والمتأمل لأحوال الصحابة والسلف يجد أن ذكر الموت والخوف من الحساب كان يُورق مضاجعهم ويسيل مدامعهم
- فهذا عثمان بن عفان يقول: وددت أني إذا متُّ لا أبعث.
- وهذا أبو عبيدة بن الجراح يقول: وددت أني كبش فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي ..
- وبكى عبد الله بن رواحة فقيل له: ما يبكيك؟! قال: أنبأني الله أني وارد النار ولم ينبئني أني خارج منها.
- وبكى النخعي عند موته وقال: انتظر رسول ربي ما أدري أيبشرني بالجنة أم بالنار؟!
_________________
(١) أطت: أن السماء من كثرة ما فيها من الملائكة العابدين أثقلها حتى سُمع لها صوتًا وهو الأطيط.
(٢) الصعدات: الطرقات.
[ ١٧ ]
- وكانت امرأة أبي محمد حبيب الفارسي، توقظه بالليل وتقول: قم يا حبيب فإن الطريق بعيد، وزادنا قليل وقوافل الصالحين قد سارت من بين أيدينا ونحن قد بقينا
- وهذا رجل من أصحاب سفيان الثوري يقول:
إذا جلسنا إلى الثوري، فكأن النار قد أحاطت بنا، لما نرى من خوفه وجزعه.
- وقال الحجاج لسعيد بن جبير: بلغني أنك لم تضحك قط .. قال: كيف أضحك، وجهنم قد سعّرت، والأغلال قد نصبت والزبانية قد أعدت؟!
- وهذا رجل منهم يقول: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.
- ورُئَي الحسن يومًا وهو يبكي فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يُبالي.
- وهذا حبيب أبي محمد الفارسي يقول لامرأته: إن متُّ اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني، وافعلي كذا وكذا، فقيل لامرأته، أرى رؤيا؟! قالت: هذا يقوله كل يوم (١) ..
فهذه بعض أحوال الخائفين، صبروا أيامًا قليلة، فأعقبتها راحة طويلة
_________________
(١) هذه الأخبار وغيرها من كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغالي، وكتاب صفة الصفوة للإمام ابن الجوزي.
[ ١٨ ]
أما والله لو علم الأنام لِمَا خلقوا لما غفلوا وناموا
لقد خلقوا لما لو أبصرته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
مماتٌ ثم قبرٌ ثم حشرٌ وتوبيخٌ وأهوالٌ عظام
ليوم الحشر قد عملت رجالٌ فصلُّوا من مخافته وصاموا
ونحن إذا نهينا أو أمرنا كأهل الكهف أيقاظ نيام
ومن تأمل هذه الأمور حق التأمل أوجب له القلق، فإن ابن آدم متعرض لأهوال عظيمة من الموت، والقبر، وأهوال الموقف كالصراط والميزان، وأعظم من ذلك: الموقف بين يدي الله ﷿ ودخول النار والخلود فيها إذا سُلَب إيمانه عند الموت، ولا يأمن المؤمن شيئًا من هذه الأمور .. ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١).
(فيا أيها المطرود بإصراره وطغيانه وغفلته وخسرانه، وتماديه وعصيانه، .. لقد عظمت مصيبتك بغضب الله وهوانه، فأين مُقلتك الباكية؟ وأين دمعتك الجارية؟ وأين زفرتك الرائحة الغادية؟؟ لأي يوم أخّرت توبتك؟ ولأي عام ادخرت عودتك؟؟ إلى العام القادم والحول القابل؟؟ كلا .. كلا .. فما إليك مدة الأعمار، ولا معرفة الأقدار، فكم مَن أعد طيبًا لعيده جُعل في تلحيده؟؟ وثيابًا لتزيينه صارت لتكفينه؟؟) (٢).
_________________
(١) الأعراف: ٩٩.
(٢) من كتاب الغنية لعبد القادر الجيلاني.
[ ١٩ ]
أيها العبد الآبق: عد إلى مولاك، مولاك يناديك بالليل والنهار: من أتاني يمشي أتيته هرولة، وأنت عنه معرض، وعلى غيره مقبل، لقد غُبنت أفحش الغبن، وخسرت أكبر الخسران
انتبه أيها الغافل!! فإنما أنت أيام معدودة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل، وأنت تعلم فاعمل، فمازال باب التوبة مفتوحًا (١).