وقد انقسم الناس، الذين أخطأوا تجاه القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى فريقين:
الفريق الأول: مَن يترك ما يجب عليه مِن الأمر والنهي؛ تأويلًا لهذه الآية: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ "١".
الفريق الثاني: مَنْ يريد أن يأمر وينهى- إما بلسانه وإمّا بيده- مُطْلقًا، من غير فِقْهٍ، ولا حلمٍ، ولا صَبْرٍ، ولا نظرٍ فيما يَصْلح من ذلك وما لا يَصْلحُ، وما يَقْدر عليه وما لا يَقْدر، كما في حديث أبي ثَعْلَبَة الخُشَني: سألتُ عنها
_________________
(١) ١٠٥: المائدة: ٥.
[ ١٩٠ ]
-أي الآية السابقة- رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المُنْكَر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوىً متَّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، ورأيتَ أمرًا لا يَدَان لك به، فعليك بنفسك، ودَعْ عنك أمر العوام؛ فإن من ورائِك أيّامَ الصبرِ، الصَبْرُ فيهِنّ مثل قبْضٍ على الجمر، للعامل فيهنّ كأجْرِ خمسين رجلًا يَعْملون مثل عمله" "١".
فيأتي بالأمر والنهي معتقدًا أنه مطيع لله ولرسوله، وهو مُعْتَدٍ في حدوده، كما نصب كثير من أهل البدع والأهواء نفسه للأمر والنهي، كالخوارج والمعتزلة والرافضة وغيرهم، ممن غَلِط فيما آتاه الله من الأمر والنهي والجهاد وغير ذلك، وكان فساده أعظمَ من صلاحه.
وكلٌّ مِن الفريقين مخطيءٌ؛ وذلك لما يأتي:
- لأن الله تعالى قد أوجب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وما استدلَّ به الفريق الأول استدلالٌ غير صحيح؛ لِما فيه مِن اقتصارٍ على بعض النصوص الشرعية عن البعض الآخر، ولِما فيه مِن تأويلٍ غير صحيح.
ولقد خَطب أبوبكر في الناس؛ لتصحيح هذا التوهّم، كما جاء في الحديث فقال في خطبته: "أيّها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ "٢"، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإنّي سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إنّ الناس إذا
_________________
(١) الترمذي، ٣٠٥٨، وأبو داود، ٤٣٤١، وابن ماجه، ٤٠١٤، وبينها اختلافٌ يسير.
(٢) ١٠٥: المائدة: ٥.
[ ١٩١ ]
رأوا المنكرَ فلم يُغيّروه، أوشك أن يَعُمهم اللهُ بعِقابٍ منه" "١".
- ولأن الله تعالى، الذي أوجب القيام بهذا الواجب، قد أَمر أن تُراعى فيه صفاتٌ أو شرائط؛ فمَن لم يأتِ بها لا يكون أتى به حقيقةً، وإنما صورةً.
ومِن ذلك مراعاة العِلم والدليل، والحكمة، والرفق واللين، ورعاية المصالح ودفع المفاسد المعتبرة شرعًا، والصبر على الأذى.
_________________
(١) ابن ماجه، ٤٠٠٥، الفتن، وأحمد، ١، و١٧، و٥٤. وبينها اختلافٍ يسير.
[ ١٩٢ ]