قال غير واحد من السلف: "الصبر نصف الإيمان" (^٢).
وقال عبد اللَّه بن مسعود: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر" (^٣).
ولهذا جمع اللَّه سبحانه بين الصبر والشكر في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ [إبراهيم: ٥، الشورى: ٣٣، سبأ: ١٩، لقمان: ٣١]، في سورة إبراهيم، وفي سورة حم عسق، وفي سورة سبأ، وفي سورة لقمان.
وقد ذُكر لهذا التنصيف اعتبارات:
أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية، وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة اللَّه ﷿ وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية، والدين كله في هذين الشيئين: فعل المأمور، وترك المحظور.
_________________
(١) في (ن): "الأعمال". وهو غلط.
(٢) انظر ذلك في: "تفسير الطبري" (٢١/ ٨٤)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ٥٣)، و"شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٤٤٤٨)، و"الشكر" لابن أبي الدنيا رقم (٥٨)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ٢٥٩) وغيرها.
(٣) روى عبد اللَّه بن أحمد في "السنة" رقم (٨١٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٤٦)، والطبراني في "الكبير" رقم (٨٥٤٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٨)، (٩٧١٧)، عنه أنه قال: الصبر نصف الإيمان.
[ ٢٠٥ ]
الاعتبار الثاني: أن الإيمان مبني على ركنين: يقين، وصبر. وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (^١) أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
فباليقين يَعلم حقيقةَ الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وبالصبر ينفِّذ ما أُمر به ويكفُّ نفسه عما نُهي عنه، ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي أنه من عند اللَّه وبالثواب والعقاب إلا باليقين، ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن فعل المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر، بفعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.
الاعتبار الثالث: أن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح.
وبيان ذلك: أن من عرف بقلبه، ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ [العنكبوت: ٣٨]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢].
فهؤلاء حصل لهم قول القلب وهو: المعرفة والعلم، ولم يكونوا بذلك مؤمنين.
وكذلك من قال بلسانه وليس في قلبه، لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان
_________________
(١) في الأصل و(ب): ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، وهي على الصواب في (م) و(ن).
[ ٢٠٦ ]
من المنافقين.
وكذلك لو عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا، حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، فيحب اللَّه ورسوله، ويوالي أولياء اللَّه ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه للَّه وحده، وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته، والتزام شريعته ظاهرًا وباطنًا.
وإذا فعل ذلك لم يكفِ في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به.
فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه وهي ترجع إلى علم وعمل، ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي، وكلاهما لا يحصل إلا بالصبر، فصار الإيمان نصفين: أحدهما الصبر، والثاني ما تولد عنه من العلم والعمل.
الاعتبار الرابع: أن النفس لها قوَّتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، وهي دائمًا تتردد بين أحكام هاتين القوّتين، فتُقْدِم على ما تحبه، وتحجم عما تكرهه، والدين كله إقدام وإحجام، إقدام على طاعة (^١) اللَّه ﷿، وإحجام عن معاصي اللَّه، وكل منهما لا يمكن حصوله إلا بالصبر.
الاعتبار الخامس: أن الدين كله رغبة ورهبة، فالمؤمن هو الراغب الراهب. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وفي الدعاء عند النوم، الذي رواه البخاري في "صحيحه": "اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك،
_________________
(١) "طاعة" سقطت من الأصل.
[ ٢٠٧ ]
وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك" (^١).
فلا تجد المؤمن أبدًا إلا راغبًا راهبًا، والرغبة والرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر، فرهبته تحمله على الصبر، ورغبته تقوده إلى الشكر.
الاعتبار السادس: أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة، أو يضره في الدنيا والآخرة، أو ينفعه في إحدى الدارين ويضره في الأخرى، وأشرف الأقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها، وهو حقيقة الإيمان، ففعل ما ينفعه هو الشكر، وترك ما يضره هو الصبر.
الاعتبار السابع: أن العبد لا ينفك من أمرٍ يفعله، ونهي يجتنبه، وقدرٍ يجري عليه، وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر، ففِعل المأمور هو الشكر، وترك المحظور والصبر على المقدور هو الصبر.
الاعتبار الثامن: أن العبد فيه داعيان: داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها، وداعٍ يدعوه إلى اللَّه والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم، فعصيان داعي الشهوة والهوى هو الصبر، وإجابة داعي اللَّه والدار الآخرة هو الشكر.
الاعتبار التاسع: أن الدين مداره على أصلين: العزمُ والثبات، وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن النبي ﷺ: "اللهم إني أسألُك الثبات في الأمر، والعزيمة
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (٦٣١٥). ورواه أيضًا مسلم في "صحيحه" رقم (٢٧١٠). كلاهما من حديث البراء بن عازب ﵁.
[ ٢٠٨ ]
على (^١) الرشد" (^٢).
وأصل الشكر صحة العزيمة، وأصل الصبر قوة الثبات، فمتى أُيّد العبد بعزيمة وثبات، فقد أُيد بالمعونة والتوفيق.
الاعتبار العاشر: أن الدين مبني على أصلين: الحق والصبر، وهما المذكوران في قوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].
ولما كان المطلوب من العبد هو العملُ بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس، وكان هذا هو حقيقة الشكر، لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه، فكان الصبر نصف الإيمان، واللَّه أعلم (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "في"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى، كما أنه موافق لمصادر التخريج، واللَّه أعلم.
(٢) "المسند" (٤/ ١٢٣)، وسنن النسائي "المجتبى" رقم (١٣٠٤)، من حديث شداد بن أوس. وأخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٤٠٧)، بلفظ: ". . . وأسالك عزيمة الرشد". وصححه ابن حبان حيث أورده في صحيحه برقم (٩٣٥، ١٩٧٤). وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٨) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٣) قد سبق الإمام ابن القيم ﵀ إلى بيان كون الصبر نصف الإيمان واعتبارات ذلك: الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٦ - ٥٧). إلا أن الغزالي ذكر لهذا التنصيف اعتبارين فقط، بينما نرى الإمام ابن القيم ذكر أكثر من ذلك. رحم اللَّه الجميع.
[ ٢٠٩ ]