ولابدّ أن يكون الرباط الذي يربط بين هذه الأفراد ولو كانوا اثنين بعد رباط العقيدة هو رباط الأخوة في الله .. تتجسّد معاني المحبة في الله فيما بينهم، ويصعدون في مدارجها حتى يصلوا إلى ما وصل إليه سلفنا الصالح .. كانوا إذا وضع أحدهم اللقمة في فم أخيه يجد طعمها في ريقه، وإذا احتاج مالًا وضع يده في جيب أخيه دون استئذان .. وإذا ابتعد عنه أخوه شعر كأن جزءًا عزيزًا قد فقد منه هذه الرابطة إذا وعيت بذرتها حتى نبتت، ثم اشتد عودها حتى أثمرت .. كانت نورًا ووقاء يوم القيامة «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال:
_________________
(١) الكهف: ٢٨.
[ ٤١ ]
هم قوم تحابُّوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها .. والله إن وجوههم لنور وإنهم على نور .. ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» (١). ويناديهم ربهم بهذا النداء الحبيب يوم القيامة: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي» (٢).
ومهمة هذه البيئة مهما صغرت أن يتعهد أفرادها بعضهم بعضًا فييسرون على أنفسهم تطبيق ما ذكرناه من قبل
ففي مجال إصلاح النفس تابع الأفراد بعضُهم بعضًا في الطاعات: في حفظ القرآن الكريم وتلاوته، في صيام التطوع، في قيام الليل، في المحافظة على صلاة الجماعة .. في محاسبة النفس .. في القراءة والاطلاع .. في زيارة القبور .. في حضور دروس العلم وهكذا.
فإن المرء يسهل عليه أن يخلف الوعد مع نفسه ولكن يصعب عليه أن يخلقه مع غيره .. وأضرب لذلك مثل: قد ينوي المرء منا زيارة القبور للعظة والاعتبار وترقيق القلوب وتذكر أحوال الآخرة .. وعندما يحين وقت الذهاب تجد الواحد منا يؤجل يومًا بعد يوم، وكل تأجيل بعذر تختلقه النفس، فإذا ما ألزمت نفسي مع بعض إخواني على الذهاب في يوم محدد صعُبَ عليَّ ألا أفي بموعدي، ولا ريب في أنها بركة الاجتماع على طاعة الله ﷿ والتي لا تخلو من نفع وفائدة، فإن نسيت أمرًا ذكّرني أخي، وإن ذكرته أعانني عليه، فالنفس حقًا تحتاج إلى المتابعة، ولنا في صحابة رسول الله -ﷺ- أسوة وقدوة، إذ كان عبد الله بن رواحة ومعاذ بن جبل
_________________
(١) رواه أبو داود.
(٢) أخرجه مسلم.
[ ٤٢ ]
وغيرهما إذا رأى أخاه وقد فتر العزم قال له في مودة وحب: اجلس بنا نؤمن ساعة (١) .. فيتذكرون أحوالهم ويتناصحون ويفترقون على أفضل العزائم ويتحقق فيهم قول المصطفى -ﷺ-:
«وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ فَاجْتَمَعَا عَلَى ذَلِك وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ» (٢).
وفي مجال دعوة الغير، فإنهم يتواصون بدعوة من يحيط بهم ويعين بعضهم بعضًا على ذلك بتوفير المناخ الصالح للمدعو، ويسعون في ذلك بالحكمة بعد دراسة الوسط المحيط بهم والتفكير في الأسلوب الأقوم للتأثير فيه .. فمن يصلح لوسط معين قد لا يصلح لغيره ومن يفيد هنا قد لا يفيد هناك .. فلان قد لا يصلح لدعوته إلا زيد والآخر لا يصلح له إلا عمرو وهكذا.
فمثلًا قد لا أستطيع دعوة شقيقي، فأستعين بأحد إخواني على دعوته وهكذا
وثمة أمر آخر لا يقل في أهميته عما سبقه، ألا وهو إحساسي بأني لا أسير وحدي في هذا الطريق بل أجد عليه أعوانًا، يخففون ما أجد من عناء ونصب، ويفرحون معي إذا منّ الله علينا وجعلنا سببًا في هداية خلقه إليه ودليلًا يدل الحيارى إلى الطريق الصحيح