وانفصلوا عنه بأن قالوا: الطبيب إذا أثنى على الدواء لم يدلّ على أن الدواء يراد لعينه، ولا أنه أفضل من الشفاء الحاصل به، ولكن الأعمال علاج لمرض القلوب، ومرض القلوب مما لا يشعر به غالبا، فوقع الحث على العمل لمقصود وهو شفاء القلب، فالفقير الآخذ لصدقتك يستخرج منك داء البخل، كالحجّام يستخرج منك الدم المهلك.
قالوا: وإذا عُرف هذا عُرف أن حال الصابر حال المحافظ على الصحة والقوة، وحال الشاكر حال المتداوي بأنواع الأدوية لإزالة مواد السقم.
فصل
قال الشاكرون: لقد تعديتم طوركم، وفضلتم مقامًا غيره أفضل منه، وقدمتم الوسيلة على الغاية، والمطلوبَ لغيره على المطلوب لنفسه، والعمل الكامل على الأكمل، والفاضل على الأفضل، ولم تعرفوا للشكر حقه ولا وفّيتموه مرتبته.
وقد قَرَنَ تعالى ذكره الذي هو المراد من الخلق بشكره، وكلاهما هو المراد بالخلق والأمر، والصبر خادم لهما، ووسيلة إليهما، وعون عليهما، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقرن سبحانه الشكر بالإيمان، وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروه وآمنوا به فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] أي: قد وفيتم ما خلقتم له، وهو الشكر والإيمان، فما أصنع بعذابكم بعد هذا؟!
[ ٢١٩ ]
وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هم المخصوصون بمنّته عليهم من بين عباده، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
وقسّم الناسَ إلى شكور وكفور، فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله، وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله، قال تعالى في الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٣]، وقال نبيُّه سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ [النمل: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
وهذا كثير في القرآن يقابل سبحانه بين الشكر والكفر، فهو ضده.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
والشاكرون هم الذين ثبتوا على نعمة الإيمان، فلم ينقلبوا على أعقابهم.
وعلّق سبحانه المزيد بالشكر (^١)، والمزيد منه لا نهاية له، كما لا نهاية لشكره.
وقد وقف سبحانه كثيرًا من الجزاء على المشيئة، كقوله: ﴿فَسَوْفَ
_________________
(١) في الآية رقم (٧) من سورة إبراهيم. وقد ذكرها المصنف قريبًا.
[ ٢٢٠ ]
يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله في الإجابة: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]، [وقوله في الرزق: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾] (^١) [آل عمران: ٣٧]، والتوبة: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥] وفي المغفرة: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩].
وأطلق جزاء الشكر إطلاقًا حيث ذُكر، كقوله: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
ولما عَرف عدو اللَّه إبليس قَدْر مقام الشكر وأنه أجلُّ المقامات وأعلاها، جعل غايته أن يسعى في قطع الناس (^٢) عنه، فقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٧].
وقد وصف اللَّه سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رجلًا يقول: اللهم اجعلني من الأقلين. فقال: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين إن اللَّه تعالى قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠]، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُم﴾ [ص: ٢٤]؛ فقال عمر: صدقت (^٣).
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٥٩٣).
[ ٢٢١ ]
وقد أثنى اللَّه سبحانه على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر، فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣].
وفي تخصيص نوح ههنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته، إشارة إلى الاقتداء به، فإنه أبوهم الثاني، فإن اللَّه تعالى لم يجعل بعد الغرق للخلق نسلًا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر للَّه فإنه كان عبدًا شكورًا.
وقد أخبر سبحانه إنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته؛ فقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وأمر عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر، فقال: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وأول وصية وَصَّى بها الإنسانَ بعد ما عقل عنه الشكر له ولوالديه بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾ [لقمان: ١٤].
وأخبر أن رضاه في شكره، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].
وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم ﷺ بشكر أنعمه؛ فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].
[ ٢٢٢ ]
فأخبر عنه سبحانه بأنه أمّة، أي: قدوة يؤتمُّ به في الخير، وأنه قانتٌ له، والقانت: هو المطيع المقيم على طاعته، والحنيف: هو المقبل على اللَّه المعرض عما سواه، ثم ختم له هذه الصفات بأنه شاكرٌ لأنعمه، فجعل الشكر غاية خليله.
وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره، بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨].
فهذا غاية الخلق، وأما غاية الأمر، فقال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣].
ويجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ تعليلًا لقضائه لهم بالنصر، ولأمره لهم بالتقوى، ولهما معًا، وهو الظاهر، فالشكر غاية الخلق والأمر، وقد صرَّح سبحانه بأنه غاية أمره وإرساله الرسول في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢].
قالوا: فالشكر مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره، والصبر إنما حمد لإفضائه وإيصاله إلى الشكر، فهو خادم الشكر.
وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبي ﷺ أنه قام حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (^١).
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (٤٨٣٧)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٨٢٠)، من حديث =
[ ٢٢٣ ]
وثبت في "المسند" (^١) و"الترمذي" أن النبي ﷺ قال لمعاذ: "واللَّه إني لأحبك، فلا تنسَ أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (^٢).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا إسحاق بن إسماعيل (^٣)، حدثنا أبو معاوية وجعفر بن عون عن هشام بن عروة (^٤) قال: كان من دعاء النبي ﷺ: "اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (^٥).
قال: وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمة حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس:
_________________
(١) = عائشة ﵂. ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (١١٣٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٨١٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) كلمة: "المسند" محتملة في الأصل، والأقرب أنها: "السنن"، إلا أنه في النسخ الثلاث الأخرى كلمة: "المسند" واضحة لذا أثبتها، واللَّه أعلم.
(٣) "مسند أحمد" (٥/ ٢٤٤). ولم أقف عليه عند الترمذي. ورواه أبو داود في "سننه" رقم (١٥٢٢)، والنسائي في "المجتبى" رقم (١٣٠٣). وصحح الحديث ابن حبان حيث أورده في صحيحه برقم (٢٠٢٠)، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٣) على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.
(٤) في الأصل: "إسماعيل بن إسحاق"، مكان: "إسحاق بن إسماعيل". والتصويب من النسخ الأخرى، ومن كتاب "الشكر" لابن أبي الدنيا.
(٥) في "الشكر" لابن أبي الدنيا بعده: عن ابن المنكدر: قال: كان. . . الخ.
(٦) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٤). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤١١). وأخرجه ابن شيبة في "مصنفه" رقم (٢٩٨٢٥) من طريق هشام عن أبيه به.
[ ٢٢٤ ]
أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أربع من أعطيهن أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وزوجة لا تبغيه خونًا في نفسها ولا في ماله" (^١).
وذكر أيضًا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما أنعم اللَّه على عبد نعمة فعلم أنها من عند اللَّه إلا كتب اللَّه له شكرها، وما علم اللَّه من عبد ندامة على ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره، وإن الرجل ليشتري الثوب بالدينار فيلبسُه فيحمد اللَّه فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له" (^٢).
وقد ثبت في "صحيح مسلم" عنه ﷺ أنه قال: "إن اللَّه ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها" (^٣).
فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال
_________________
(١) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٣٤). ورواه الطبراني في "الكبير" رقم (١١٢٧٥)، وفي "الأوسط" رقم (٧٢١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٢٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٦٥). وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٠٦٦).
(٢) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٤٧). ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥١٤)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٤٥٠٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٣٧٩). وقال الحاكم بعد إيراده الحديث: "هذا حديث لا أعلم في إسناده أحدًا ذُكر بجرح". وتعقبه الذهبي بقوله: "بلى، قال ابن عدي: محمد بن جامع العطار -أحد الرواة- لا يتابع على أحاديثه" اهـ.
(٣) "صحيح مسلم" رقم (٢٧٣٤) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢٢٥ ]
تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] فى مقابلة شكره بالحمد.
وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد اللَّه بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا يرزق اللَّه عبدًا الشكر فيحرمه الزيادة؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] " (^١).
وقال الحسن البصري: "إن اللَّه ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يُشكر عليها قلَبَها (^٢) عذابًا" (^٣).
ولهذا كانوا يسمون الشكر "الحافظ"؛ فإنه الذي يحفظ النعم الموجودة، و"الجالب"؛ فإنه يجلب النعم المفقودة.
وذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لرجل من همدان: "النعمة موصولة بالشكر، والشكر متعلق بالمزيد، [وهما مقرونان في قَرَن، فلن ينقطع المزيد] (^٤) من اللَّه حتى ينقطع الشكر من العبد" (^٥).
_________________
(١) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٣). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٢٦). وهو مرسل.
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.
(٥) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٨). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٣٢).
[ ٢٢٦ ]
وقال عمر بن عبد العزيز: "قيِّدوا نعم اللَّه بشكر اللَّه" (^١).
وكان يقال: "الشكر قيد النعم" (^٢).
وقال مطرّف بن عبد اللَّه: "لئن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أُبتلى فأصبر" (^٣).
وقال الحسن: "أكثروا ذكر هذه النعم، فإن ذكرها شكر" (^٤).
وقد أمر اللَّه تعالى نبيه أن يُحدِّث بنعمه فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]. واللَّه تعالى يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته (^٥)، فإن ذلك شكر لها بلسان الحال.
وقال علي بن الجعد: سمعت سفيان الثوري يقول: إن داود ﵊ قال: "الحمد للَّه حمدًا كما ينبغي لكرم وجه ربي وعزِّ جلاله، فأوحى اللَّه إليه: يا داود أتعبت الملائكة" (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٧)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٣٤٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٤٦).
(٢) انظر: "تفسير القشيري" (٥/ ٤٤، ١٣١)، و"أدب الدنيا والدين" (ص ٢٠٦)، و"التمثيل والمحاضرة" (ص ٤١٦).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٨) (٦٥) (١٨٥)، ومعمر في كتاب "الجامع" رقم (٢٠٤٦٨)، وأحمد في "الزهد" رقم (١٣٥٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٣٧)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢٠٠).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (٣٣)، وابن المبارك في "الزهد" رقم (١٤٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٢١).
(٥) وسيأتي قريبًا الدليل على ذلك.
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٣٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٨٢)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ١٩٣ - ١٩٤).
[ ٢٢٧ ]
وقال شعبة: حدثنا الفضل بن فضالة عن أبي رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خزّ (^١) لم نره عليه قبل ولا بعد، فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أنعم اللَّه على عبد نعمة، أحبَّ أن يرى أثر نعمته على عبده" (^٢).
وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخِيلة ولا سرف، فإن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" (^٣).
وذكر شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ وأنا قَشِفُ الهيئة (^٤) فقال: "هل لك من مال؟ " قلت: نعم، قال: "من أيّ المال؟ " قلت: من كل المال، قد آتاني اللَّه من الإبل والخيل والرقيق والغنم. قال: "فإذا آتاك مالًا فَلْيُرَ عليك" (^٥).
_________________
(١) المِطرف واحد المطارف وهي أردية من خزّ مربعة لها أعلام. انظر: "لسان العرب" (٩/ ٢٢٠).
(٢) رواه أحمد في "مسنده" (٤/ ٤٣٨). وصححه الهيثمي في مجمع الزائد (٥/ ١٣٢).
(٣) رواه أحمد في "مسنده" (٢/ ١٨٢). وقد رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٦٠٥)، والنسائي في "المجتبى" رقم (٢٥٥٨)، بدون جملة: "فإن اللَّه يحب. . . " الخ. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٨١٩) بالجملة الأخيرة فقط، وقال: "حديث حسن". والحديث صححه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٣٥)، ووافقه الذهبي.
(٤) قشف الهيئة أي تاركٌ للغسل والتنظيف. انظر: "لسان العرب" (٩/ ٢٨٢). ولعل المقصود هنا أنه رثّ الثياب، كما في رواية الترمذي والنسائي للحديث.
(٥) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٤٠٦٣)، والترمذي في "جامعه" رقم (٢٠٠٦)، =
[ ٢٢٨ ]
وفي بعض المراسيل: "إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه" (^١).
وروى عبد اللَّه بن يزيد المقرئ عن أبي معمر عن بكر بن عبد اللَّه، رفعه: "من أعطي خيرًا فرُئِيَ عليه، سُمّي حبيبَ اللَّه محدّثًا بنعمة اللَّه، ومن أعطي خيرًا فلم يُرَ عليه سُمّي بغيضَ اللَّه معاديًا لنعمة اللَّه" (^٢).
وقال فضيل بن عياض: كان يُقال: من عرف نعمة اللَّه بقلبه وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة لقول اللَّه ﷿: ﴿لَئِنْ (^٣) شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال: "مِنْ شُكْرِ النعمة أن يُحدّث بها" (^٤).
وقال: قال اللَّه تعالى: "يا ابن آدم، إذا كنتَ تتقلّب في نعمتي، وأنت تتقلّب في معصيتي، فاحذرني لا أصرعك بين معاصي، يا ابن آدم اتّقِني ونَم حيث شئت" (^٥).
وقال الشعبي: "الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان،
_________________
(١) = وقال: "حديث حسن صحيح"، والنسائي في "المجتبى" رقم (٥٢٢٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٥٣)، وفي كتاب "العيال" رقم (٣٦٨). من مرسل علي بن زيد بن جدعان.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٥٤)، وفي كتاب "العيال" (٣٦٤). وهو مرسل.
(٤) في الأصل و(ب): "ولئن".
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٥٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٣٣ - ٤٥٣٤).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٥٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٣٥٣٥).
[ ٢٢٩ ]
واليقين الإيمان كلّه" (^١).
وقال أبو قلابة: "لا تضركم دنيا إذا شكرتموها" (^٢).
وقال الحسن: "إذا أنعم اللَّه على قوم سألهم الشكر، فإذا شكروه كان قادرًا على أن يزيدهم، وإذا كفروه كان قادرًا على أن يقلب (^٣) نعمته عليهم عذابًا" (^٤).
وقد ذم اللَّه سبحانه الكنودَ، وهو: الذي لا يشكر نعمَه. قال الحسن: " ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ٦] يعدد المصائب وينسى النعم" (^٥).
وقد أخبر النبي ﷺ أن النساء أكثر أهل النار بهذا السبب، قال: "لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهر، ثم رَأَتْ منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط" (^٦).
_________________
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٨٤)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" (٥٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٤٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٥٩)، وهناد في "الزهد" رقم (٧٧٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢٨٦).
(٣) في (ب): "يبعث".
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٦٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٣٦).
(٥) رواه ابن جرير في "تفسيره" (٣٠/ ٢٧٨)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٦٢)، وفي "المرض والكفارات" رقم (٢٢٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٦٢٩).
(٦) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٩٠٧)، من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄.
[ ٢٣٠ ]
فإذا كان هذا (^١) بترك شكر نعمة الزوج وهي في الحقيقة من اللَّه، فكيف بمن ترك شكر نعمة اللَّه؟!
كما قيل:
أيها الظالم في فعله … والظلمُ مردودٌ على من ظَلَمْ
إلى متى أنت وحتى متى … تشكو المصيباتِ وتنسى النِّعَمْ (^٢)
وذكر ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبد الرحمن السلمي (^٣) عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه ﷺ "التحدُّث بالنعم شكرٌ، وتركها كفرٌ، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير، ومن لا يشكر الناس لا يشكر اللَّه، والجماعة بركة والفرقة عذاب" (^٤).
وقال مطرّف بن عبد اللَّه: "نَظَرتُ في العافية والشكر، فوجدت فيهما خير الدنيا والآخرة، ولأنْ أُعافى فأشكُرَ أحبُّ إليّ من أن (^٥) أُبتلى فأصبِرَ" (^٦).
وأتى بكرُ بن عبد اللَّه المزني حمّالًا عليه حمله وهو يقول: الحمد للَّه
_________________
(١) سقطت من الأصل.
(٢) البيتان لمحمود الوراق. انظر: "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٦٣)، و"شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٤٦٣٠).
(٣) في مصادر التخريج: الشامي. واللَّه أعلم.
(٤) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٦٤). ورواه أحمد في "مسنده" (٤/ ٢٧٨) و(٣٧٥). وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٦٦٧).
(٥) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٦) سبق تخريجه ص (٢٢٧).
[ ٢٣١ ]
أستغفر اللَّه. قال: فانتظرته حتى وضع ما على ظهره وقلت له: أما تحسن غير ذا؟ قال: بلى، أُحسن خيرًا كثيرًا، أقرأ كتاب اللَّه، غير أن العبد بين نعمة وذنب، فأحمد اللَّه على نعمائه السابغة، وأستغفره لذنوبي. فقلت: الحمّال أفقه من بكر (^١).
وذكر الترمذي من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: "خرج رسول اللَّه ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا. فقال لقد [قرأتها على الجن] (^٢) ليلة الجن فكانوا أحسن ردًّا منكم، كنت كلّما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ [الرحمن: ١٣] قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" (^٣).
وقال مِسعر: "لما قيل لآل داود: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] لم يأتِ على القوم ساعة إلا وفيهم مصلٍّ" (^٤).
وقال عون بن عبد اللَّه: "قال بعض الفقهاء: إني رَوَّأْتُ (^٥) في أمري فلم أرَ خيرًا إلا شرٌّ معه، إلا المعافاة والشكر، فربّ شاكر في بلاء وربّ معافى غير شاكر، فإذا سألتموا (^٦) اللَّه، فسلوهما
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٦٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥١٤).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، ومن "جامع الترمذي".
(٣) "جامع الترمذي" رقم (٣٢٩١)، وقال: "حديث غريب. . . ".
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٧٤)، وفي "التهجد وقيام الليل" رقم (٢١٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٢٤).
(٥) روّأ في الأمر: نظر فيه وتعقّبه. انظر: "لسان العرب" (١/ ٩٠).
(٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "سألتم".
[ ٢٣٢ ]
جميعًا" (^١).
وقال أبو أمامة: لبس عمر بن الخطاب قميصًا، فلما بلغ تَرقُوَتَه قال: الحمد للَّه الذي كساني ما أُواري به عورتي، وأتجمّل به في حياتي. ثم مدّ يده فنظر إلى كلِّ شيء يزيد على بدنه فقطعه ثم أنشأ يُحدّث، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من لبس ثوبًا أحسبه قال جديدًا، فقال: حين يبلغ ترقوته، أو قال: قبل أن يبلغ ركبتيه مثل ذلك، ثم عمد إلى ثوبه الخَلق فكساه مسكينًا لم يزل في جوار اللَّه، وفي ذمة اللَّه، وفي كنف اللَّه حيًّا وميتًا حيًّا وميتًا حيًّا وميتًا، ما بقي من ذلك الثوب سلك" (^٢).
وقال عون بن عبد اللَّه: "لبس رجل قميصًا جديدًا فحمد اللَّه فغُفر له، فقال رجل: لا أرجع حتى أشتري قميصًا فألبسه وأحمد اللَّه" (^٣).
وقال شريح: ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان للَّه عليه فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لا بد كائنة
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٧٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٩٥).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٧٥)، وابن المبارك في "الزهد" رقم (٧٤٩). كما أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٦٠)، وقال: "غريب". وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٥٥٧)، كلاهما بدون الجملة الأخيرة: "ما بقي من ذلك الثوب سلك".
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٧٦). وفيه خالد بن عمرو بن محمد الأموي، متهم بالكذب. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٢٨٩). إلا أن ابن أبي شيبة رواه في "مصنفه" رقم (٢٥٠٩٤) و(٢٩٧٥٧) من طريق أخرى.
[ ٢٣٣ ]
فقد كانت (^١).
وقال عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز: ما قلّب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمةٍ أنعم اللَّه بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرًا، وأن أكفرها بعد معرفتها، وأن أنساها ولا أثني بها" (^٢).
وقال روح بن القاسم: "تنسّك رجل فقال: لا آكل الخبيص (^٣) لا أقوم بشكره. فقال الحسن: هذا أحمق، وهل يقوم بشكر الماء البارد؟ " (^٤).
وفي بعض الآثار الإلهية: "يقول اللَّه تعالى ﷿: ابن آدم، خيري إليك نازل وشرك إليّ صاعد، أَتَحبب إليك بالنعم، وتتبغّض إليّ بالمعاصي، ولا يزال مَلَك كريم قد عرج (^٥) إليّ منك بعمل قبيح" (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٨٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٣/ ٤١ - ٤٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٦٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٤٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/ ٢٢٨).
(٣) الخبيص: الحلواء المخبوصة. انظر: "لسان العرب" (٧/ ٢٠).
(٤) رواه أحمد في "الزهد" رقم (١٤٨٧)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٧٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٨٣).
(٥) كذا في النسخ، والذي في "طريق الهجرتين": "يعرج" وهو الذي يناسب "لا يزال".
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٣٧٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٨٩)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ١٩٤)، وابن قدامة في "العلو" رقم (٨٧)، كلهم عن مالك بن دينار. وذكره الذهبي في "العلو" ص (٩٧)، وقال: "إسناده مظلم". ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢٧) عن وهب بن منبه.
[ ٢٣٤ ]
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني أبو على قال: كنت أسمع جارًا لي يقول في الليل: "يا إلهي خيرك عليّ نازل وشرّي إليك صاعد، وكم من ملك كريم قد صعد إليك مني بعمل قبيح، أنت مع غناك عني تتحبّب إليّ بالنعم، وأنا مع فقري إليك وفاقتي أتمقّت إليك بالمعاصي، وأنت في ذلك تجبُرني وتستُرني وترزُقني" (^١).
وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ يقول: "أصبحنا مُغرَقين في النعم عاجزين عن الشكر، يتحبّب إلينا ربنا وهو غنيٌّ عنا، ونتمقّت إليه ونحن إليه محتاجون" (^٢).
وقال عبد اللَّه بن ثعلبة: "إلهي من كرمك أنك كأنك تُطاع ولا تُعصى، ومن حلمك أنك تُعصى وكأنك لا تَرى، وأي زمن لا يعصيك فيه سكان أرضك وأنت عليهم بالخير عوّاد" (^٣).
وقال معاوية بن قرّة "من لبس ثوبًا جديدًا فقال: بسم اللَّه والحمد للَّه غفر له" (^٤).
وقال أنس بن مالك: "ما من عبد توكل بعبادة اللَّه إلا غرّم اللَّه السموات والأرض، يعني رِزقَه، فجعله في أيدي بني آدم يعملونه حتى يدفعوه إليه فإن العبد قَبِلَه أوجب عليه الشكر، وإن أباه وجد الغنيُّ
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٩٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤٥).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢٤٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤٨).
[ ٢٣٥ ]
الحميد عبادًا فقراء يأخذون رزقه ويشكرون له" (^١).
وقال يونس بن عبيد: قال رجل لأبي تميمة: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحت بين نعمتين، ولا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها اللَّه ﷿ فلا يستطيع (^٢) أن يعيّرني بها أحد، ومودة قذفها اللَّه لي في قلوب العباد لا يبلغها عملي" (^٣).
وقال ابن أبي الدنيا عن سعيد (^٤) المقبري عن أبيه عن عبد اللَّه بن سلام أن موسى ﵇ قال: "يا رب ما الشكر الذي ينبغي لك؟ قال: أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري" (^٥).
وروى سهيل بن أبي (^٦) صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ فانطلقنا معه، فلما طَعِمَ وغسل يده قال: "الحمد للَّه الذي يُطعِم ولا يُطعَم، منّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكلّ بلاء حسن أبلانا، الحمد للَّه غير مُودعّ ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مُستغنًى عنه، الحمد للَّه الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسى من العُري، وهدى من الضلالة، وبصّر من العمى،
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤٩) عن أنس مرفوعًا.
(٢) في الأصل: "أستطيع"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤٠).
(٤) في الأصل: "أبي سعيد"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى ومن مصدر التخريج.
(٥) كتاب "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٣٩). ورواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٩٤٢)، وابن أبي شيبة في "المصنف" رقم (٣٤٢٨٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٦٧٩)، (٤٤٢٨).
(٦) كلمة "أبي" ساقطة من الأصل.
[ ٢٣٦ ]
وفضّل على كثير من خلقه تفضيلًا، الحمد للَّه رب العالمين" (^١).
وفي "مسند الحسن بن الصباح" من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما أنعم اللَّه على عبد نعمة في أهل ولا مال أو ولد فيقول: ما شاء اللَّه، لا قوّة إلا باللَّه، فيرى فيه آفة دون الموت" (^٢).
ويُذكر عن عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها فرأى كسرة ملقاة فمسحها، فقال: "يا عائشة، أحسني جوار نعم اللَّه، فإنها قلَّ ما نفرت عن أهل بيت فكادت أن ترجع إليهم"، ذكره ابن أبي الدنيا (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد قال: قرأت في مسألة داود أنه قال: "يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: يا داود، أليس تعلم أن الذي بك من النعم منّي؟ قال: بلى
_________________
(١) رواه النسائي في "السنن الكبرى" رقم (١٠١٣٣)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٤٦) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
(٢) ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٥٩٩٥)، وفي "الصغير" رقم (٥٨٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٨٩)، (٤٥٢٥). وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٠١٢).
(٣) في كتاب "الشكر" رقم (٢)، وكتاب "إصلاح المال" رقم (٣٤٣). وروى نحوه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٣٥٣). وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" برقم (١٩٦١). ورواه أبو يعلى في مسنده من حديث أنس بن مالك. وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٥). والألباني في الإرواء في الموضع السابق.
[ ٢٣٧ ]
يا رب. قال: فإني أرضى بذلك منك شكرًا" (^١).
وقال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا الوليد عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان من دعاء داود: "سبحان مستخرج الشكر بالعطاء، ومستخرج الدعاء بالبلاء" (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثني الأعمش عن المنهال عن عبد اللَّه بن الحارث قال: "أوحى اللَّه إلى داود: أحِبَّني وأحِبَّ عبادي وحبّبني إلى عبادي، قال: يا رب هذا أحبُّك وأحب عبادك، فكيف أحببك إلى عبادك؟! قال: تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن" (^٣).
فجلَّ جلال ربنا وتبارك اسمه وتعالى جدُّه وتقدست أسماؤه وجلّ ثناؤه ولا إله غيره.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنبأنا عمران قال: سمعت وهبًا
_________________
(١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٧٥). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٥)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٥٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤١٤).
(٢) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٤٠٥). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الفرج بعد الشدة" رقم (٢٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٣٩)، (١٠٠٣٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ١٢٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٧/ ٩٨). وفي سنده الوليد بن مسلم، مدلس وقد عنعن.
(٣) لم أقف عليه في "الزهد" للإمام أحمد. وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٢٥٤) عن الأعمش به. ورواه أحمد في "الزهد" رقم (٣٧٤)، وابن أبي الدنيا في "الأولياء" رقم (٢٩)، بسند مغاير: عن أبي عبد اللَّه الجدلي به نحوه.
[ ٢٣٨ ]
يقول: "وجدت في كتاب آل داود: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السماوات والأرضون بمن فيهن، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي فإني أقطع يديه من أسباب السماوات، وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء، ثم أكِلُه إلى نفسه، كفى بي لعبدي مالًا إذا كان عبدي في طاعتي أعطيته قبل أن يسألني، واستجبت له قبل أن يدعوني، وإني أعلم بحاجته التي ترفق به من نفسه" (^١).
وقال أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ثابت قال: "كان داود ﷺ قد جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فيها، قال: فعمّهم ﵎ في هذه الآية: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣] " (^٢).
قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن حدثنا جابر بن زيد عن المغيرة بن عيينة (^٣): "قال داود: يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرًا لك مني؟ فأوحى اللَّه ﷿ إليه: نعم، الضفدع. وأنزل اللَّه عليه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]. قال:
_________________
(١) لم أقف عليه في "الزهد" للإمام أحمد. وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٣١٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٨) عن ابن وهب نحوه. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٥ - ٢٦، ٢٦) عن وهب بسند آخر نحوه.
(٢) "الزهد" للإمام أحمد (١/ ١٤١). طبعة محمد جلال شرف. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٢٧).
(٣) كذا في الأصل والنسخ الخطية الثلاث، وكذا في الزهد. ولعل الصواب: "عتيبة". انظر: "الاكمال" لابن ماكولا (٦/ ١٢٣).
[ ٢٣٩ ]
يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم عليّ ثم ترزقني على النعمة الشكر، ثم تزيدني نعمة بعد نعمة، فالنعم منك والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ قال: الآن عرفتني يا داود" (^١).
قال أحمد: وحدثنا عبد الرحمن حدثنا الربيع بن صبيح عن الحسن قال: قال نبي اللَّه داود: "إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين (^٢) يسبّحانك الليل والنهار والدهر كله ما قضيت حق نعمة واحدة" (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد: قال موسى: "يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ " قال: "فأتاه الوحي: يا موسى، الآن شكرتني" (^٤).
وقال بكر بن عبد اللَّه: "ما قال عبد قط الحمد للَّه، إلا وجبت عليه نعمة بقوله الحمد للَّه، فجزاء تلك النعمة أن يقول الحمد للَّه، فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعم اللَّه" (^٥).
_________________
(١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٦٢). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤١٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٧/ ٩٦).
(٢) في الأصل: "لسانان"، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٣) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٣٦١). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣١٨٩٠) و(٣٤٢٨٠)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٧٩).
(٤) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٦). وأخرجه أحمد في "الزهد" رقم (٣٤٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٥٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤١٥).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" =
[ ٢٤٠ ]
وقال الحسن: سمع نبي اللَّه رجلا يقول: الحمد اللَّه بالإسلام، فقال: "إنك لتحمد اللَّه على نعمة عظيمة" (^١).
وقال خالد بن معدان: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: "ما قال عبد كلمة أحب إلى اللَّه وأبلغ في الشكر عنده أن يقول: الحمد للَّه الذي أنعم علينا وهدانا للإسلام" (^٢).
وقال سليمان التيمي: "إن اللَّه سبحانه أنعم على العباد على قدره، وكلفهم الشكر على قدرتهم" (^٣).
وكان الحسن يقول إذا ابتدأ حديثه: "الحمد للَّه اللهم ربنا لك الحمد بما خلقتنا ورزقتنا، وهديتنا، وعلمتنا، وأنقذتنا، وفرّجت عنا، لك الحمد بالإسلام والقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبتّ عدوّنا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا، فلك الحمد على ذلك حمدًا كثيرًا، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث أو سرٍّ أو علانية أو خاصة أو عامة أو حيٍّ أو ميّت أو شاهد أو غائب، لك الحمد حتى ترضى، وإذا رضيت" (^٤).
_________________
(١) = رقم (٤٤٠٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٩٨).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٠).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" (٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٧٨).
(٥) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١١)، (١٦١)، (٢٠١)، =
[ ٢٤١ ]
وقال الحسن: قال موسى: "يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعت إليه؟ خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسكنته جنتك، وأمرت الملائكة فسجدوا له. فقال: يا موسى علم أن ذلك مني، فحمدني عليه، فكان ذلك شكر ما صنعت إليه" (^١).
وقال سعد بن مسعود الثقفي (^٢): "إنما سُمّي نوح عبدًا شكورًا، لأنه لم يلبس جديدًا ولم يأكل طعامًا إلا حمد اللَّه" (^٣).
وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه بيده وقال: "يا لها من نعمة لو يعلم العباد شكرها" (^٤).
وقال مخلد بن الحسين (^٥): "كان يقال: الشكر ترك المعاصي" (^٦).
_________________
(١) = والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٨٦).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٢٧).
(٣) هو سعد بن مسعود الثقفي، عم المختار بن أبي عبيد، له صحبة. انظر: "الإصابة" (٣/ ٨٣).
(٤) رواه ابن جرير في "تفسيره" (١٥/ ١٩)، وابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" رقم (٥٤٢٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٧٣، ٢٧٤).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٦٨).
(٦) هو مخلد بن الحسين الأزدي المهلبي، أبو محمد البصري، ثم المصيصي، من صغار أتباع التابعين، توفي سنة (١٩١ هـ). انظر ترجمته في: "تقريب التهذيب" ص ٩٢٧.
(٧) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩). وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٤١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٤٧)، عن مخلد بن الحسين عن محمد بن لوط الأنصاري =
[ ٢٤٢ ]
وقال أبو حازم (^١): "كل نعمة لا تقرّب من اللَّه فهي بلية" (^٢).
وقال أبو سليمان (^٣): "ذكر النعم يورث الحب للَّه" (^٤).
وقال حماد بن زيد: حدثنا ليث عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيت عبد اللَّه بن سلام فقال لي: ألا تدخل بيتًا دخله النبي ﷺ وتصلي في بيت صلى فيه النبي ﷺ، ونطعمك سويقًا وتمرًا؟ ثم قال لي: "إن اللَّه إذا جمع الناس غدًا ذكّرهم ما أنعم عليهم، فيقول العبد: بآية ماذا؟ فيقول: آية ذلك أنك كنت في كربة كذا وكذا فدعوتني فكشفتها، وآية ذلك أنك كنت في سفر كذا وكذا فاستصحبتني فصحبتك. قال: يذكّره حتى يذكر، يقول: آية ذلك أنك خطبت فلانة بنت فلان وخطبها معك خطّاب فزوجتك ورددتهم" (^٥).
"يقف عبده بين يديه فيعدد عليه نعمه. فبكى ثم بكى ثم قال: إني
_________________
(١) = قوله.
(٢) هو سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج التمار المدني، الزاهد الحكيم، من صغار التابعين، توفي في خلافة المنصور. انظر ترجمته في: "تقريب التهذيب" ص ٣٩٩.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٣٠)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (٧٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٣٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٥٦).
(٤) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي، أبو سليمان الداراني الزاهد، من صغار التابعين، توفي سنة (٢١٢ هـ). انظر ترجمته في "تقريب التهذيب" ص ٥٨١.
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٦/ ٣٣٤).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٢).
[ ٢٤٣ ]
لأرجو أن لا يقعد اللَّه عبدًا بين يديه فيعذبه" (^١).
وروى ليث بن أبي سليم عن عثمان عن ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "يؤتى بالنعم يوم القيامة والحسنات والسيئات، فيقول اللَّه ﷿ لنعمة من نعمه: خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنة من حسناته إلا ذهبت بها" (^٢).
وقال بكر بن عبد اللَّه المزني: "ينزل بالعبد الأمر فيدعو اللَّه فيصرف عنه، فيأتيه الشيطان فيضعف شكره، يقول: إن الأمر كان أيسر مما تذهب إليه. قال: أَوَلا يقول العبد: كان الأمر أشد مما أذهب إليه، ولكن اللَّه صرفه عني؟! " (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا عن صدقة بن يسار قال: بينا داود في محرابه إذ مرت به ذرّة فنظر إليها وفكر في خلقها وعجِب منها وقال: "ما يعبأ اللَّه بهذه؟ قال: فأنطقها اللَّه فقالت: يا داود، أتُعَجبك نفسك؟ فوالذي نفسي بيده لأنا على ما آتاني اللَّه من فضله أشكَر منك على ما آتاك اللَّه من فضله" (^٤)
وقال أيوب: "إن من نعمة اللَّه على العبد أن يكون مأمونًا على ما جاء
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٣)، عن أبي بردة عن عبد اللَّه بن سلام، إلا أنه بسند آخر غير السابق، لذا اقتضى فصلهما، واللَّه أعلم.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٤). وضعفه ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" ص (٢٤٣).
(٣) رواه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٦).
(٤) كتاب "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٣٥). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٨٠).
[ ٢٤٤ ]
به النبي ﷺ" (^١).
وقال سفيان الثوري: "كان يقال: ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة" (^٢).
وقال زاذان (^٣): "مما يحب اللَّه على ذي النعمة بحق نعمته أن لا يتوصل بها إلى معصية" (^٤).
قال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الوراق لنفسه (^٥):
إذا كان شكري نعمةَ اللَّه نعمةً … عليّ له في مثلها يجب الشّكرُ
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله … وإن طالت الأيام واتّصل العمرُ
إذا مسّ بالسّرّاء عمّ سرورها … وإن مسّ بالضّرّاء أعقبها الأجرُ
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٧٩).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٨١)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٥٥) و(٨/ ٢٤٢)، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ٩٤)، وابن بطة في "إبطال الحيل" رقم (١٩).
(٣) لعله زاذان أبو عبد اللَّه، ويقال أبو عمر، الكندي مولاهم الكوفي الضرير البزاز، من كبار التابعين، توفي سنة (٨٢ هـ). انظر ترجمته فى: "تقريب التهذيب" ص (٣٣٣). واعلم أنه قد جاء في كتاب "الشكر" لابن أبي الدنيا و"تاريخ دمشق" مكان: "زاذان: مما. . . "، جاء: "زياد أن مما. . . "، وهي قريبة ومحتملة، واللَّه أعلم.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٨٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٩/ ١٩١).
(٥) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٨٣). ورواه عنه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤١٢).
[ ٢٤٥ ]
وما منهما إلا له فيه منّة … تضيق بها الأوهام والبرّ والبحرُ
وقد روى الدراورديّ عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ يعني قال اللَّه ﷿: "إن المؤمن عندي بمنزلة كلّ خير، يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه" (^١).
ومرّ محمد بن المنكدر بشابٍّ يغامز (^٢) امرأة، فقال: "يا فتى ما هذا جزاء نعم اللَّه عليك " (^٣).
وقال حماد بن سلمة عن ثابت قال: قال أبو العالية: "إني لأرجو أن لا يهلك عبد بين اثنتين: نعمة يحمد اللَّه عليها، وذنب يستغفر منه" (^٤).
وكتب ابن السماك إلى محمد بن الحسن -حين وُلّي القضاء بالرفة-: "أما بعد، فلتكن التقوى من بالك على كل حال، وخفِ اللَّه من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر عليها مع المعصية بها، فإن في النعمة حجة وفيها تبعة؛ فأما الحجة بها فالمعصية بها، وأما التبعة فيها فقلّة الشكر عليها، فعفا اللَّه عنك كلما ضيعت من شكر أو ركبت من
_________________
(١) أخرجه أحمد في "المسند" (٢/ ٣٦١). وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٦).
(٢) يغامز مأخوذة من الغَمْز، وهو: الإشارة بالعين والحاجب والجفن. انظر: "لسان العرب" (٥/ ٣٨٨).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٨٦).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٨٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢١٩)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٦٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥١٣).
[ ٢٤٦ ]
ذنب أو قصرت من حق" (^١).
ومرّ الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة (^٢)، فجعل يحمد اللَّه ويبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "ذكرت أهل الجنة وأهل النار، فشبهت أهل الجنة بأهل العافية وأهل النار بأهل البلاء، فذلك الذي أبكاني" (^٣).
وقد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ: "إذا أحب أحدكم أن يعلم قدر نعمة اللَّه عليه، فلينظر إلى من هو تحته ولا ينظر إلى من هو فوقه". قال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرني يحيى بن عبيد اللَّه قال: سمعت أبي قال: سمعت أبا هريرة، فذكره (^٤).
وقال ابن المبارك: حدثنا يزيد بن إبراهيم عن الحسن قال: قال أبو الدرداء: "من لم يعرف قدر نعمة اللَّه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قلّ علمه (^٥)، وحضر عذابه" (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٨٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٩١).
(٢) الزمانة أي: العاهة. انظر: "لسان العرب" (١٣/ ١٩٩).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٧٨).
(٤) الزهد لابن المبارك رقم (١٤٣٣). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩١). وصحّ معناه عند البخاري رقم (٦٤٩٠)، ومسلم رقم (٢٩٦٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) كذا في الأصل و(م) و(ن)، ووقعت في (ب): "عمله". وهي هكذا في المطبوع من "الزهد" لابن المبارك.
(٦) "الزهد" لابن المبارك رقم (١٥٥١). والأثر رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٢)، وفي "مداراة =
[ ٢٤٧ ]
قال ابن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ سلّم على رجل فرد عليه¬ السلام فقال عمر للرجل: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد إليك اللَّه. قال: "هذا أردت منك" (^١).
قال ابن المبارك: وأخبرنا مسعر عن علقمة بن مرثد عن ابن عمر قال: "لعلنا نلتقي في اليوم مرارًا يسأل بعضنا عن بعض، ولم نُرد بذلك إلا ليحمد اللَّه ﷿" (^٢).
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] قال: "لا إله إلا اللَّه" (^٣).
وقال ابن عينية: "ما أنعم اللَّه على العباد نعمة أفضل من أَنْ عرّفهم لا
_________________
(١) = الناس" رقم (١٢٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢١٠)، (٥/ ١٣٣)، وهناد في "الزهد" رقم (٥٩٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ١٨٣).
(٢) "الزهد" لابن المبارك رقم (٢٠٥). والأئر رواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٦١)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (١١٣٢)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٣) وغيرهم. وروي مرفوعًا أيضًا، رواه الطبراني في "الأوسط" رقم (٤٣٧٧). وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" برقم (٨٦٢). وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٤٦).
(٣) "الزهد" لابن المبارك رقم (٢٠٧). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٥١).
(٤) رواه ابن جرير في "تفسيره" (٢١/ ٧٨)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٠٢).
[ ٢٤٨ ]
إله إلا اللَّه. قال: وإن لا إله إلا اللَّه لهم في الآخرة كالماء في الدنيا" (^١).
وقال بعض السلف في خطبته في يوم عيد: "أصبحتم زُهرًا وأصبح الناس غُبرًا، أصبح الناس ينسجون وأنتم تلبسون، وأصبح الناس يعطون وأنتم تأخذون، وأصبح الناس ينتجون وأنتم تركبون، وأصبح الناس يزرعون وأنتم تأكلون، فبكى وأبكاهم" (^٢).
وقال عبد اللَّه بن قرط الأزدي -وكان من الصحابة- على المنبر في يوم أضحى ورأى على الناس ألوان الثياب: "يا لها من نعمة ما أسبغها، ومن كرامة ما أظهرها، ما زال عن قومٍ شيٌ أشد من نعمةٍ لا يستطيعون ردّها، وإنما تثبت النعم بشكر المنعَم عليه للمنعِم" (^٣).
وقال سلمان الفارسي: "إن رجلًا بُسط له من الدنيا فانتزع ما في يديه فجعل يحمد اللَّه ويثني عليه، [حتى لم يكن له فراش إلا بارية (^٤)، قال: فجعل يحمد اللَّه ويثني عليه] (^٥)، وبُسط لآخر من الدنيا فقال
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٢٧٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٠٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٧)، عن عبد اللَّه بن محمد الشرعبي. ورواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٧/ ٤٥١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ٢٩) عن عبد اللَّه بن مخمر.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٩٨)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (٩٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ١١).
(٤) بارية، قال في "لسان العرب" (١٤/ ٧٢): الباريّ والبارياء: الحصير المنسوج، فارسي معرب.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٢٤٩ ]
لصاحب البارية: أنت على ما تحمد اللَّه؟ قال: أحمده على ما لو أعطيت به ما لو أعطي الخلق لم أعطهم إياه به. قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتك بصرك، أرأيتك لسانك، أرأيتك يديك، أرأيتك رجليك" (^١).
وجاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: "أيسرّك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. فذكّره نعم اللَّه عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوف وأنت تشكو الحاجة؟! " (^٢).
وكان أبو الدرداء يقول: "الصحة الملك" (^٣).
وقال جعفر بن محمد: "فَقَدَ أبي بغلة له فقال: لئن ردّها اللَّه عليّ لأحمدنه بمحامد يرضاها فما لبث أن أُتي بسرجها ولجامها، فركبها فلما استوى عليها وضمّ ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال: الحمد للَّه! لم يزد عليها، فقيل له في ذلك، فقال: وهل تركت أو أبقيت شيئًا؟! جعلت الحمد كله للَّه" (^٤).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٠٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٦٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٠١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٦٣).
(٣) لم أقف عليه هكذا. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٠٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٦٢٧)، عنه قال: "الصحة غنى الجسد".
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٠٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٨٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٣٩١).
[ ٢٥٠ ]
وروى ابن أبي الدنيا من حديث سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال: بعث رسول اللَّه ﷺ بعثًا من الأنصار وقال: "إن سلّمهم اللَّه وغنمهم، فإن للَّه عليّ في ذلك شكرًا". قال: فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا، فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول: إن سلّمهم اللَّه وغنّمهم فإنّ على في ذلك للَّه شكرًا، قال: "قد فعلت، اللهم لك الحمد شكرًا، ولك المنّ فضلًا" (^١).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال محمد بن المنكدر لأبي حازم: "يا أبا حازم، ما أكثر من يلقاني فيدعو لي بالخير، ما أعرفهم وما صنعت إليهم خيرًا قط" فقال له أبو حازم: "لا تظن أن ذلك من قِبَلِك، ولكن انظر إلى الذي ذلك من قِبَله فاشكره. وقرأ عبد الرحمن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦] " (^٢).
وقال علي بن الجعد: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون: حدثني من أصدّقه أن أبا بكر الصديق ﵁ كان يقول في دعائه: "أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى وبعد الرضى، والخيرة في جميع ما تكون فيه الخيرة بجميع ميسور (^٣)
_________________
(١) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٠٥). والحديث رواه الطبراني في "الكبير" (١٩/ رقم ٣١٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٣٩١). وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٨٥).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٣٣).
(٣) في (ب): "ميسّر".
[ ٢٥١ ]
الأمور كلها لا معسورها يا كريم" (^١).
وقال الحسن: "ما أنعم اللَّه على عبده نعمة، فقال: الحمد للَّه، إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ" (^٢).
قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال: "هذا خطأ، لا يكون فعل العبد أفضل من فعل اللَّه" (^٣).
ثم قال: وقال بعض أهل العلم: إنما تفسير هذا: أن الرجل إذا أنعم اللَّه عليه نعمة وهو ممن يحب أن يحمده، عرّفه ما صنع به، فيشكر اللَّه كما ينبغي له أن يشكره، فكان الحمد له أفضل (^٤).
قلت: لا يلزم الحسن ما ذكر عن ابن عيينة؛ فإن قوله: "الحمد للَّه"، نعمة من اللَّه، والنعمة التي حمد اللَّه عليها أيضًا نعمة من اللَّه، وبعض النعم أجلّ من بعض، فنعمة الشكر أجلّ من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها واللَّه أعلم.
وهذا لا يستلزم أن يكون قول (^٥) العبد أفضل من فعل اللَّه (^٦)، وإن
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١١٠). والراوي عن أبي بكر مجهول، كما هو واضح.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١١١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٠٦).
(٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١١). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٠٧). بالإسناد السابق.
(٤) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١١).
(٥) في النسخ الثلاث الأخرى: "فعل". وكذا فيما نقل ابن أبي الدنيا آنفًا.
(٦) لفظ الجلالة ليس في الأصل، والاستدراك من النسخ الأخرى.
[ ٢٥٢ ]
دلّ على أن فعل العبد للشكر قد يكون أفضل من بعض مفعول اللَّه، وفعل العبد هو مفعول اللَّه، ولا ريب أن بعض مفعولاته أفضل من بعض.
وقال بعض أهل العلم: "لَنِعَم اللَّه علينا فيما زوى عنّا أفضل من نعمه علينا فيما بسط لنا منها، وذلك أن اللَّه لم يرضَ لنبيه الدنيا، فأنْ أكون فيما رضي اللَّه لنبيه وأحبّ له أحبّ إليّ [أن أكون] (^١) فيما كره له وسخطه" (^٢).
قال ابن أبي الدنيا: وبلغني عن بعض العلماء أنه قال: "ينبغي للعالم أن يحمد اللَّه على ما زوى عنه من شهوات الدنيا، كما يحمده على ما أعطاه. وأين يقع ما أعطاه والحساب يأتي عليه، إلى ما عافاه ولم يبتلِه به، فيشغل قلبه، ويتعب جوارحه؟ فيشكر اللَّه على سكون قلبه وجمع همّه" (^٣).
وحدِّثت (^٤) عن ابن أبي الحواري قال: جلس فضيل بن عياض وسفيان ابن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم، فجعل سفيان يقول: "أنعم اللَّه علينا في كذا، أنعم اللَّه في كذا، فعل بنا كذا، فعل بنا كذا" (^٥).
وحدثنا (^٦) عبد اللَّه بن داود عن سفيان في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١١٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٨٩). وسيأتي نحوه عن أبي حازم.
(٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٣).
(٤) المُحَدَّث هو: ابن أبي الدنيا.
(٥) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٤).
(٦) في "الشكر" لابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم أنبا عبد اللَّه =
[ ٢٥٣ ]
مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال: "يسبغهم (^١) النعم ويمنعهم الشكر" (^٢).
وقال غير سفيان: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمة (^٣).
وسُئل ثابت البناني عن الاستدراج، فقال: "ذلك مكر اللَّه بالعباد المضيّعين" (^٤).
وقال يونس في تفسيرها: "إن العبد إذا كانت له عند اللَّه منزلة، فحفظها وأبقى عليها ثم شكر اللَّه بما أعطاه، أعطاه أشرف منها. وإذا هو ضيّع الشكر استدرجه اللَّه، وكان تضييعه الشكر استدراجًا" (^٥).
وقال أبو حازم: "نعمة اللَّه فيما زوى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها، إني رأيته أعطاها أقوامًا فهلكوا" (^٦).
_________________
(١) = بن داود به.
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "يسبغ عليهم".
(٣) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٥). ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (١٠٢٤).
(٤) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١١٦)، وهو بنفس السند السابق.
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١١٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (١٠٢٣).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١١٧)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" رقم (١٠٢٣). وهو تكملة للأثر السابق.
(٧) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٠)، وفي "القناعة والعفاف" رقم (١٧٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٣٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٢/ ٤٩). ورواه نحوه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٦)، والبيهقي في "شعب =
[ ٢٥٤ ]
وكل نعمة لا تقرّب من اللَّه فهي بليّة، وإذا رأيت اللَّه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه، فاحذره (^١).
وذكر أبو صالح كاتب الليث عن هِقْل عن الأوزاعي أنه وعظهم فقال (^٢) في موعظته: "أيها الناس، تقوّوا (^٣) بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار اللَّه الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دارٍ الثواءُ فيها قليل، وأنتم فيها مُرْجَون خلائف من بعد القرون التي استقبلوا من الدنيا آنفها وزهرتها (^٤)، فهم كانوا أطول منكم أعمارًا، وأمدّ أجسامًا، وأعظم آثارًا، فقطعوا الجبال وجابوا (^٥) الصخور، ونقّبوا في البلاد مؤيدين ببطشٍ شديد وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم، وعفت آثارهم، وأخْوَت منازلهم، وأَنْست ذكرَهم، فما تحسّ منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزًا، كانوا يلهون آمنين لبيات قوم
_________________
(١) = الإيمان" رقم (٤٤٨٨)، عن صالح بن مسمار. وروى نحوه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٨٢)، عن الثوري، وفي (٧/ ٣٠٥) عن ابن عيينة.
(٢) هذا من كلام أبي حازم أيضًا، إلا أنه بإسناد آخر، وقد سبق ص (٢٤٣) تخريج قوله: "كل نعمة لا تقرب من اللَّه فهي بليّة". أما قوله: "وإذا رأيت. . . " الخ، فقد رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (٣١).
(٣) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) في (ن): "اتقوا".
(٥) سقطت الواو في الأصل من كلمة: "وزهرتها"، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى. وآنفها أي أسرعها نباتًا. انظر: "لسان العرب" (٩/ ١٤).
(٦) أي خرقوا ونحتوا. انظر: "لسان العرب" (١/ ٢٨٥).
[ ٢٥٥ ]
غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتًا من عقوبة اللَّه، فأصبح كثير منهم في دارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثارهم نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى. وأصبحتيم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولّى عفوه وذهب رخاؤه، فلم يبقَ منه إلا حمأة شرّ، وصُبابة (^١) كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غِيَر، وإرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة (^٢) خَلَف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، ولا تكونوا أشباهًا لمن خدعه الأمل، وغرّه طول الأجل، وتبلّغ بالأماني، نسأل اللَّه أن يجعلنا وإياكم ممن وعى إنذاره، وعقل بشراه، فمَهَّد لنفسه" (^٣).
وكان يُقال: "الشكر ترك المعصية" (^٤).
وقال ابن المبارك: قال سفيان: "ليس بفقيه من لم يعدّ البلاء نعمة، والرخاء مصيبة" (^٥).
وكان مروان بن الحكم إذا ذُكر الإسلام قال: "بنعمة ربي وصلت إليه، لا بما قدمت يدي ولا بإرادتي، إني كنت خاطئًا" (^٦).
_________________
(١) الصبابة: البقية اليسيرة من الشراب تبقى في أسفل الإناء. "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٥).
(٢) في (ب): "ورذلة".
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (٣٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٥/ ٢٠٨).
(٤) سبق تخريجه ص (٢٤٢).
(٥) سبق أيضا تخريجه ص (٢٤٥).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢١).
[ ٢٥٦ ]
وقال:
وكم من مدخل لو متُّ فيه … لكنتُ به نكالًا في العشيره
وُقيتُ السوءَ والمكروهَ فيه … ورحتُ بنعمة منه كبيره
وكم من نعمة للَّه (^١) تمسي … وتصبح في العيان وفي السريره (^٢)
ودعي عثمان بن عفان إلى قوم على ريبة، فانطلق ليأخذهم فتفرقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكرًا للَّه أن لا يكون جرى على يديه خزي مسلم (^٣).
وقال يزيد بن هارون: أخبرنا أصبغ بن يزيد أن نوحًا ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد للَّه الذي أذاقني لذته، وأبقى منفعته في جسدي، وأذهب عني أذاه"؛ فسمّي عبدًا شكورًا (^٤).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني العباس بن جعفر حدثنا شاذ بن فياض عن الحارث بن شبل قال: حدثتنا أم النعمان أن عائشة حدثتها عن النبي ﷺ: "أنه لم يقم عن خلاء قط إلا قاله" (^٥).
_________________
(١) لفظ الجلالة غير موجود في الأصل، والاستدراك من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) الأبيات لأحمد بن موسى الثقفي، كما في كتاب "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٢٣)، مع تقديم وتأخير.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٤). ونحوه في "الزهد" للإمام أحمد رقم (٦٩٠)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (١/ ٦٠).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٠).
(٥) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٢٧)، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم =
[ ٢٥٧ ]
وقال رجل لأبي حازم: ما شكر العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته، وإن رأيت بهما شرًّا سترته. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته، وإن سمعت بهما شرًّا دفعته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا للَّه هو فيهما. قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا وأعلاه علمًا. قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. قال: فما شكر الرِّجلين؟ قال: إن علمت شيئًا تغبطه استعملت بهما عمله، وإن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر للَّه، وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فما ينفعه ذلك من الحرّ والبرد والثلج والمطر (^١).
وذكر عبد اللَّه بن المبارك: أن النجاشي أرسل ذات يوم إلى جعفر وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خُلْقان (^٢) جالس على التراب، قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسرّكم، إنه جاء من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن اللَّه نصر نبيه ﷺ وأهلك عدوّه، وأُسِرَ فلان وفلان
_________________
(١) = (٤٤٦٩). والحديث ضعفه ابن حجر في لسان الميزان (٢/ ١٥٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٢٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٢٤٣).
(٣) يقال: ثوبٌ خَلَق، أي: بالٍ، والجمع خُلقان وأخلاق. انظر: "لسان العرب" (١٠/ ٨٨).
[ ٢٥٨ ]
وقُتلَ فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر كثير الأراك -كأني أنظر إليه، كنت أرعى به لسيدي رجل من بني ضمرة-، فقال له جعفر: ما بالك على التراب، ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق؟ قال: إنا نجد فيما أَنزل اللَّه ﵎ على عيسى ﷺ: إن حقًّا على عباد اللَّه أن يُحدثوا للَّه تواضعًا عند ما أحدث لهم من نعمة، فلما أحدث لي نصر نبيه أُحدث للَّه هذا التواضع (^١).
وقال حبيب بن عبيد: "ما ابتلى اللَّه عبدًا ببلاء إلا كان للَّه عليه فيه نعمة ألا يكون أشد منه" (^٢).
وقال عبد الملك بن أبجر (^٣): "ما من الناس إلا مبتلى بعافية لينظر كيف شكره، أو بلية لينظر كيف صبره" (^٤).
وقال سفيان الثوري: "لقد أنعم اللَّه على عبد في حاجة أكثر من تضرعه إليه فيها" (^٥).
و"كان رسول اللَّه ﷺ إذا جاءه أمر يسرّه خرّ للَّه ساجدًا شكرًا (^٦)
_________________
(١) "الزهد" لابن المبارك رقم (١٩٢). ورواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٣٠)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (١٣١). وسبق نحوه عن شريح.
(٣) في (ب): "إسحاق"، وهو خطأ.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٣٢)، وأبونعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٨٥).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٣٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٦). ووقع في الأصل: "أكبر".
(٦) في الأصل: "شكر"، والتصويب من النسخ الأخرى.
[ ٢٥٩ ]
للَّه ﷿" (^١). ذكره أحمد (^٢).
وقال عبد الرحمن بن عوف: خرج علينا النبي ﷺ، فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخرّ ساجدًا فأطال السجود، فقلت: يا رسول اللَّه سجدت سجدة خشيتُ أن يكون اللَّه قد قبض نفسك فيها، فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني أن اللَّه ﷿ يقول لك: من صلّى عليك صليت عليه، ومن سلّم عليك سلّمت عليه، فسجدت للَّه شكرًا". ذكره أحمد (^٣).
وعن سعد بن أبي وقاص قال: خرجنا مع النبي ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عَزْور (^٤) نزل ثم رفع يديه ودعا اللَّه ساعة ثم خرّ ساجدًا، فمكث طويلًا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خرّ ساجدًا، فعله ثلاثًا وقال: "إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر؛ فخررت ساجدًا لربي". رواه أبو داود (^٥).
_________________
(١) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٧٧٤)، والترمذي في "جامعه" رقم (١٥٧٨)، وقال: "حسن غريب"، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٣٩٤). من حديث أبي بكرة ﵁.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) رواه أحمد في "المسند" (١/ ١٩١). وصححه الضياء حيث أورده في "الأحاديث المختارة" برقم (٩٢٦).
(٤) عَزْور ويقال: عزورا بالقصر: ثنية بالجحفة عليها الطريق بين مكة والمدينة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٢٣٣).
(٥) "السنن" (٢٧٧٥). وضعفه الألباني في "إرواء الغليل" (٢/ ٢٢٨).
[ ٢٦٠ ]
وذكر محمد بن إسحاق في كتاب "الفتوح" قال: "لما جاء المبشر يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه رسول اللَّه ﷺ ثلاثة أيمان باللَّه الذي لا إله إلا هو: لقد رأيته قتيلًا، فحلف له، فخرّ رسول اللَّه ﷺ ساجدًا" (^١).
وذكر سعيد بن منصور: أن أبا بكر الصديق ﵁ سجد حين جاءه قتل مسيلمة (^٢).
وذكر أحمد: أن عليًّا ﵁ سجد حين وجد ذا الثُّدَيَّة في الخوارج (^٣).
وسجد كعب بن مالك في عهد النبى ﷺ لما بشِّر بتوبة اللَّه عليه (^٤)، والقصة في "الصحيحين" (^٥).
فإن قيل: فنعم اللَّه دائمًا مستمرة على العبد فما الذي اقتضى تخصيص النعمة الحادثة بالشكر دون الدائمة، وقد تكون المستدامة
_________________
(١) رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٨٩)، عن ابن إسحاق معضلًا. وخبر مقتل أبي جهل رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٩٦٢)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٨٠٠) كلاهما من حديث أنس بن مالك، دون ذكر السجود.
(٢) لم أقف عليه فيما طبع من سنن سعيد. وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (٥٩٦٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (٨٤١٣)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ٣٧١): "أن أبا بكر سجد لما أتاه فتح اليمامة".
(٣) "المسند" (١/ ١٤٧).
(٤) رواه ابن ماجه في "سننه" رقم (١٣٩٣).
(٥) "صحيح البخاري" (٤٤١٨)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٧٦٩). من حديث كعب بن مالك ﵁.
[ ٢٦١ ]
أعظم؟
قيل: الجواب من وجوه:
أحدها: أن النعمة المتجددة تذكّر بالمستدامة، والإنسان موكّل بالأدنى.
الثاني: أن هذه النعمة المتجددة تستدعي عبودية مجددة، وكان أسهلها على الإنسان وأحبها إلى اللَّه السجود شكرًا له.
الثالث: أن المتجددة لها وقع في النفوس، والقلوب بها أعلَق، ولهذا يُهنّأ بها، ويعزى بفقدها.
الرابع: أن حدوث النعم توجب فرح النفس وانبساطها، وكثيرًا ما يجز ذلك إلى الأشر والبطر، والسجود ذلٌّ للَّه وعبودية وخضوع، فإذا تلقّى به نعمته كسر سَوْرة (^١) فرح النفس وانبساطها، فكان جديرًا بدوام تلك النعمة، وإذا تلقاها بالفرح الذي لا يحبه اللَّه والأشر والبطر -كما يفعله الجهال عند ما يحدث اللَّه لهم من النعم- كانت سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، وانقلبت نقمة، وعادت استدراجًا.
وقد تقدم أثر النجاشيّ: "فإن اللَّه إذا أحدث لعبده نعمة أحب أن يحدث له تواضعًا" (^٢).
وقال العلاء بن المغيرة: بشرت الحسن (^٣) بموت الحجاج، وهو
_________________
(١) سَوْرةُ الشيء أي: حدّته، فسورة الفرح أي: حدّة الفرح. انظر: "لسان العرب" (٤/ ٣٨٤).
(٢) تقدم قريبًا.
(٣) هو الحسن البصري ﵀.
[ ٢٦٢ ]
مختفٍ، فخرّ للَّه ساجدًا (^١).
فصل
ومن دقيق نعم اللَّه على العبد التي لا يكاد يُفطن لها: أنه يغلق عليه بابه، فيرسل اللَّه إليه بمن يطرق عليه الباب يسأله شيئًا من القوت؛ ليعرّفه نعمته عليه (^٢).
وقال سلام بن أبي مطيع: دخلت على مريض أعوده فإذا هو يئنُّ، فقلت له: اذكر المطروحين على الطريق، اذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم. قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك فسمعته يقول لنفسه: اذكر المطروحين في الطريق، اذكر من لا مأوى له ولا له من يخدمه (^٣).
وقال عبد اللَّه بن أبي نوح: قال لي رجل على بعض السواحل: كم عاملته -تبارك اسمه- بما يكره فعاملك بما تحب؟ قلت: ما أحصي ذلك كثرة. قال: فهل قصدت إليه في أمر كربك فخذلك؟ قلت: لا واللَّه، ولكنه أحسن إليّ وأعانني. قال: فهل سألته شيئا فأعطاكه؟ قلت: وهل منعني شيئًا سألته؟! ما سألته شيئًا قط إلا أعطاني، ولا استغثت به إلا أغاثني. قال: أرأيت لو أن بعض بني آدم فعل بك بعض هذه الخلال ما كان جزاؤه عندك؟ قلت: ما كنت أقدر له على مكافأةٍ ولا جزاءٍ. قال:
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٣٧)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (٦٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩).
(٢) روي نحو هذا عن سلام بن أبي مطيع. انظر: "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٣٩)، و"حلية الأولياء" (٦/ ١٨٨ - ١٨٩).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٤٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ١٨٩).
[ ٢٦٣ ]
فربك أحقّ وأحرى أن تُدئب نفسك له في أداء شكره، وهو المحسن قديمًا وحديثًا إليك، واللَّهِ لشُكرُه أيسرُ من مكافأة عباده، إنه ﵎ رضي من العباد بالحمد شكرًا (^١).
وقال سفيان الثوري: "ما كان اللَّه لينعم على عبد في الدنيا فيفضحه في الآخرة، ويحق على المنعم أن يتمّ النعمة على من أنعم عليه" (^٢).
وقال ابن أبي الحواري: قلت لأبي معاوية: ما أعظم النعمة علينا في التوحيد، نسأل اللَّه أن لا يسلبناه. قال: يحق على المنعم أن يتم على من أنعم عليه، واللَّه أكرم من أن ينعم بنعمة إلا أتمها، ويستعمل بعمل إلا قبله (^٣).
وقال ابن أبي الحواري: قالت لي امرأة: أنا في شيء (^٤) قد شغل قلبي. قلت: وما هو؟ قالت: أريد أن أعرف نعم اللَّه عليّ في طرفة عين، أو أعرف تقصيري عن شكر النعمة عليّ في طرفة عين. فقلت: تريدين ما لا تهتدي إليه عقولنا (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٦).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢٧٢)، إلى قوله: "من أنعم عليه". وروى ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤٤) بقيته: "واللَّه أكرم. . . " الخ.
(٤) في النسخ الثلاث الأخرى: "بيتي". ولعله تصحيف.
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/ ١٢٩).
[ ٢٦٤ ]
وقال ابن زيد: "إنه ليكون في المجلس الرجل الواحد يحمد اللَّه ﷿، فيقضى لأهل ذلك المجلس حوائجهم كلهم" (^١).
قال: وفي بعض الكتب التي أنزل اللَّه أنه قال: "سُرّوا عبدي المؤمن، فكان لا يأتيه شيء يحبه إلا قال: "الحمد للَّه الحمد للَّه ما شاء اللَّه ". قال: روّعوا عبدي المؤمن، فكان لا يطلع عليه طليعة من طلائع المكروه إلا قال: "الحمد للَّه الحمد للَّه". فقال اللَّه ﵎: إن عبدي يحمدني حين روَّعته كما يحمدني حين سررته، أَدخلوا عبدي دار عزتي، كما يحمدني على كل حالاته" (^٢).
وقال وهب: "عبدَ اللَّه عابد خمسين عامًا، فأوحى اللَّه إليه إني قد غفرت لك. قال: أي ربّ، وما تغفر لي ولم أذنب. فأذن اللَّه لعِرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلّ، ثم سكن فنام، فأتاه ملك فشكا إليه، فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟ فقال الملك: إن ربك يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون العرق" (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا أن داود قال: "يا رب أخبرني ما أدنى نعمك عليّ؟ فأوحى اللَّه إليه: يا داود تنفس، فتنفس، قال: هذا أدنى نعمي عليك" (^٤).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤٦)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ١٣٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٩٣)، وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" (١/ ١٣٦).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر" رقم (١٤٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٦٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٦٢٢).
(٤) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (١٤٩). =
[ ٢٦٥ ]
فصل
وبهذا يتبين معنى الحديث الذي رواه أبو داود من حديث زيد بن ثابت وابن عباس: "إن اللَّه لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" (^١).
والحديث الذي في الصحيح: "لن ينجي أحد منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمّدني اللَّه برحمة منه وفضل" (^٢)؛ فإن أعمال العبد لا توافي نعمة من نعم اللَّه عليه.
وأما قول بعض الفقهاء: إن من حلف أن يحمد اللَّه أفضل أنواع الحمد كان برّ يمينه في أن يقول: الحمد حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده (^٣).
فهذا ليس بحديث عن رسول اللَّه ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، وإنما هو إسرائيلي عن آدم (^٤)، وأصح منه: "الحمد للَّه غير مكفِيٍّ ولا
_________________
(١) = ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٦٢٣).
(٢) سنن أبي داود رقم (٤٦٩٩). ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٧٧). كلاهما من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود وحذيفة وأبي بن كعب رضي اللَّه تعالى عنهم. وصححه ابن حبان حيث أورده في "صحيحه" برقم (٧٢٧). ولم أجده من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٦٣)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٨١٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) انظر: "الوسيط" للغزالي (٧/ ٢٤٧)، و"روضة الطالبين" (١١/ ٦٥).
(٥) رواه أبو الشيخ الأصبهاني في "العظمة" رقم (١٠٤١) عن أبي صالح قال: "لما =
[ ٢٦٦ ]
مودعّ ولا مستغنى عنه ربنا" (^١).
ولا يمكن حمد العبد وشكره أن يوافي نعمة من نعم اللَّه، فضلًا عن موافاته جميع نعمه، ولا يكون فعل العبد وحمده مكافئًا للمزيد.
ولكن يُحمل هذا على وجه يصح، وهو: أن الذي يستحقه اللَّه ﷿ من الحمد حمدًا يكون موافيًا لنعمه ومكافئًا لمزيده، وإن لم يقدر العبد أن يأتي به، كما إذا قال: "الحمد للَّه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، وعدد الرمال والتراب والحصى والقطر، وعدد أنفاس الخلائق، وعدد ما خلق اللَّه وما هو خالق"، فهذا إخبار عما يستحقه من الحمد لا عما يقع من العبد من الحمد.
_________________
(١) = أهبط آدم إلى الأرض. . . . فأوحى اللَّه ﷿ إليه أن قل: الحمد للَّه. . . فذكره، وفيه: فإنك إن فعلت ذلك غلبت جميع من خلقت بالتسبيح والمحامد". ورواه ابن الصلاح في "أماليه" -كما في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٧١) - عن محمد بن النضر به نحوه. قال ابن حجر: وهذا معضل. وللمصنف رسالة حول هذا الحديث والكلام فيه سندًا ومتنًا. طبعت ضمن "مجموعة الرسائل" لابن القيم في هذا المشروع المبارك.
(٢) سبق تخريجه ص (٢٣٧).
[ ٢٦٧ ]
فصل
وقال أبو المليح: قال موسى: "يا رب ما أفضل الشكر؟ قال: أن تشكرني على كل حال" (^١).
وقال بكر بن عبد اللَّه: قلت لأخ لي: أوصني. فقال: ما أدري ما أقول، غير أنه ينبغي لهذا العبد أن لا يفتر من الحمد والاستغفار، فإن العبد بين نعمة وذنب، ولا تصلح النعمة إلا بالحمد والشكر، ولا يصلح الذنب إلا بالتوبة والاستغفار، فأوسعني علمًا ما شئت (^٢).
وقال عبد العزيز بن أبي رواد: رأيت (^٣) في يد محمد بن واسع (^٤) قرحة، فكأنه رأى ما شق عليّ منها، فقال لي: "تدري ماذا للَّه عليّ في هذه القرحة من نعمة حين لم يجعلها في حدقتي، ولا طرف لساني، ولا على طرف ذكري؟ فهانت عليّ قرحته (^٥).
وروى الجريريّ عن أبي الورد عن اللجلاج (^٦) عن معاذ بن جبل أن رسول اللَّه ﷺ أتى على رجل وهو يقول: اللهم إني أسألك تمام
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥٠).
(٣) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث.
(٤) هو محمد بن واسع بن جابر بن الأخنس أبو بكر الأزدي البصري، ثقة كثير المناقب، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٩٠٤).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٣٥٢).
(٦) في الأصل والنسخ الثلاث الأخرى: الجلاح. والتصويب من مصدر التخريج وكتب التراجم.
[ ٢٦٨ ]
النعمة. فقال: "ابن آدم هل تدري ما تمام النعمة؟ " قال: يا رسول اللَّه دعوةٌ دعوت بها (^١) أرجو بها الخير، فقال: "إن من تمام النعمة فوزًا من النار ودخول الجنة" (^٢).
وقال تميم (^٣) بن سلمة: "حدثت أن الرجل إذا ذكر اسم اللَّه على أول طعامه وحمده على آخره، لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام" (^٤).
_________________
(١) في (ب): "دعوت دعوة"، مكان: "دعوةٌ دعوت بها".
(٢) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٢٧)، وقال: "حديث حسن". من حديث معاذ بن جبل.
(٣) في الأصل والنسخ الأخرى: "سهم". والتصويب من مصدر التخريج. وهو: تميم بن سلمة الكوفي ثقة توفي سنة مائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (١٨٢)
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥٩).
[ ٢٦٩ ]
فصل
ويدل على فضل الشكر على الصبر، أن اللَّه سبحانه يُحِبّ أن يُسألَ العافية، وما سُئل شيئًا أحبَّ إليه من العافية، كما في "المسند" عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قام أبو بكر على المنبر ثم قال: "سلوا اللَّه العافية، فإنه لم يُعْطَ عبا بعد اليقين خيرًا من العافية" (^١).
وفي حديث آخر: "إن الناس لم يعطَوا في هذه الدنيا شيئًا أفضل من العفو والعافية، فسلوهما اللَّه ﷿" (^٢).
وقال لعمه العباس: "يا عمّ أكثرِ الدعاءَ بالعافية" (^٣).
_________________
(١) لم أقف عليه في المسند من رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن أبي بكر. وأخرجه أحمد في "المسند" (١/ ٣)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٨٤٩) عن أوسط بن إسماعيل البجلي عن أبي بكر مرفوعًا: "سلوا اللَّه العافية، فلم يؤتَ أحد قط بعد اليقين أفضل من العافية". وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٩) ووافقه الذهبي. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٥٨) من حديث معاذ بن رفاعة عن أبيه عن أبي بكر نحوه. وقال الترمذي: "حديث حسن غريب من هذا الوجه عن أبي بكر". أما رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن أبي بكر، فستأتي في الحديث التالي.
(٢) رواه النسائي في "الكبرى" رقم (١٠٧٢٢)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٧٤). وصححه الضياء في "الأحاديث المختارة" رقم (٢٩).
(٣) رواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٢٩)، والطبراني في "الكبير" رقم (١١٩٠٨). وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (١٥٢٣).
[ ٢٧٠ ]
وفي "الترمذي" عنه: قلت: يا رسول اللَّه، علّمني شيئًا أسأله اللَّه. قال: "سل اللَّه العافية"، فمكثت أيامًا ثم جئت فقلت: علّمني شيئًا أسأله اللَّه، فقال لي: "يا عباس، يا عمَّ رسول اللَّه، سلِ اللَّه العافية في الدنيا وفي الآخرة" (^١).
وقال في دعائه يوم الطائف: "إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسعُ لي" (^٢).
فلاذ بعافيته كما استعاذ بها في قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" (^٣).
وفي حديث آخر: "سلوا اللَّه العفو والعافية والمعافاة" (^٤).
وهذا السؤال متضمن للعفو عما مضى، والعافية في الحال، والمعافاة في المستقبل بدوام العافية واستمرارها.
وكان عبد الأعلى التيمي (^٥) يقول: "أكثروا من سؤال اللَّه العافية، فإن
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (٣٥١٤)، وقال: "حديث صحيح".
(٢) سبق تخريجه ص (٢٢ - ٢٣).
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٤٨٦) من حديث عائشة ﵂.
(٤) رواه النسائي في "السنن الكبرى" رقم (١٠٧١٧)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٤٩)، والطبراني في "مسند الشاميين" رقم (٥٧٩)، من حديث أبي بكر الصديق ﵁. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٥٨) دون لفظ المعافاة. وقال: "حسن غريب".
(٥) هو عبد الأعلى التيمي، روى عن إبراهيم التيمي، وروى عنه مسعر بن كدام، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان =
[ ٢٧١ ]
المبتلى وإن اشتد بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلَون اليوم إلا من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلا من أهل العافية اليوم، ولو كان البلاء يجرّ إلى خير ما كنا من رجال البلاء. إنه رُبّ بلاء قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة، فما يأمن من أطال (^١) المقام على معصية اللَّه أن يكون قد بقي له في بقية عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة، ثم يقول عند ذلك: الحمد للَّه الذي إن نعدّ نعمه لا نحصيها، وإن ندأب له عملًا لا نجزيها، وإن نعمّر فيها لا نبليها" (^٢).
ومرّ رسول اللَّه ﷺ برجل يسأل اللَّه الصبر، فقال: "لقد سألت البلاء، فاسأل العافية" (^٣).
وفي "صحيح مسلم" أنه ﷺ عاد رجلًا قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول اللَّه ﷺ: "هل كنت تدعو اللَّه بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا. فقال رسول اللَّه ﷺ: "سبحان اللَّه، لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" فدعا اللَّه له فشفاه (^٤).
_________________
(١) = في "الثقات". انظر: "التاريخ الكبير" (٦/ ٧٢)، و"الجرح والتعديل" (٦/ ٢٨)، و"الثقات" (٧/ ١٣١).
(٢) في الأصل: الحال، والتصويب من (ب) ومن مصدر التخريج.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٥٧).
(٤) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥٢٧)، وقال: "حديث حسن". من حديث معاذ بن جبل ﵁.
(٥) "صحيح مسلم" رقم (٢٦٨٨) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢٧٢ ]
وفي "الترمذي" من حديث أبي هريرة قال: دعاء حفظته من رسول اللَّه ﷺ لا أدعه: "اللهم اجعلني أعظِّمُ شكرَك، وأُكثِرُ ذكرَك، وأتّبعُ نصيحتك، وأحفَظُ وصيّتك" (^١).
وقال شيبان: كان الحسن إذا جلس مجلسًا يقول: "لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال، بَسطت رزقنا، وأظهرتَ أمنَنا، وأحسنتَ معافاتَنا، ومن كلّ ما سألناك أعطيتنا، فلك الحمد كثيرًا كما تنعم كثيرًا، أعطيتَ خيرًا كثيرًا، وصرفتَ شرًّا كثيرًا، فلوجهك الجليل الباقي الدائم الحمد" (^٢).
وكان بعض السلف يقول: "اللهم ما أصبح بنا من نعمة أو عافية أو كرامة، في دين أو دنيا، جرت علينا فيما مضى أو هي جارية علينا فيما بقي، فإنها منك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد بذلك علينا، ولك المنّ، ولك الفضل، ولك الحمد عدد ما أنعمت به علينا وعلى جميع خلقك لا إله إلا أنت" (^٣).
وقال مجاهد: كان ابن عمر إذا كان في سفر فطلع الفجر رفع صوته ونادى: "سمع سامع بحمد اللَّه ونعمه وحسن بلائه علينا ثلاثًا، اللهم صاحبنا فأفضل علينا، عائذ باللَّه من النار ولا حول ولا قوة إلا باللَّه،
_________________
(١) ليس في المطبوع من الجامع. وانظره في: "تحفة الأشراف" رقم (١٤٩٣٧)، حيث ذكر أن الترمذي رواه في جامعه من كتاب الدعوات، وقال: "غريب". وهو في "مسند أحمد" (٢/ ٣١١).
(٢) سبق تخريجه ص (٢٤١).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٠)، وابن أبي يعلى في كتاب "طبقات الحنابلة" (١/ ١٩٤). ووقع في النسخ: "وهي" والمثبت من المصادر.
[ ٢٧٣ ]
ثلاثًا" (^١).
وذكر الإمام أحمد: "أن اللَّه سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران: يا موسى كن يقظان مرتادًا لنفسك أخدانًا، وكلُّ خدن لا يواتيك على مسرتي فلا تصحبه؛ فإنه عدو لك، وهو يُقسي قلبك، وأكثِرْ ذكري حتى تستوجب الشكر، وتستكمل المزيد" (^٢).
وقال الحسن: "خلق اللَّه آدم حين خلقه، فأخرج أهل الجنّة من صفحته اليمنى، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى، فدبّوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصم والمبتلى، فقال آدم: يا رب ألا سوّيت بين ولدي؟ قال: يا آدم إني أردت أن أُشكر" (^٣).
وفي "السنن" عنه ﷺ: "من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، إلا أدى شكر ذلك اليوم (^٤) " (^٥).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (٩٢٣٦) و(٢٠٩٢٩)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٣)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٢٩٦١١)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٥٩). وجاء نحوه مرفوعًا من حديث أبي هريرة عند مسلم رقم (٢٧١٨).
(٢) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٤٣٧). ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢٢٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ١٥٣).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٤١).
(٤) في النسخ الثلاث الأخرى تمام الحديث: "ومن قال ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته".
(٥) "سنن أبي داود" رقم (٥٠٧٣) من حديث عبد اللَّه بن غنّام البياضي. =
[ ٢٧٤ ]
ويُذكر عن النبي ﷺ: "من ابتُلي فصبر، وأُعطي فشكر، وظُلم فغفر، وظَلم فاستغفر، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" (^١).
ويُذكر عنه ﷺ أنه أوصى رجلًا بثلاث، فقال: "أكثِرْ ذكرَ الموت يَشغلْك عما سواه، وعليك بالدعاء فإنك لا تدري متى يستجاب لك، وعليك بالشكر فإن الشكر زيادة" (^٢).
ويذكر عنه ﷺ أنه كان إذا أكل قال: "الحمد للَّه الذي أطعمني وسقاني وهداني، وكلّ بلاء حسن أبلاني، الحمد للَّه الرزّاق ذي القوة المتين، اللهم لا تنزع منا صالحًا أعطيتنا ولا صالحًا رزقتنا، واجعلنا لك من الشاكرين" (^٣).
_________________
(١) = وصححه ابن حبان من حديث عبد اللَّه بن عباس فأخرجه في "صحيحه" برقم (٨٦١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٧)، والطبراني في "الكبير" رقم (٦٦١٣) و(٦٦١٤)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (٣٦) من حديث سخبرة. وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٨٤). حيث قال بعد ذكره للحديث: "وفيه داود الأعمى وهو متروك". وضعفه ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص: ٣٦٦، حيث قال في ترجمة صحابي الحديث: "سخبرة -بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح الموحدة- صحابي، في إسناد حديثه ضعف".
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ٣٠٥)، من حديث سفيان عن رجل مرفوعًا. وهو ظاهر الضعف لإبهام الرجل. واللَّه أعلم.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٠)، من حديث أنس بن مالك. وفي إسناده خالد بن محدوج، متهم بالكذب. انظر: "التاريخ الكبير" (٣/ =
[ ٢٧٥ ]
ويذكر عنه ﷺ أنه كان إذا أكل قال: "الحمد للَّه الذي أطعم وسقى وسوّغه وجعل له مخرجًا" (^١).
وكان عروة بن الزبير إذا أتي بطعامه لم يزل مخمّرًا حتى يقول هذه الكلمات: "الحمد للَّه الذي هدانا وأطعمنا وسقانا ونعّمنا، اللَّه أكبر، اللهم أَلْفَتْنا نعمتُك ونحن بكل شرّ، فأصبحنا وأمسينا منها بخير، نسألك تمامها وشكرها، لا خير إلا خيرك ولا إله غيرك، إله الصالحين ورب العالمين، الحمد للَّه، لا إله إلا اللَّه، ما شاء اللَّه، لا قوة إلا باللَّه، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النار" (^٢).
وقال وهب بن منبه: "رؤوس النعم ثلاثة: فأولها نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها، والثانية نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها، والثالثة نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا به" (^٣).
وقدم سعيد الجريري (^٤) من الحج، فجعل يقول: أنعم اللَّه علينا في
_________________
(١) = ١٧٢ - ١٧٣)، و"الجرح والتعديل" (٣/ ٣٥٤).
(٢) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٣٨٥١) من حديث أبي أيوب. وصححه ابن حبان فاخرجه في صحيحه برقم (٥٢٢٠). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٧٠٥).
(٣) رواه مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٣٤ - ٩٣٥)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٢٩٥٦٨)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٦٩)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٠/ ٢٦٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٦٨).
(٥) هو: سعيد بن إياس الجريري، أبو مسعود البصري، توفي سنة أربع وأربعين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٣٧٤).
[ ٢٧٦ ]
سفرنا بكذا وكذا، ثم قال: "تعداد النعم من الشكر" (^١).
ومرّ وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح (^٢)، وهو يقول: "الحمد للَّه على نعمه"، فقال رجل كان مع وهب: أي شيء بقي عليك من النعمة تحمد اللَّه عليها؛ فقال له المبتلى: ارم ببصرك إلى أهل المدينة فانظر إلى كثرة أهلها، أولا أحمد اللَّه أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري (^٣).
ويُذكر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أنعم اللَّه على عبدٍ نعمة، فحمده عندها، فقد أدّى شكرها" (^٤).
وذَكر عليُّ بن أبي طالب: أن بخت نصّر أُتي بدانيال فأمر به فحُبس، وأضرى أسدين ثم خلّى بينهما وبينه، ثم فتح عنه بعد خمسة أيام، فوجده قائمًا يصلي، والأسدان في ناحية الجبّ لم يعرضا له. فقال له: ما قلت حتى دُفع عنك؟ قال: قلت: "الحمد للَّه الذي لا ينسى من ذكره، والحمد للَّه الذي لا يُخيّب من دعاه، والحمد للَّه الذي لا يَكِل من توكل
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٣)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢٥٥). إلا أنه عندهما بلفظ: "أبلانا اللَّه في سفرنا كذا. . . ".
(٢) أي بياض. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٦٣٤).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٦٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٩٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٥)، عن السري بن عبد اللَّه مرسلًا. ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، من حديث جابر نحوه، وصححه، وخالفه الذهبي فقال: "ليس بصحيح. قال أبو زرعة: عبد الرحمن بن قيس كذاب".
[ ٢٧٧ ]
عليه إلى غيره، والحمد اللَّه الذي هو ثقتنا حين تنقطع عنا الحِيل، والحمد للَّه الذي هو رجاؤنا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد للَّه الذي يكشف ضرّنا عند كربتنا، والحمد للَّه الذي يَجزي بالإحسان إحسانًا، والحمد للَّه الذي يَجزي بالصبر نجاة" (^١).
ويُذكر عنه ﷺ: أنه كان إذا نظر في المرآة قال: "الحمد للَّه الذي حَسّنَ خَلقي وخُلُقي، وزان مني ما شان من غيري" (^٢).
وقال ابن سيرين: كان ابن عمر يكثر النظر في المرآة، وتكون معه في الأسفار، فقلت له: ولمَ؟ قال: "أنظرُ فما كان في وجهي زين، فهو في وجه غيري شين، أحمد اللَّه عليه" (^٣).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٥٩)، عن محمد بن جعفر مرسلًا. وللحديث شاهد من حديث عبد اللَّه بن عباس، أخرجه الطبراني في "الكبير" رقم (١٠٧٦٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦١١). وله شاهد آخر من حديث أنس بن مالك، أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (٧٨٧)، وابن المبارك في "الزهد" رقم (١١٧٤). وله شواهد أخرى ذكرها الألباني في "إرواء الغليل" عند الحديث رقم (٧٤)، ثم قال بعد تخريجها: "ومما سبق يتبين أن هذه الطرق كلها ضعيفة، ولا يمكن القول بان هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا لشدة ضعفها كما رأيت، من أجل ذلك لا يصح الاستدلال بالحديث على مشروعية هذا الدعاء عند النظر في المرآة. . . نعم لقد صحّ هذا الدعاء عنه عنه ﷺ مطلقًا دون تقييد بالنظر في المرآة ".
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٧٨). وفيه: "وهو في. . . "، وفي غير الأصل: "من وجهي".
[ ٢٧٨ ]
وسئل أبو بكر بن أبي مريم (^١): ما تمام النعمة؟ قال: "أن تضع رِجلًا على الصراط ورِجلًا في الجنة" (^٢).
وقال بكر بن عبد اللَّه: "يا ابن آدم إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم اللَّه عليك فغمّض عينيك" (^٣).
وقال مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] قال: "أما الظاهرة فالإسلام، وأما الباطنة فستره عليك المعاصي" (^٤).
وقال ابن شوذب: قال عبد اللَّه يعني ابن مسعود: "إن للَّه على أهل النار منّة، لو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم" (^٥).
وقال أبو سليمان الداراني (^٦): "جلساء الرحمن يوم القيامة من جعل فيه خصالًا: الكرم، والسخاء، والحلم، والرحمة والرأفة،
_________________
(١) هو أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي مريم الغساني، الشامي، توفي سنة ست وخمسين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (١١٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨١).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٦٥).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٠٣).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٧٧).
(٦) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي، ثقة له حكايات في الزهد. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٥٨١).
[ ٢٧٩ ]
والشكر، والبِرّ، والصبر" (^١).
وقال أبو هريرة: "من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد للَّه الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى جميع خلقه تفضيلًا، فقد أدّى شكر تلك النعمة" (^٢).
وقال عبد اللَّه بن وهب: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: "الشكر يأخذ بجِذْم (^٣) الحمد وأصله وفرعه. قال: ينظر في نعم اللَّه: في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيء إلا فيه نعمة من اللَّه، حق على العبد أن يعمل بالنعمة التي هي في بدنه للَّه في طاعته، ونعمة أخرى في الرزق، وحق عليه أن يعمل للَّه فيما أنعم به عليه من الرزق بطاعته، فمن عمل بهذا كان قد أخذ بجذم الشكر (^٤) وأصله وفرعه" (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ٢٦٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١١١٤٨)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (٣) عن أبي هريرة مرفوعًا به. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٤٣٢)، من حديث أبي هريرة مرفوعًا دون جملة: "فقد أدى شكر تلك النعمة"، وإنما فيه مكانها: "لم يصبه ذلك البلاء". وقال الترمذي: "حسن غريب".
(٣) أي: أصل. انظر: "لسان العرب" (١٢/ ٨٨).
(٤) هكذا في الأصل والنسخ الخطية الأخرى، وكذلك في مصدر التخريج. ولعل الأصوب: "الحمد"؛ ليكون موافقًا لبداية الأثر، واللَّه أعلم.
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨٨).
[ ٢٨٠ ]
وقال كعب: "ما أنعم اللَّه على عبد من نعمة في الدنيا، فشكرها للَّه وتواضع بها للَّه إلا أعطاه اللَّه نفعها في الدنيا، ورفع له بها درجة في الأخرى، وما أنعم اللَّه على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها للَّه ولم يتواضع بها للَّه، إلا منعه اللَّه نفعها في الدنيا، وفتح له طبقًا من النار يعذبه إن شاء، أو يتجاوز عنه" (^١).
وقال الحسن: "من لا يرى للَّه عليه نعمة إلا في مطعم ومشرب أو لباس، فقد قصُر علمه، وحضر عذابه" (^٢).
وقال الحسن يومًا لبكر المزني: هات يا أبا عبد اللَّه دعوات لإخوانك. فحمد اللَّه وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ، ثم قال: واللَّه ما أدري أيّ النعمتين أفضل عليّ وعليكم: أنعمة المسلك، أم نعمة المخرج إذ أخرجه منا. قال الحسن: إنها لمن نعمة الطعام (^٣). (^٤)
وقالت عائشة: "ما من عبد يشرب الماء القَراح (^٥) فيدخل بغير أذى، ويخرج بغير أذى إلا وجب عليه الشكر" (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٨٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٤٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٠). وقد سبق نحوه عن الحسن عن أبي الدرداء ص (٢٣٨).
(٣) في مصادر التخريج: "إنها لمن نعمه العظام".
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٤).
(٥) الماء القَراح هو: الماء الذي لم يخالطه شيء يطيَّب به كالعسل والتمر والزبيب. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٣٦).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٢). =
[ ٢٨١ ]
وقال الحسن: "يا لها نعمة! تأكل لذة وتخرج سُرُحًا (^١)، لقد كان ملك من ملوك هذه القرية يرى الغلام من غلمانه يأتي الجبّ فيكتال (^٢) منه ثم يجرجر قائمًا فيقول: يا ليتني مثلك ما يشرب حتى يقطع عنقه (^٣) العطش، فإذا شرب كان له في تلك الشربة موتات، يا لها نعمة" (^٤).
وكتب بعض العلماء إلى أخ له: "أما بعد: فقد أصبح بنا من نعم اللَّه ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فما ندري أيهما نشكر، أجميل ما نشر أم قبيح ما ستر؟ " (^٥).
وقيل للحسن: هاهنا رجل لا يجالس الناس، فجاء إليه فسأله عن ذلك فقال: إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة، فرأيت أن أشغل نفسي
_________________
(١) = وفي سنده عمرو بن واقد، متروك كما في "التقريب ص ٧٤٨".
(٢) في الأصل والنسخ الثلاث: "مسرحًا". والتصويب من "النهاية" لابن الأثير ومن مصادر التخريج. وسُرُحًا أي: سهلًا سريعًا. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٥٨).
(٣) هكذا في الأصل والنسخ الثلاث، ولعل الصواب: "فيكتاز" أي: يغترف بالكوز. كما في "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٢٠٩)، ومصدري التخريج.
(٤) في "الشكر - طبعة ابن كثير وهي أتم": "عَيْفَة" ومعناها بقية كما في "النهاية" (٣/ ٣٣٠).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٥). والعبارة في "الشكر - طبعة ابن كثير": "يا لها من نعمة تأكل لذة وتخرج سرحًا". فلعلها سقطت من النسخ. وكان هذا الملك يرى ما يكون من غلامه نعمة، إذ كان به احتباس بول، كما في "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٢٠٩).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٤).
[ ٢٨٢ ]
عن الناس بالاستغفار من الذنب وأشكر اللَّه على النعمة، فقال الحسن: أنت عندي يا عبد اللَّه أفقه من الحسن، فالزم ما أنت عليه (^١).
وقال ابن المبارك: سمعت علي بن صالح يقول في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. قال: "أي: من طاعتي" (^٢).
والتحقيق: أن الزيادة من النعم، وطاعته من أجلّ نعمه.
وذكر ابن أبي الدنيا: أن مُحارب بن دِثار (^٣) كان يقول بالليل ويرفع صوته أحيانا: "أنا الصغير الذي ربيته فلك الحمد، أنا الضعيف الذي قوّيته فلك الحمد، وأنا الفقير الذي أغنيته فلك الحمد، وأنا الصعلوك الذي موّلته فلك الحمد، وأنا العزب الذي زوجته فلك الحمد، وأنا الساغب (^٤) الذي أشبعته. فلك الحمد، وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد (^٥)، وأنا المسافر الذي صاحبته فلك الحمد، وأنا الغائب الذي رددته فلك الحمد، وأنا الراجل الذي حملته فلك الحمد، وأنا المريض الذي شفيته فلك الحمد، وأنا السائل الذي أعطيته فلك الحمد، وأنا الداعي الذي أجبته فلك الحمد، ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا" (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٦).
(٢) "الزهد" لابن المبارك رقم (٣٢٠). ورواه ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ١٨٦)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٣٠).
(٣) هو محارب بن دثار، الكوفي، القاضي، ثقة إمام زاهد. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٩٢٢).
(٤) الساغب أي: الجائع. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٧١).
(٥) جملة: "وأنا العاري الذي كسوته فلك الحمد". مكررة في الأصل.
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (١٩٩)، وفي "التهجد" رقم (٤٧)، =
[ ٢٨٣ ]
وكان بعض الخطباء يقول في خطبته: "اختطّ لك الأنف فأقامه وأتمه، فأحسن تمامه، ثم أدار منك الحدقة فجعلها بجفون مطبقة وبأشفار (^١) معلّقة، ونقلك من طبقة إلى طبقة، وحنّن عليك الوالدين برقة ومِقة (^٢)، فنعمه عليك مورقة، وأياديه بك محدقة" (^٣).
وكان بعض العلماء يقول في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]: "سبحان من لم يجعل لحد معرفة نعمه إلا المعرفة (^٤) بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل لحد إدراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكرًا، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله إيمانًا، علمًا منه أن العباد لا يتجاوزن ذلك" (^٥).
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خصلتان من كانتا فيه كتبه اللَّه صابرًا شاكرًا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه صابرًا ولا شاكرًا؛ من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه
_________________
(١) = والآجري في "الشريعة" ص ٩٨ - ٩٩، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٩٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٧/ ٦٢ - ٦٣).
(٢) الشُّفر حرف جَفْن العين ينبت عليه الشعر. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٤٨٤).
(٣) المِقةُ: المحبة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٣٤٨).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٦٤).
(٥) في (م) و(ن): "الاعتراف". وفي (ب): "العلم".
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٦٢٤).
[ ٢٨٤ ]
إلى من هو دونه فحمد اللَّه على ما فضله به عليه، كتبه اللَّه صابرًا شاكرًا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه، فأسف على ما فاته منه، لم يكتبه اللَّه صابرًا ولا شاكرًا" (^١).
وبهذا الإسناد عن عبد اللَّه بن عمرو موقوفًا عليه: "أربع خصال من كنّ فيه بنى اللَّه له بيتًا في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله إلا اللَّه، وإذا أصابته مصيبة قال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإذا أعطي شيئًا قال: الحمد للَّه، وإذا أذنب ذنبًا قال: أستغفر اللَّه" (^٢).
وقال ابن المبارك: عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء: ٣] قال: "لم يأكل شيئًا إلا حمد اللَّه عليه، ولم يشرب شرابًا قط إلا حمد اللَّه عليه، ولم يمشِ مشيًا قط إلا حمد اللَّه عليه، ولم يبطش بشيء قط إلا حمد اللَّه عليه، فأثنى اللَّه عليه أنه كان عبدًا شكورًا" (^٣).
وقال محمد بن كعب القرظي: "كان نوح إذا أكل قال: الحمد للَّه، وإذا شرب قال: الحمد للَّه، وإذا لبس قال: الحمد للَّه، وإذا ركب قال: الحمد للَّه، فسمّاه اللَّه عبدًا شكورًا" (^٤).
_________________
(١) "الزهد" لابن المبارك رقم (١٨٠) -زوائد نعيم-. ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٥١٢)، وقال: "حسن غريب".
(٢) "الزهد" لابن المبارك (١٨٢) -زوائد نعيم-. ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٥).
(٣) "الزهد" لابن المبارك رقم (٩٤١). ورواه ابن جرير في "تفسيره" (١٥/ ١٩)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" رقم (٢٠٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٧٤).
(٤) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٩٤٠)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر" =
[ ٢٨٥ ]
قال ابن أبي الدنيا: بلغني عن بعض الحكماء قال: "لو لم يعذّب اللَّه على معصيته، لكان ينبغي أن لا يُعصى لشكر نعمته" (^١).
فصل
وللَّه ﵎ على عبده نوعان من الحقوق لا ينفك منهما:
أحدهما: أمره ونهيه، الذي هو محض حقه عليه.
والثاني: شكر نعمه، التي أنعم بها عليه.
فهو سبحانه يطالبه بشكر نعمه وبالقيام بأمره، فمشهد الواجب عليه لا يزال يُشهده تقصيره وتفريطه وأنه محتاج إلى عفو اللَّه ومغفرته، فإن لم يتداركه بذلك هلك.
وكلّما كان أفقه في دين اللَّه كان شهوده للواجب عليه أتمّ، وشهوده لتقصيره أعظم، وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة للَّه.
وأكثر الديّانين لا يعبأون منها إلا بما يشاركهم فيه عموم الناس. وأما الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للَّه ورسوله وعباده ونصرة اللَّه ورسوله وكتابه ودينه فهذه الواجبات لا تخطر ببالهم، فضلًا عن أن يريدوا أفضلها، فضلًا عن أن يفعلوه.
_________________
(١) = رقم (٢٠٧)، وعبد اللَّه بن أحمد في "زوائد الزهد" للإمام أحمد رقم (٢٨١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٤٧٣)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٢٧٤).
(٢) "الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٢٠٨). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٤٨).
[ ٢٨٦ ]
وأقل الناس دينًا وأمقتهم إلى اللَّه من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا جميعها، وقل أن ترى منهم من يُحمّر وجهَه ويمعّره في اللَّه، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالًا عند اللَّه من هؤلاء.
وقد ذكر أبو عمر وغيره: "أن اللَّه تعالى أمر ملكًا من الملائكة أن يخسف بقرية، فقال: يا رب إن فيهم فلانًا الزاهد العابد قال: به فابدأ، وأسمعني صوته، إنه لم يتمعّر وجهه فيّ يومًا قط" (^١).
فصل
وأما شهود النعمة فإنه لا يدع له رؤية حسنة من حسناته أصلًا ولو عمل أعمال الثقلين، فإن نعم اللَّه سبحانه عليه أكثر من أعماله، وأدنى نعمة من نعمه تستنفد عمله، فينبغي للعبد ألا يزال ينظر في حق اللَّه عليه.
قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبيّ اللَّه موسى ﵊ مرّ برجل يدعو أو يتضرع، فقال: يا رب ارحمه فإني قد رحمته. فأوحى اللَّه إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه" (^٢).
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط" -كما في "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٧٠) - والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٧٥٩٥)، عن جابر مرفوعًا به نحوه. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٧٥٩٤)، من قول مالك بن دينار. وأخرجه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" رقم (١٦) عن مسعر قال: "بلغني أن ملكًا. . . " الخ.
(٢) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٤٥١).
[ ٢٨٧ ]
فمشاهدةُ (^١) العبد النعمة والواجب لا تدع له حسنة يراها، ولا يزال مُزْريًا على نفسه ذامًّا لها.
وما أقربه من الرحمة إذا أعطى هذين المشهدين حقهما، واللَّه المستعان.
_________________
(١) في الأصل: "فمشاهد" والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٢٨٨ ]