
* عدم سعي الداعية في استكماله صفات الداعية والتحلي بها.
* عدم سعي المسلم، ولا سيما طالب العلم والداعية، في تحصيل الجوانب اللازمة له من قضايا العلم، كي يستقيم له منهج التعلم، مثل ما يحتاجه في اللغة العربية، وما يحتاجه في التجويد، وما يحتاجه في أصول التفسير، وفي العقيدةإلخ.
* عدم حرص المدرس على إفادة طلابه، وحسن تعليمهم، وتربيتهم، وتهذيب أخلاقهم.
* طلب العلم من أجل الشهادة.
[ ٥٧ ]
* تهرب الموظف من عمله، وانصرافه قبل انتهاء وقت العمل المحدد.
* عدم رغبة الموظف أو العامل في قضاء حاجات مراجعيه، وعدمُ النصح لهم، وعدمُ تقديرِ وقتهم وظروفهم، وتركُ القيام بحقوقهم الواجبة عليه.
* من مظاهر عدم الإخلاص لدى الطالب، أن لا يذاكر دروسه إلا عند قرب الامتحان.
* حرص الإنسان أن يَذكر أعماله أمام الناس رغبةً في مدحهم.
* الحرص على حضور مجلس شيخٍ ما، وعلى السلام عليه مثلًا، ليقال عنه ذلك.
* وصف بعض الناس لنفسه، بأنه متدين، أو ملتزم، أو مخلص مباهاةً وفخرًا.
* تحسين الرجل صلاته مثلًا بحضرة الناس، وترك ذلك في غيابهم.
* من عدم الإخلاص أو من عدم الفقه، اقتصار الإنسان على العناية بالسنن الظاهرة، عن الاهتمام بالباطن وإصلاحه.
* مخالفة القول العمل، في مجال الخير، والدعوة إليه.
* طلب العلم الشرعي ليس للعمل به وإنما لتوصيله للناس فقط، أو للتباهي به.
* حرص المرء على الفتوى، وعلى تصدر المجالس بالحديث وإيراد أقوال العلماء تعالمًا وتظاهرًا بالعلم.
* كثرة الحديث عن النفس، وعن أعماله، بصفة عامة من غير مقتضٍ شرعيّ.
* المنافسة غير المشروعة.
* الحرص على الدنيا والشح بها أمران لا يجتمعان مع الإخلاص، بل لابدّ أن يغلب القويّ الضعيف.
[ ٥٨ ]
* عدم تأثير كلام المتكلم في السامعين، إذا كان داعية أو معلِّمًا؛ فإن الغالب أن يكون سببه المتكلم نفسه، إمّا أنه غير مخلص -فكلُّ ما خَرَج من القلب وصل إلى القلب- وإمّا أنه قد جانبَ الحكمة في كلامه.
* إقبال الداعية على الدعوة تأثرًا بكثرة المستجيبين له، وحبًّا للكثرة ذاتها، وترْكه للدعوة، نظرًا لقلة المستجيبين له.
* الاستعصاء على النصيحة، وعدم الانقياد للحق والإذعان له، ولا سيما إذا جاءت النصيحة من الآخرين المخالفين له فيما يسع فيه الخلاف.
* قد يكون مِن عدمِ الإخلاص، رغبة بعض الناس في أن يسعى إليه الآخرون، ولا يسعى هو إليهم.
* ليس من إخلاص العبادة لله تعالى، أن لا تستحضر نية العبادة لله تعالى عندما تتجه لعملِ أيّ عملٍ من العبادات، ولا سيما التي كثيرا ما يعملها الإنسان بحكم العادة لا العبادة، كالسواك، والإصلاح بين الناس، والطهارة، ونحو ذلك.
* ليس من الإخلاص لله، أن يرفع الإنسان صوته بالذكر، تظاهرا للناس أنه يذكر الله تعالى.
* ليس من إخلاص العمل لله، أن يتظاهر الإنسان بالخوف من الرياء، وهو يريد بذلك الرياء ذاته!! أو يتظاهر بإخفاء العمل عن الناس إخلاصا لله، وهو إنما الرياءَ يريد!! ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ "١"!!
_________________
(١) ٦٧: الزمر: ٣٩.
[ ٥٩ ]
* ليس من الإخلاص لله، أن يتظاهر الابن أمام الناس أنه يحترم والده، ويقبل يده ورأسه، فإذا رجع معه إلى البيت بارزه بالعقوق!!
* مما ينافي الإخلاص تضييع الأمانة، أيّ أمانة، بأيّ صورةٍ من صور التضييع.
* الإخلاص والفقه في الدين يقتضيان أن لا يتصدى الإنسان للتأليف -في موضوعٍ، أو في تخصصٍ- لم يتأهل له، أو وهو لم يتأهل للتأليف بصفة عامة، لكن على الإنسان أن يسعى في تأهيل نفسه لأعمال الخير دائما.
* ينافي الإخلاص حرص كثير من الناس، وهم يعملون أعمال الخير، على السعي وراء المظهرية، والألقاب، وتبجيل الناس لهم، وحرصهم على أن يعلم الناس عنهم كل خير رغبة في هذا المدح والتعظيم، وتعليق رضاهم وسخطهم على حصولهم على ذلك من الناس.
* ينافي الإخلاص ضيق المرء بالنقد، فإذا ما نقده أحد من الناس رأيته يتسخط، ويضيق صدره بذلك، ويصنف صداقة الناس له وعداوتهم على هذا الأساس، فمن ينقده في أخطائه فهو العدو، وخفيت عليه الحكمة القائلة: "صديقك من صَدَقك لا من صَدّقك"!!.
* مما ينافي الإخلاص دفْع الرأي أو الفكرة، أو الدفاع عنهما، والتدليل على صواب ذلك، ليس قناعةً بصواب الفكرة أو الرأي، وليس دفاعًا عن الحق والصواب، أو دفعًا للخطأ والباطل، ولكن دفاعًا عن النفس من طرْفٍ خفيّ، أو تبرئةً لها، أو تبريرًا لخطئها!!. وقليلًا ما يَسْلَم الإنسان من هذا الداء، ومَنْ فتش نفسه واختبرها عرفهَا وخَبَرها، وأيقنَ
[ ٦٠ ]
بهذه الحقيقة.
وللسلامة من هذا الداء لابدّ من المجاهدة، ولابدّ من محاكمة النفس دائمًا إلى مقتضيات الإخلاص.
* لا يتفق مع الإخلاص الكذب وقول الزور، بمختلف أنواعه.
[ ٦١ ]