صلاح النيّة يتوقف على الاستقامة في أمرين، هما:
الأول: الفعل الذي يُريد تحقيقه أو عمله.
الثاني: الغاية التي يريدها المرء من وراء عمله.
فالأول: وهو الفعل، يكون صلاحه في باب العبادات بأن يكون طاعةً من حيث هو، وأن يكون مطابقًا لأمر الله وأمْر رسوله ﷺ.
والثاني: وهو الغاية من الفعل، يكون صلاحه، بإخلاص النية لله تعالى.
ويأتي الحديث عن النية في كلام العلماء بمعنيين:
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر عن صلاة
[ ٣٠ ]
العصر إلى آخر ما هنالك، وهذا هو الذي يَرِدُ كثيرًا في كلام الفقهاء.
الثاني: تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له، أو الله وغيره؟ وهذا هو الذي يَرِد كثيرًا في كلام السلف، بل هذا المعنى هو الوارد كثيرًا في كلام الله وكلام رسوله: ويُعَبَّرُ عن النية بهذا المعنى بلفظ الإرادة.
﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ "١".
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ "٢".
وقد يُعَبَّرُ عنها في القرآن بلفظ الابتغاء: ﴿إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ "٣"، ﴿وَمَا تُنفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ "٤".
والنية تتقلب، فقد قال بعض السلف: "ربما أحدِّث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي؛ فإِذَا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات".
والنيّة محلها القلب، ولم يَرِد التلفظ بها في شيء من العبادات عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف، إلا أنه في الحج وحده يُسَمِّي نُسُكَه، فإن مجاهدًا قال: "إذا أراد الحج يسمِّي ما يُهِلُّ به"، ورُوي عنه أنه قال: "يسميه في التلبية"، ولكن هذا غير التلفظ بالنية وهو أن يقول عند إرادة الإحرام: "اللهم إني أريد الحج والعمرة" وقد كان النبي ﷺ يذكر نسكه في تلبيته فيقول: "لبيك اللهم عمرة وحجة"، ولم يَرِد عنه التلفظ بالنية.
وقد صح عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول عند إحرامه: "اللهم إني أريد
_________________
(١) ١٥٢: آل عمران: ٣.
(٢) ١٨: الإسراء: ١٧.
(٣) ٢٠: الليل: ٩٢.
(٤) ٢٧٢: البقرة: ٢.
[ ٣١ ]
الحج والعمرة"؛ فقال له: أَتُعْلم الناس؟ أوَ ليس الله يعلم ما في نفسك؟! "١".
ويتحصل مما مضى النتائج التالية:
- من مقتضيات الإخلاص، أن يكون معنى الإخلاص هو المحرِّك الأساس للعمل؛ بحيث لو استقلّ لم يكن استقلاله سببًا في تخلِّي العامل عن العمل.
- القاعدة المطّردة، هي: أنه ليس من معنى الإخلاص إلغاء، أو تحريم ما أَذِنَ الله فيه من مصالِحَ دنيوية تأتي تبعًا لعملٍ ما؛ لأنه ما دام الإخلاص إخلاصًا لله، فيجب أن لا يَخرج بصاحبه عن شرع الله.
- السبب في إحباط النية والقصد في عملٍ ما، لا يعدو أن يكون أحدَ أمرين:
الأول: إرادة حظوظ النفس التي لا تقتضيها العبادة، أو التي لم يأذن
بها الله في العبادة، أو مع العبادة.
الثاني: مزاحمة المصلحة الدنيوية المقترنة بالعبادة، لنية العبادة، أو تغليبها عليها.
وضمير الإنسان له إحساسه وأثره في تقدير هذه الجوانب. واستفت قلبك، على أن تكون مع ربك!. ومهما تعارضت الأمور في التفكير، فالأقرب أن يكون الإنسان إلى الله أقرب، كما أن الأغرب أن يَتَلَوَّنَ تَلَوُّن الحِرباء، أو يَلدغ
لدْغ العقرب!.
وما سَلِم من هذا وهذا إلا من وفقه الله تعالى للإخلاص؛ إذْ لا خلاص إلا بالإخلاص، إنْ في الدنيا وإنْ في الآخرة!.
_________________
(١) يُنظَر فيما أَوردتُهُ هنا: "جامع العلوم والحِكَم"، لابن رجب، في شرحه لحديث: (إنما الأعمال بالنيات..)، ١/٣٣، فما بعدها.
[ ٣٢ ]