سيقول الكثير: وكيف أبدأ بالدعوة وإصلاح الغير وأنا مضطرب مع نفسي لم أصلحها .. لابد من تهذيبها أولًا ثم الدعوة ثانيًا
إن هذا القول ظاهره فيه الرحمة وباطنه العذاب وهو مدخل خطير من مداخل الشيطان على الإنسان ليقعده أولًا عن الدعوة بحجة إصلاح النفس لكي يعزله عن إخوانه ثم يُجهز عليه بعد ذلك، فالذم
_________________
(١) راجع رسالة الجهاد للإمام حسن البنا وفيها عرض لحكم الجهاد في مختلف المذاهب الفقهية.
[ ٢٧ ]
الوارد في الآية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١) ليس مقصودًا به أمر الناس بالبر وإنما المقصود منه هو نسيان النفس.
وهناك نظرة أخرى .. هل يستطيع مسلم مهما حاول مع نفسه وجاهدها أن يرضى عنه نفسه ويقول: إنه الآن قد أصلحها؟! إنه إن فعل ذلك فقد أصبح من الخاسرين ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢) إن المسلم كلّما ازداد قربًا من الله ﷿، ازداد شعوره بالتقصير، أي أنه سيظل يسيء الظن بنفسه حتى نهاية عمره.
ونظرة ثالثة إن تغيير حال المسلمين أصبح الآن فرض عين على كل مسلم، كما أن إصلاح النفس فرض عين أيضًا وسيُسأل يوم القيامة عن الأمرين كلٌّ على حده.
بمعنى أنك إذا قمت بالدعوة ونسيت نفسك، ستحاسب على تقصيرك مع نفسك، وإن قمت بإصلاح نفسك وأهملت الدعوة إلى الله فستحاسب عن كل أرض إسلامية اغتصبت، وكل دم مسلم أريق .. و.. إلخ.
فأنت لا تستطيع أن تترك صيام رمضان بحجة أنك لم تصلح
_________________
(١) البقرة: ٤٤.
(٢) الأعراف: ٩٩.
[ ٢٨ ]
صلاتك أو أن خشوعها غير كامل لأن كليهما فرض عين كذلك الدعوة إلى الله وإصلاح النفس.
ففي الحديث عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّه كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ .. ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثُمَّ قَالَ: «كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا أَوْ لَيضربنَّ الله بِقُلُوبِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض، ثُمَّ لَيَلْعَنكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ» (١).
وعن جابر مرفوعًا: «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَنِ اقْلِبْ
_________________
(١) رواه الترمذي وقال: حديث حسن وأبو داود واللفظ له.
[ ٢٩ ]
مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا عَلَى أَهْلِهَا. قَالَ: إِنَّ فِيهَا عَبْدَكَ لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ»، وفي رواية أحمد: «بِهِ فَابْدَأْ فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرَ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ -أي لَمْ يَحْمَرَّ وَجْهَهُ غَضَبًا لِي-» (١).
وقال تعال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٢) أي لا تختص بالمعتدين، بل تتناول من رأى منكرًا ولم يغيره.
وفي حديث زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» (٣).
وسئل عمر بن الخطاب ﵁: أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها على أبرارها.