*
الطريقة المنهجية لتحصيل الفقه في الدين
عَرْضٌ عامٌّ للطريقة
إذا كانَ تحصيل الفقه في الدين مطلبًا مهمًّا، فإنه لا يكفي لتحصيله مجرّد الرغبة فيه، وإنما لابدّ مِن الأخذ بالأسباب التي شرعها الله تعالى للوصول إلى هذا المطلب العظيم.
وهذه الأسباب تُمثِّل جانبًا مِن سُننِ الله سبحانه في الخَلْق. ويمكن تلخيص أسباب الوصول للفقه فيما يلي:
١- الرغبة الصادقة لدى الإنسان في تحصيل الفقه في الدين، رغبةً يَحْدوها الإخلاص لله وحده لا شريك له؛ فإخلاص النية لله تعالى في طلب العلم، ولاسيما هذا النوع من العلم الذي هو خاص بطريق هداية الإنسان إلى الله تعالى، وليس إلى أمور المعاش في الحياة الدنيا الفانية
= أمرٌ لا يُغْنِي عنه شيءٌ آخر.
وينبغي للراغب في تحصيل الفقه، أن يُدرِك خطورة انحراف النية عن هذا القصد في طلب هذا النوع من العلم.
وينبغي للراغب في تحصيل الفقه، أن يُدرِك أهمية هذا النوع من العلم وقدْرَهُ؛ فلا يَنْحرف به عن غايته.
[ ١٢٩ ]
٢- تحديد مفهوم الفقه في الدين تحديدًا صحيحًا، وذلك حسب ما مضى في تعريفه في هذا البحث"١".
٣- تحديد الطرق الصحيحة لتحصيل الفقه في الدين، المتمثلة في تصحيح المنهج في تلقي العلم؛ كي لا ينحرف الدارس بإفراط أو تفريط. ومما يؤكَّد عليه في هذا الباب:
* أن ندرك منذ البداية أن العلم منهجٌ، قبل أن يكون مسائل متفرقة.
*وأن ندرك أن العلم فقهٌ، قبل أن يكون حفظًا، أو سعة اطّلاعٍ؛ قال تعالى: ﴿والذين إِذا ذُكِّرُوا بآياتِ ربِّهِمْ لَمْ يَخِرِّوْا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ "٢"، وقال ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
* وأن ندرك أن العلم عملٌ وتطبيقٌ، قبل أن يكون فكرًا وثقافة
* ويجب أن يكون أساس المنهج هو تحكيم الكتاب والسنة، واتخاذهما ميزانًا يَصْدر عنه طالب العلم في علمه ومنهجه في طلب العلم، وفي فهمه
* ولابد من سلامة المنهج في فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما، وإلا فكم من الفِرَق المنتسبة إلى الإسلام قد انحرفت عن هدايات كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ودلالاتهما، مع زعمها، أو حرصها، على تحكيمهما، ولكنها لم تَظْفر بذلك؛ لأحد سببين أساسيين في تقديري، أو لهما معًا:
- الأول: عدم استقامة منهج الفهم عند الطائفة أو الجماعة.
_________________
(١) في: "أوّلًا"، مِن الفصل الثاني.
(٢) ٧٣: الفرقان: ٢٥.
[ ١٣٠ ]
- الثاني: عدم السلامة من الهوى، أو وجود شيء من الهوى على درجات فيما بين تلك الفِرق وأصحابها.
* والتثبت أمرٌ مهمٌّ، يُمَثِّل جانبًا أساسيًّا في معالم المنهجية السليمة في طلب العلم، والتثبت يشمل جانبين-كما سبق-:
أ - التثبت مِن صحة النقل وفي الروايات التي تنبني عليها الأحكام.
ب - التثبت مِن الفهم، بمعنى تدقيق الفهم ونقده بحيث يستقيم له صحة فهمه واستدلاله.
٤- السعي الجادّ في تحصيل الفقه في الدين وفْق تلك الطرق الصحيحة، وذلك ببذل الجهد الكافي لتحصيل العلم، ويَنْبغي أن ندرك قدر الجهد الذي يتطلبه هذا العلم، وأن نَعِيَ أن العلم لا يدرك بالأماني والراحة؛ "لا يُدْرَك العلم براحة الجسم"؛ بل لابد من المجاهدة، ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ "١".
فهل نُدْرِك-بعد هذا- نتائج الوفاء بهذه الأمور الأربعة، ونتائج الإخلال بها أو بواحد منها!.
إنّ مِن المؤكَّد أنّ مَن لم يَسِر على هذا المنهج؛ فليس له سبيلٌ إلى تحصيل الفقه في الدين بصورةٍ صحيحةٍ شاملةٍ متكاملةٍ؛ لأنّ مِن سُننِ الله في الخَلْق أنه قضى، سبحانه، أن تحصيل الأمور مرهون بـ:
- الأخذ بأسبابها، وقد قال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ
_________________
(١) ٦٩: العنكبوت: ٢٩.
[ ١٣١ ]
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "١"؛ فلا تكفي الرغبة وحدها لتحصيل أمرٍ مِن الأمور، حتى ينضمّ إليها السعيُ.
- ولا يكفي ذلك حتّى يكون السعي منضبطًا بالتوجّه الصحيح لتحصيل ذلك الأمر؛ قال تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ "٢".
ومما يَلْزم الإنسانُ لتحقيق هذا المطلب:
١- النية الصالحة.
٢- القناعة.
٣- الإرادة القوية التي لا تردد فيها؛ بحيث لا يشغلك شاغلٌ عن الهدف وألا تُؤْثِرَ الراحة على تحصيل العلم، ولا تؤجل الواجب لغير وقته.
٤- تخصيص الوقت الكافي.
_________________
(١) ١٨٩: البقرة: ٢.
(٢) ٦٩: العنكبوت: ٢٩.
[ ١٣٢ ]