١ - تدبر القرآن العظيم الذي أنزله الله ﷿ تبيانًا لكل شيء ونورًا يهدي به سبحانه من شاء من عباده، ولا شك أن فيه علاجًا عظيمًا ودواء فعالًا قال الله ﷿: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ أما طريقة العلاج فهي التفكر والتدبر.
(وقد كان رسول الله ﷺ، يتدبر كتاب الله ويردده وهو قائم بالليل، حتى إنه في إحدى الليالي قام يردد آية واحدة من كتاب الله، وهو يصلي لم يجاوزها حتى أصبح وهي قوله تعالى: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ (١)
وكان ﵊ يتدبر القرآن وقد بلغ في ذلك مبلغًا عظيمًا، روى ابن حبان في صحيحه بإسناد جيد عن عطارة قال: دخلت أنا وعبيد الله بن عمير على عائشة ﵂، فقال عبيد الله بن عمير: (حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي - تعني يصلي - فقال: يا عائشة، ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما
_________________
(١) سورة المائدة /١١٨) رواه أحمد ٤/ ١٤٩ وفي صفة الصلاة للألباني ص: ١٠٢ ..
[ ٣٥ ]
رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ﴾ (١)
وهذا يدل على وجوب تدبر هذه الآيات.
والقرآن فيه توحيد ووعد ووعيد وأحكام وأخبار وقصص وآداب وأخلاق وآثارها في النفس متنوعة وكذلك من السور ما يرهب النفس أكثر من سور أخرى، يدل على ذلك قوله ﷺ:
(شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب) (٢)
وفي رواية (هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت) (٣)
لقد شيبت رسول الله ﷺ لما احتوته من حقائق الإيمان والتكاليف العظيمة التي ملأت بثقلها قلب الرسول ﷺ فظهرت آثارها على شعره وجسده، (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك).
وقد كان صحابته ﷺ يقرأون ويتدبرون ويتأثرون
_________________
(١) آل عمران /١٩٠) السلسلة الصحيحة ١/ ١٠٦.
(٢) السلسلة الصحيحة ٢/ ٦٧٩.
(٣) رواه الترمذي ٣٢٩٧ وهو في السلسلة الصحيحة برقم ٩٥٥.
[ ٣٦ ]
وكان أبو بكر ﵁ رجلًا أسيفا رقيق القلب إذا صلّى بالناس وقرأ كلام الله لا يتمالك نفسه من البكاء ومرض عمر من أثر تلاوة قول الله تعالى: ﴿إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع﴾ (١)
وسمع نشيجه من وراء الصفوف لما قرأ قول الله عن يعقوب ﵇: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (٢)
وقال عثمان ﵁: لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله، وقتل شهيدًا مظلومًا ودمه على مصحفه وأخبار الصحابة في هذا كثيرة، وعن أيوب قال سمعت سعيدًا - ابن جبير - يردد هذه الآية في الصلاة بضعًا عشرين مرة ﴿واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله﴾ (٣)
وهي أخر آية نزلت من القرآن وتمامها ﴿ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾. وقال إبراهيم بن بشار: الآية التي مات فيها علي بن الفضيل: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد﴾ في هذا الموضع مات وكنت فيمن صلّى عليه ﵀. (٤)
وحتى عند سجدات التلاوة كانت لهم مواقف فمنها قصة ذلك الرجل ﵀ الذي قرأ قول الله ﷿: ﴿ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعًا﴾ (٥)
فسجد سجدة التلاوة ثم قال
_________________
(١) الأثر بأسانيده في تفسير ابن كثير ٧/ ٤٠٦.
(٢) مناقب عمر لابن الجوزي ١٦٧.
(٣) سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢٤.
(٤) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٦.
(٥) الإسراء /١٠٩.
[ ٣٧ ]
معاتبًا نفسه: هذا السجود فأين البكاء؟.
ومن أعظم التدبر أمثال القرآن لأن الله ﷾ لما ضرب لنا الأمثال في القرآن ندبنا إلى التفكر والتذكر فقال: (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) وقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون).
تفكر أحد السلف مرة في مثل من أمثال القرآن فلم يتبين له معناه فجعل يبكي، فسئل ما يبكيك؟ فقال: إن الله ﷿ يقول: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ (١)
وأنا لم أعقل المثل، فلست بعالم، فأبكي على ضياع العلم مني.
وقد ضرب الله لنا في القرآن أمثلة كثيرة منها: مثل الذي استوقد نارًا، ومثل الذي ينعق بما لا يسمع، ومثل الحبة التي أنبتت سبع سنابل، ومثل الكلب الذي يلهث، والحمار يحمل أسفارًا، والذباب، والعنكبوت، ومثل الأعمى والأصم، والبصير والسميع، ومثل الرماد الذي اشتدت به الريح، والشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة، والماء النازل من السماء ومثل المشكاة التي فيها مصباح، والعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء والرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، وغيرها، والمقصود الرجوع إلى آيات الأمثال والاعتناء بها عناية خاصة.
ويلخص ابن القيم ﵀ ما على المسلم أن يفعله لعلاج قسوة قلبه
_________________
(١) العنكبوت /٤٣.
[ ٣٨ ]