يتلخص الجواب عن هذا التساؤل في أَحدِ معنيين:
الأول: هو أن الحديث مسوق لبيان وجوب تغيير المنكر، ولَمّا كان هذا هو المقصود، وهو التغيير، بَيْنَ وسائل التغيير، ورتّب تلك الوسائل حسب قوّتها في إزالة المنكر، ولَمّا كان المقصود بيان ما يُغيّر المنكر بدأ بأقواها ثم بما بعدها وأبان الحديث -إلى جانب بيان هذه الوسائل- أن الأمر مرتبط بالاستطاعة، فلا ينبغي أن يُلجأ إلى هذه الوسائل إلا حسب الاستطاعة، وليس معنى ذلك أن كل من توافرت له الاستطاعة لاستخدام وسيلةٍ منها فله أن يُقْدم عليها، كلاّ، لأن الاستطاعة شرط للتغيير، وليست هي كل الشروط، إضافةً إلى أن الاستطاعة عامّة، لا تقتصر على القدرة البدنية، وإلا فكل الناس لهم أيدٍ!!.
يتبين بهذا أن الحديث قد جاء لترتيب وسائل التغيير حسب القوّة، ولم يأت لترتيب مراحل التغيير، أو لترتيب خطوات من يريد التغيير.
[ ١٧٦ ]
والخَلْط بين هذين الأمرين، مِن أهم أسباب الخطأ في فهم هذا الحديث، وعدم إدراك هذه الحقيقة.
الثاني: هو أن المقصود باليد في الحديث هنا ليس هو الظاهر- وهو إعمال اليد- وإنما المقصود التغيير الفعليّ، سواءٌ كان باليد أو باللسان، ولكن عبَّر باليد للدلالة على التغيير الفعليّ، وهذا على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ "١"، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ "٢"، فكثيرًا ما يأتي التعبير بنسبة الكسب والفعل إلى اليد، وإن لم تعمله اليد، والمعنى أنه من عمل الإنسان، ويؤيد هذا المعنى واقِعُ الحال بالنسبة للمنكرات والأخطاء؛ إذْ ليست كلها مما يَقْبل إعمال اليد؛ لأن بعضها قوليٌّ، وبعضها قلبيٌّ
ونظير هذا ما جاءت به النصوص من التعبير بالأكل عن أخذ المال بالباطل: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ "٣"، ومعلوم أن صرف هذا المال الحرام، في الأكل، أو في غيره سواءٌ في الحكم، وإنما جاء التعبير بالأكل لكثرته أو للكناية عن أَخْذه بأي صورةٍ من الصور.
_________________
(١) ٣٠: الشورى: ٤٢.
(٢) ٤١: الروم: ٣٠.
(٣) ١٠: النساء: ٤.
[ ١٧٧ ]
جوابٌ آخر عن هذا التساؤل في معنى الحديث:
ويُمْكن أن يقال: الجواب هو أن هذا الترتيب الوارد في الحديث غير مرادٍ، على أيِّ حالٍ؛ وقد ورَد في اللغة العربية، وفي استعمالات الشرع، كذلك، ومِن ذلك استعمال لفظة "ثمّ"، في غير الترتيب، مع أنها موضوعةٌ في أصل معناها في اللغة للترتيب.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في فقه الأحاديث الواردة في المفاضلة بين الأعمال -بعد أن ذكر عددًا من الآراء-: ""فإن قيل: فقد جاء في بعض هذه الروايات أفضلها كذا، ثم كذا. بحرف "ثم"، وهي موضوعة للترتيب. فالجواب: أن "ثم" هنا للترتيب في الذِّكر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ"١٢"فَكُّ رَقَبَةٍ"١٣"أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ"١٤"يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ"١٥"أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ"١٦"ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ"١٧"﴾ "١". ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب في الفعل، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا ﴾، إلى قوله ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ "٢"، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ
_________________
(١) ١٢-١٧: البلد: ٩٠.
(٢) ١٥١-١٥٤: الأنعام: ٦. ونصُّ الآيات كاملة هو: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾ .
[ ١٧٨ ]
قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ﴾ "١". ونظائر ذلك كثيرة وأنشدوا فيه:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده"""٢".
_________________
(١) ١١: الأعراف: ٧.
(٢) شرح مسلم، للنووي، ٢/٧٨.
[ ١٧٩ ]