رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة (١)
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحرصون على الجلوس للذكر ويسمونه إيمانًا، قال معاذ ﵁ لرجل: (اجلس بنا نؤمن ساعة) إسناده صحيح: أربع مسائل في الإيمان، (٢)
٥ - ومن الأسباب التي تقوي الإيمان الاستكثار من الأعمال الصالحة وملء الوقت بها، وهذا من أعظم أسباب العلاج وهو أمر عظيم وأثره في تقوية الإيمان ظاهر كبير، وقد ضرب الصديق في ذلك مثلًا عظيمًا لما سأل الرسول ﷺ، أصحابه (من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر أنا، قال فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر أنا، قال، فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا، قال أبو بكر أنا، قال فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر أنا، فقال رسول الله ﷺ، ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) (٣)
فهذه القصة، تدل على أن الصديق ﵁ كان حريصًا على اغتنام الفرص، وتنويع العبادات ولما وقع السؤال من النبي صلى
_________________
(١) (١» ثلاث مرات صحيح مسلم رقم ٢٧٥٠ ..
(٢) تحقيق الألباني ص: ٧٢.
(٣) رواه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب١حديث ١٢ ..
[ ٤٥ ]
الله عليه وسلم مفاجئًا دل ذلك على أن أيام أبي بكر ﵁ كانت حافلة بالطاعات، وقد بلغ السلف ﵏ في ازديادهم من الأعمال الصالحة وملء الوقت بها مبلغًا عظيمًا، ومثال ذلك عبارة كانت تقال عن جماعة من السلف منهم حماد بن سلمة قال فيه الإمام عبد الرحمن بن مهدي: " لو قيل لحماد بن سلمة: أنك تموت غدًا ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا " (١)
وينبغي أن يراعي المسلم في مسألة الأعمال الصالحة أمورًا منها:
المسارعة إليها لقوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾ وقال تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾ ومدلول هذه الآيات كان محركًا للمسارعة عند أصحاب النبي ﷺ، وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن أنس بن مالك في قصة غزوة بدر لما دنا المشركون قال، فقال النبي ﷺ: ﴿قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض﴾ قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض قال: نعم قال: بخ بخ - كلمة تطلق لتفخيم الأمر وتعظيمه -
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٤٧ ..
[ ٤٦ ]
فقال رسول الله ﷺ: (ما يحملك على قولك بخ بخ) قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها قال: فإنك من أهلها، فاخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه لحياة طويلة قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل. (١)
ومن قبل أسرع موسى للقاء الله وقال: (وعجلت إليك ربي لترضى) وامتدح الله زكريا وأهله فقال: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين) وقال النبي ﷺ: (التؤدة في كل شيء -وفي رواية خير -إلا في عمل الآخرة) (٢)
الاستمرار عليها بقول الرسول ﷺ، عن ربه في الحديث القدسي: (ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) (٣)
وكلمة (ما يزال) تفيد الاستمرارية، ويقول النبي ﷺ: (تابعوا الحج والعمرة) (٤)
وهو في السلسلة الصحيحة ١٢٠٠. والمتابعة تعني كذلك الاستمرار وهذا المبدأ مهم في تقوية الإيمان وعدم إهمال النفس حتى لا تركن وتأسن، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
_________________
(١) صحيح مسلم ١٩٠١.
(٢) رواه أبو داود في سننه ٥/ ١٥٧وهو في صحيح الجامع ٣٠٠٩.
(٣) صحيح البخاري ٦١٣٧.
(٤) رواه الترمذي رقم ٨١٠.
[ ٤٧ ]
والمداومة على الأعمال الصالحة تقوي الإيمان وقد سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها وإن قل) (١)
وكان النبي ﷺ، إذا عمل عملًا أثبته. (٢)
الاجتهاد فيها: إن علاج قسوة القلب لا يصلح أن يكون علاجًا مؤقتًا يتحسن فيه الإيمان فترة من الوقت ثم يعود إلى الضعف بل ينبغي أن يكون نهوضًا متواصلًا بالإيمان وهذا لن يكون إلا بالاجتهاد في العبادة. وقد ذكر الله في كتابه من اجتهاد أوليائه في عبادته أحولًا عدة فمنها: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون﴾. وقال الله تعالى عنهم: ﴿كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾. والاطلاع على حال السلف في تحقيق صفات العابدين شيء يبعث على الإعجاب ويقود إلى الاقتداء فمن ذلك أنه كان لهم سُبُع من القرآن يختمونه كل يوم وكانوا يقومون الليل في الغزو والقتال ويذكرون الله ويتهجدون، حتى في السجن، يصفون أقدامهم، تسيل دموعهم على
_________________
(١) رواه البخاري فتح١١/ ١٩٤.
(٢) رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين، باب ١٨ حديث ١٤١. .
[ ٤٨ ]
خدودهم، يتفكرون في خلق السموات والأرض، يخادع أحدهم زوجته كما تخادع المرأة صبيها، فإذا علم أنها نامت انسل من لحافها وفراشها لصلاة القيام، يقسمون الليل على أنفسهم وأهليهم ونهارهم في الصيام والتعلم والتعليم واتباع الجنائز وعيادة المرضى وقضاء حوائج الناس تمر على بعضهم السنون لا تفوتهم تكبيرة الإحرام مع الإمام ينتظرون الصلاة بعد الصلاة يتفقد أحدهم عيال أخيه بعد موته سنوات ينفق عليهم، ومن هذا حاله فإيمانه في ازدياد.
عدم إملال النفس: ليس المقصود من المداومة على العبادات أو الاجتهاد فيها إيقاع النفس بالسآمة وتعريضها للملل وإنما المقصود عدم الانقطاع عن العبادات ما يطيق ويسدد ويقارب وينشط إذا رأى نفسه مقبلة ويقصد عند الفتور، ويدل على هذه التصورات مجموعة من الأحاديث منه قوله ﷺ: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا ..) (١)
وفي رواية: (والقصد القصد تبلغوا) (٢)
، وقال البخاري ﵀ باب ما يكره من التشديد في العبادة، عن أنس ﵁ قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: (ما هذا الحبل) قالوا هذا
_________________
(١) صحيح البخاري ٣٩.
(٢) صحيح البخاري ٦٠٩٩.
[ ٤٩ ]
حبل لزينب فإذا فترت تعلقت قال النبي ﷺ: (لا، حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد) (١)
ولما علم النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص يقوم الليل كله ويصوم النهار متتابعًا نهاه عن ذلك وبين السبب بقوله: (فإنك إذا فعلت هجمت عينك - يعني غارت أو ضعفت لكثرة السهر - ونفهت نفسك - يعني كلت). وقال الرسول ﷺ: (اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله ﷿ لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ﷿ أدومه وإن قل) (٢)
استدراك ما فات منها: فعن عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من نام عن حزبه من الليل، أو شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل) (٣)
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة داوم عليها وكان إذا فاته القيام من الليل غلبته
_________________
(١) صحيح البخاري ١٠٩٩.
(٢) رواه البخاري، فتح ٣/ ٣٨ ..
(٣) رواه النسائي وغيره، والمجتبي: ٢/ ٦٨، صحيح الجامع ١٢٢٨.
[ ٥٠ ]
عيناه بنوم أو وجع صلى ثنتي عشرة ركعة من النهار) (١)
ولما رأته أم سلمة ﵂ يصلي ركعتين بعد العصر وسألته أجابها ﵊ بقوله: (يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان) (٢)
(وكان إذا لم يصل أربعًا قبل الظهر صلاهن بعده) (٣)
(وكان إذا فاته الأربع قبل الظهر صلاها بعد الظهر) (٤)
فهذا الأحاديث تدل على قضاء السنن الرواتب، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في صومه ﷺ شعبان أكثر من غيره ثلاث معان أولها: أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما شغل عن الصيام أشهرًا فجمع ذلك في شعبان ليدركه قبل صيام الفرض " أي رمضان"تهذيب سنن أبي داود ٣/ ٣١٨، وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فلما فاته الاعتكاف مرة
_________________
(١) رواه أحمد ٦/ ٩٥.
(٢) رواه البخاري فتح ٣/ ١٠٥.
(٣) رواه الترمذي رقم ٤٢٧ وصحيح سنن الترمذي رقم ٣٥٠.
(٤) صحيح الجامع ٤٧٥٩.
[ ٥١ ]
لعارض السفر اعتكف في العام المقبل عشرين يومًا. (١)
رجاء القبول مع الخوف من عدم القبول، وبعد الاجتهاد في الطاعات، ينبغي الخوف من ردها على صاحبها، عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: (لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات) (٢)
وقال أبو الدرداء ﵁: " لأن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها، إن الله يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (٣)
. ومن صفات المؤمنين احتقار النفس أمام الواجب من حق الله تعالى: قال النبي ﷺ: (لو أن رجلًا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرمًا في مرضاة الله ﷿ لحقره يوم القيامة) (٤)
فمن عرف الله وعرف النفس يتبين له أن ما معه من البضاعة لا يكفي ولو جاء بعمل الثقلين، إنما يقبله ﷾ بكرمه وجوده وتفضله ويثيب
_________________
(١) فتح الباري ٤/ ٢٨٥.
(٢) رواه الترمذي ٣١٧٥ وهو في السلسلة الصحيحة ١/ ١٦٢.
(٣) تفسير ابن كثير ٣/ ٦٧.
(٤) رواه الإمام أحمد، المسند ٤/ ١٨٥ وهو في صحيح الجامع ٥٢٤٩.
[ ٥٢ ]