لما كان الصبر المحمود (^١) هو: الصبر الئفساني الاختياريّ عن إجابة داعي الهوى المذموم، كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه (^٢):
فإنه إن كان صبرًا عن شهوة الفرج المحرمة سُمي عفة، وضدها الفجور والزنى والعُهر.
وإن كان عن شهوة البطن وعدم التسرع إلى الطعام أو تناول ما لا يَحِلُّ منه سُمي شَرَفَ نفْس وشِبَع نفْس، وسُمي ضده شَرَهًا ودناءة ووضاعةَ نفْس.
وإن كان عن إظهار ما لا يَحسن إظهاره من الكلام سُمي كتمانَ سرّ، وضده إذاعة وإفشاء أو تهمة أو فحشًا أو سبًّا أو كذبًا أو قذفًا.
وإن كان عن فضول العيش سُمي زهدًا، وضده حرصًا.
_________________
(١) في الأصل: "المذموم"، وهو خطأ. والتصويب من النسخ الأخرى.
(٢) هذه المراتب والأسماء الآتية التي ذكرها المصنف ﵀ هنا -والتي سوف يفصلها فيما بعد- أصلها من كتاب الغزالي "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٧). وقوله: "لما كان الصبر المحمود هو: الصبر النفساني الاختياري. . . " الخ. فالصبر المحمود يقابله الصبر المذموم، وسيأتي ذلك في الباب العاشر. ثم الصبر النفساني يقابله الصبر البدني، وسياتي ذلك في الباب الخامس. وكذلك الصبر الاختياري يقابله الصبر الاضطراري، وسيأتي ذلك في الباب الخامس والباب التاسع، وكذلك في أثناء الباب الثالث عشر. وبهذا يتضح معنى هذه الجملة واللَّه أعلم.
[ ٢٨ ]
وإن كان على قدرٍ يكفي من الدنيا سُمي قناعة، ويُضادُّها الحرص أيضًا.
وإن كان عن إجابة داعي الغضب سُمي حلمًا، وضده تسرُّعًا.
وإن كان عن إجابة داعي العَجَلة سُمي وقارًا وثباتًا، وضده طيشًا وخفّة.
وإن كان عن إجابة داعي الفرار والهرب سُمي شجاعة، وضده جُبْنًا وخَوَرًا.
وإن كان عن إجابة داعي الانتقام سُمي عفوًا وصَفْحًا، وضده انتقامًا وعقوبة.
وإن كان عن إجابة داعي الإمساك والبخل سُمي جودًا (^١)، وضده بخلًا.
وإن كان عن إجابة داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص سُمّي صَوْمًا.
وإن كان عن إجابة داعي العجز والكسل سمي كَيْسًا.
وإن كان عن إجابة داعي إلقاء الكَلّ (^٢) على الناس وعدم حمل كَلّهم سمي مروءة.
فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلَّقه، والاسم الجامع
_________________
(١) في الأصل: "جوادا"، وهو خطأ، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٢) الكَلّ: الثقل من كل ما يتكلف. النهاية: ٤/ ١٩٨.
[ ٢٩ ]
لذلك كله: الصبر.
وهذا يدلُّك على ارتباط مقامات الدين كلِّها (^١) بالصبر من أولها إلى آخرها.
وكذا يُسَمَّى عدلًا إذا تعلّق بالتسوية بين المتماثلين وضده الظلم.
وسُمّي سماحة إذا تعلّق ببذل الواجب والمستحب بالرضا والاختيار، وعلى هذا منازل جميع الدين.
_________________
(١) في (م) و(ن): كلّه.
[ ٣٠ ]