روى الحاكم في مستدركه والطبراني في معجمه عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فأسالوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) (١)
يعني بذلك أن الإيمان يبلى في القلب كما يبلى الثوب إذا اهترأ وأصبح قديمًا، وتعتري قلب المؤمن في بعض الأحيان سحابة من سحب المعصية فيظلم وهذه الصورة صورها لنا رسول الله ﷺ بقوله في الحديث الصحيح: (ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينا القمر مضيء إذ علته سحابة فاظلم، إذ تجلت عنه فأضاء) (٢)
فالقمر تأتي عليه أحيانًا سحابة تغطي ضوءه، وبعد برهة من الزمن تزول وتنقشع فيرجع ضوء القمر مرة أخرى ليضيء في السماء، وكذلك قلب المؤمن تعتريه أحيانًا سحب مظلمة من المعصية، فتحجب نوره، فيبقى الإنسان في ظلمة ووحشة، فإذا سعى لزيادة إيمانه واستعان بالله ﷿ انقشعت تلك السحب، وعاد نور قلبه يضيء كما كان.
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٤وهو في السلسلة الصحيحة ١٥٨٥وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٢رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن.
(٢) رواه أبو نعيم في الحلية ٢/ ١٩٦وهو في السلسلة الصحيحة٢٢٦٨.
[ ٣٢ ]
ومن المرتكزات المهمة في فهم قضية ضعف الإيمان وتصور علاجها هو معرفة أن الإيمان يزيد وينقص وهذا من صميم اعتقاد أهل السنة والجماعة، فإنهم يقولون أن الإيمان نطق باللسان واعتقاد بالجنان (أي القلب) وعمل بالأركان (أي الجوارح) يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقد دلت على هذا الأدلة من الكتاب والسنة فمنها قوله تعالى: ﴿ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم﴾ وقوله: (أيكم زادته هذه إيمانًا) وقوله ﷺ عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (١)
وأثر الطاعة والمعصية في الإيمان زيادة ونقصانًا أمر معلوم مشاهد ومجرب فلو أن شخصًا خرج يمشي في السوق ينظر إلى المتبرجات ويسمع صخب أهل السوق ولغوهم ثم خرج فذهب إلى المقبرة فدخلها فتفكر ورق قلبه فإنه يجد فرقًا بينًا بين الحالتين فإذا القلب يتغير بسرعة.
وعن علاقة المفهوم بموضوعنا يقول بعض السلف: " من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه، وما ينقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد إيمانه؟
_________________
(١) البخاري فتح ١/ ٥١.
[ ٣٣ ]
أو ينقص؟ وإن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه؟ " (١)
ومما ينبغي معرفته أن نقص الإيمان إذا أدى إلى ترك واجب أو فعل محرم فهذا فتور خطير مذموم يجب عليه التوبة إلى الله والشروع في علاج نفسه أما إذا لم يؤد الفتور إلى ترك واجب أو فعل محرم وإنما كان تراجعًا في عمل مستحبات مثلًا فعلى صاحبه أن يسوس نفسه ويسدد ويقارب حتى يعود إلى نشاطه وقوته في العبادة وهذا مما يستفاد من قوله ﷺ: (لكل عمل شرة- يعني نشاط وقوة- ولكل شرة فترة- يعني ضعف وفتور- فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك) (٢)
وقبل الشروع في الكلام عن العلاج يحسن ذكر ملاحظة وهي: أن كثيرًا من الذين يحسون بقسوة قلوبهم يبحثون عن علاجات خارجية يريدون الاعتماد فيها على الآخرين مع أن بمقدورهم - لو أرادوا - علاج أنفسهم بأنفسهم وهذا هو الأصل لأن الإيمان علاقة بين العبد وربه وفيما يلي ذكر عدد من الوسائل الشرعية التي يمكن للمرء المسلم أن يعالج بها ضعف إيمانه ويزيل قسوة قلبه بعد الاعتماد على الله ﷿ وتوطين النفس على المجاهدة: -
_________________
(١) شرح نونية ابن القيم لابن عيسى ٢/ ١٤٠ ..
(٢) رواه أحمد ٢/ ٢١٠ وهو في صحيح الترغيب رقم ٥٥.
[ ٣٤ ]