ويأتي في أهميّة الفقه قوله ﷺ:
"مَنْ يرِدِ الله به خيرًا يُفَقههُ في الدين، وإنما أنا قاسمٌ، والله يُعطي، ولن تزال هذه الأمَّة قائمة على أمْرِ الله لا يَضُرُّهم مَنْ خالفَهُم حتى يأتي أمرُ الله""١". وهذا الحديث يحتاج إلى وقفةٍ متأنيةٍ عنده. وقد أورده البخاري تحت باب: "مِن يُرِد الله به خيرًا يفقهْهُ في الدين".
قال ابن حجر ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام: أحدها: فضْل التفقه في الدين، وثانيها: أن المعطى في الحقيقة هو الله، وثالثها: أن بعض هذه الأمة يَبْقَى على الحق أبدًا""٢".
وقال، أيضًا-معلِّقًا على فقه هذا الحديث -: "وقد تتعلق الأحكام"٣" الثلاثة بأبواب العلم -بل بترجمة هذا الباب خاصة- من جهة إثبات الخير لمن تفقه في دين الله، وأن ذلك لا يكون بالاكتساب فقط، بل لمن يفتح الله عليه به، وأن من يفتح الله عليه بذلك لا يزال جنسه موجودًا حتى يأتي أمر الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري، رقم (٧١)، العلم، (نسخة الفتح) ١/١٦٤.
(٢) فتح الباري ١/١٦٤.
(٣) في فتح الباري، المطبوع: الأحاديث. ولعل الصواب ما أثبتُّه؛ لأنه يتكلم عن الثلاثة الأحكام السابق ذكرها، لا عن ثلاثة أحاديث.
[ ٨٦ ]
وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل العلم بالآثار.
وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم.
وقال القاضي عياض: أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث.
وقال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة فرقة من أنواع المؤمنين ممن يقيم أمر الله تعالى من مجاهد وفقيه ومحدث وزاهد وآمرٍ بالمعروف، وغير ذلك من أنواع الخير، ولا يلزم اجتماعهم في مكان واحد بل يجوز أن يكونوا متفرقين، قوله "يفقهه" أي يفهمه، وهي ساكنة الهاء لأنها جواب الشرط، يقال: فَقُهَ، بالضم، إذا صار الفقه له سجيةً، وفَقَهَ، بالفتح، إذا سبق غيره إلى الفهم، وفَقِهَ، بالكسر، إذا فهم، ونَكَّر "خيرًا" ليشمل القليل والكثير، والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه، ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين -أي يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع- فقد حُرِمَ الخير.
وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف، وزاد في آخره: "ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به"، والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أُريد به الخير، وفي ذلك بيانٌ ظاهرٌ لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم"""١".
وقال شيخ الإسلام: ""وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"، ولازمُ ذلك أن من لم يُفَقّهْه الله في الدين لم
_________________
(١) فتح الباري ١/١٦٤-١٦٥.
[ ٨٧ ]
يُرِد به خيرًا؛ فيكون التفقه في الدين فرضًا. والتفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية؛ فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهًا في الدين، لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، لا كل ما يعجز عنه من التفقه، ويلزمه ما يقدر عليه، وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقًا، وقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال.
والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يَقبل التجزِّي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهدًا في فنٍ أو بابٍ أو مسألةٍ، دون فنٍ وبابٍ ومسألةٍ، وكل أحد فاجتهاده بحسب وُسْعه""١".
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ٢٠/٢١٢.
[ ٨٨ ]