﷽
ربّ يسّر وأعن
الحمدُ للَّه الصَّبورِ الشَّكورِ العليّ الكبير السميع البصير العليم القدير، الذي شملت قدرتُه كلَّ مقدور، وجَرت مشيئتُه في خلقه بتصاريفِ الأمور، وأَسمعت دعوتُه لليوم الموعود أصحابَ القبورِ، قَدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ وآجالَهم، وكتب آثارَهم وأعمالهم، وَقسَّم بينهم معايشَهم وأموالَهم، وخَلَق (^١) الموتَ والحياةَ لِيَبلُوَهم أيُّهم أحسنُ عملًا وهوَ العزيزُ الغفورُ، القاهرُ القادرُ، فكلُّ عسيرٍ عليه يَسير، والمولى النَّاصِرُ، فَنِعمَ المولى ونعمَ النَّصيرُ.
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: ١ - ٤].
وأشهدُ أن لا إله إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له، إله جلَّ عن الشَّبيه والنظير، وتعالى عن الشَّريكِ والظَّهيرِ، وتقدَّسَ عن تعطيل الملحدين، كما تنزّه عن شَبَهِ المخلوقين، فـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير (١١)﴾ (^٢) [الشورى: ١١].
_________________
(١) في (ن) و(م): وقدّر.
(٢) في حاشية الأصل بعده: "أحمده ﷾ على نعمه وهو اللطيف الخبير، وأشكره شكر عبدٍ لم يرضَ سواه له نصير". بخط مغاير ودون علامة =
[ ٣ ]
وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وخيرتُه من بريَّته، وصفوتُه من خَليقته، وأمينُه على وَحْيِه، وسفيرُه بينه وبين عباده، أعرفُ الخَلقِ بِه وأقومُهم بخشيته، وأنصحُهم لأمّته، وأصبَرُهم لِحُكمِه، وأَشكرهم لِنِعَمِه، وأقربُهم إليه وسيلَةً، وأعلاهُم عنده منزلةً، وأعظمُهم عنده جاهًا، وأوسعُهم عنده شفاعةً، بعثهُ إلى الجَنَّةِ داعيًا، وللإيمانِ مُناديًا، وفي مرضاته ساعيًا، وبالمعروف آمرًا، وعن المنكر ناهيًا، فَبَلَّغ رسالاتِ ربِّه، وصدّعَ بأمره، وتحمَّل في مرضاته ما لمِ يتحمَّلْه بشرٌ سواه، وقام للَّه بالصَّبرِ والشُّكر أحَقَّ القيام حتى بَلَغ رضاه، فَثَبَت في مَقامِ الصَّبرِ حتى لم يلحقْه أحدٌ من الصّابرين، وَتَرقى في دَرَجةِ الشُّكر حتى علا فوقَ جَميعِ الشاكرين.
فَحَمدَه اللَّهُ وملائكتُه ورسلُه وجميعُ المؤمنين، ولذلك خُصَّ بلواءِ الحَمدِ دون جميع العالمين، فآدمُ تحتَ لوائِه ومن دونه من الأنبياءِ والمرسلين، وجعلَ الحمْدَ فاتحَةَ كتابِه الذي أنزلَه عليه (^١) وآخرَ دعوى أهلِ ثوابِه الذين هداهم على يديه.
وسمّى أمَّته الحَمّادين (^٢) قبل أن يُخرجَهم إلى الوجودِ، لحمدِهم له على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والشِّدَّةِ والرّخاءِ، وجعلَهم أَسبق الأممِ إلى دارِ الثَّوابِ والجزاءِ.
فأقربُ الخلقِ إلى لوائه أكثرُهم حمدًا للَّه وذكرًا، كما أن أعلاهم
_________________
(١) = إلحاقٍ، لذا لم أثبتها في الأصل.
(٢) في (م) و(ن) زيادة: "كذلك فيما بلغنا هو في التوراة والإنجيل". ونحوه في (ب).
(٣) جاء في ذلك حديث أخرجه الدارمي في سننه برقم (٥، ٧، ٨).
[ ٤ ]