شاهد الناس من هذا عبرًا؟ والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم. (١)
٨ - الإكثار من ذكر الموت: يقول الرسول ﷺ: (أكثروا من ذكر هانم اللذات يعني الموت) (٢)
وتذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ولا يذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا ذكره في سعة إلا ضيقها عليه ومن أعظم ما يذكر بالموت زيارة القبور ولذلك أمر النبي ﷺ بزيارتها فقال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرًا) (٣)
بل يجوز للمسلم أن يزور مقابر الكفار للاتعاظ والدليل على ذلك ما ورد في الصحيح أنه ﷺ: (زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) (٤)
فزيارة القبور من أعظم وسائل ترقيق القلوب وينتفع الزائر بذكر الموت وكذلك ينتفع الموتى بالدعاء لهم ومما ورد في السنة في ذلك قوله ﷺ: (السلام عليكم أهل الديار من
_________________
(١) الداء والدواء ١٧١.
(٢) رواه الترمذي رقم ٢٣٠٧ وهو في صحيح الجامع ١٢١٠.
(٣) رواه الحاكم ١/ ٣٧٦ وهو في صحيح الجامع ٤٥٨٤.
(٤) رواه مسلم ٣/ ٦٥.
[ ٥٧ ]
المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) (١)
وينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ويقصد بزيارته وجه الله وإصلاح فساد قلبه ثم يعتبر بمن صار تحت التراب وانقطع عن الأهل والأحباب فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال كيف انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم وافترقت في القبور أجزاؤهم وترمل بعدهم نساؤهم وشمل ذل اليتم أولادهم وليتذكر آفة الانخداع بالأسباب والركون إلى الصحة والشباب والميل إلى اللهو واللعب وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليتفكر في حال الميت كيف تهدمت رجلاه، وسالت عيناه، وأكل الدود لسانه، وأبلى التراب أسنانه. (٢)
يا من يصيح إلى داعي الشقاء وقد نادى به الناعيان الشيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى في رأسك الواعيان السمع والبصر
ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر
لا الدهر يبقي ولا الدنيا ولا الفلك الأعلى ولا النيران الشمس والقمر
ليرحلن عن الدنيا وإن كرها فراقها الثاويان البدو والحضر (٣)
_________________
(١) رواه مسلم رقم ٩٧٤.
(٢) التذكرة للقرطبي ص: ١٦ وما بعدها بتصرف.
(٣) الأبيات لعبد الله بن محمد الأندلسي الشنتريني: تفسير ابن كثير ٥/ ٤٣٦.
[ ٥٨ ]
ومن أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل بالعبادة، ومما يؤثر في النفس من مشاهد الموت رؤية المحتضرين فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته وتأمل صورته بعد مماته ما يقطع عن النفوس لذاتها ويمنع الأجفان من النوم والأبدان من الراحة ويبعث على العمل ويزيد في الاجتهاد. دخل الحسن البصري على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت فنظر إلى كربه وشدة وما نزل به فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم فقالوا له الطعام يرحمك الله فقال: يا أهلاه عليكم بطعامكم وشرابكم والله لقد رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى ألقاه. (١)
ومن تمام الشعور بالموت الصلاة على الجنازة، وحملها على الأعناق والذهاب بها إلى المقبرة ودفن الميت، ومواراة التراب عليه وهذا يذكر بالآخرة قال النبي ﷺ: (عودوا المرضى واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة) (٢)
وبالإضافة إلى ذلك فإن في اتباع الجنازة أجرًا عظيمًا ذكره النبي ﷺ، بقوله: (من شهد الجنازة من بيتها - وفي رواية: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا - حتى يصلي عليها فله
_________________
(١) التذكرة ١٧ ..
(٢) رواه أحمد ٣/ ٤٨ وهو في صحيح الجامع ٤١٠٩.
[ ٥٩ ]