وهو ينقسم بهذا الاعتبار إلى واجب، ومندوب، ومحظور، ومكروه، ومباح (^١).
فالصبر الواجب ثلاثة أنواع:
أحدها: الصبر عن المحرمات.
والثاني: الصبر على أداء الواجبات.
والثالث: الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرهما.
وأما الصبر المندوب، فهو: الصبر عن المكروهات، والصبر على المستحبات، والصبر عن مقابلة الجاني بمثل فعله.
وأما الصبر المحظور فأنواع:
أحدها: الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت، وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت.
قال طاووس وبعده الإِمام أحمد (^٢): من اضطر إلى أكل الميتة والدم فلم يأكل فمات دخل النار (^٣).
_________________
(١) انظر في تقسيم الصبر باعتبار حكمه: "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٩).
(٢) كلمة "أحمد" ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) قاله الإِمام أحمد في رواية الأثرم عنه. انظر: "المغني" (١٣/ ٣٣١ - ٣٣٢). أما قول طاووس فلم أقف عليه، ولعله وهم من المصنف، إذ المعروف =
[ ٥٤ ]
فإن قيل: فما تقولون في الصبر عن المسألة في هذه الحال؟
قيل: اختلف في حكمه هل هو حرام أو مباح؟ على قولين هما لأصحاب أحمد (^١). وظاهر نصه أن الصبر عن المسألة جائز، فإنه قيل له: إذا خاف إن لم يسأل أن يموت؟ فقال: لا يموت، يأتيه اللَّه برزق (^٢)، أو كما قال.
فأحمد منع وقوع المسألة، ومتى علم اللَّه ضرورته وصدقه في ترك المسألة قيض له رزقًا.
وقال كثير من أصحاب أحمد والشافعيّ: يجب عليه المسألة، وإن لم يسأل كان عاصيًا؛ لأن المسألة تتضمن نجاته من التلف (^٣).
_________________
(١) = أنه من قول مسروق، كما في رواية الأثرم. وأثر مسروق رواه: عبد الرزاق في "المصنف" رقم (١٩٥٣٦)، ووكيع -كما في تفسير ابن كثير (١/ ١٩٥) -، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٣٥٧).
(٢) انظر: "الفروع" لابن مفلح (٦/ ٢٠٤)، و"كشاف القناع" (٦/ ١٩٦). واختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية عدم وجوب السؤال. انظره في: "الاختيارات الفقهية" ص: ٤٦٤.
(٣) قاله الإِمام أحمد في رواية الأثرم أيضًا. انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (٤/ ١٢٠ - ١٢١)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٣/ ٢٢٣)، و"الفروع" لابن مفلح (٦/ ٢٠٤)، و"كشاف القناع" (٦/ ١٩٦).
(٤) وهو اختيار القاضي أبي يعلى من الحنابلة. انظر: كشاف القناع (٦/ ١٩٦). ولم أقف في كتب الشافعية على نص في وجوب المسألة، ولكن وقفت على أنه يجب على المضطر أن يأخذ من غيره ما يدفع ضرورته، بل يجب عليه القتال فيه في وجهٍ، ولا شك أن وجوب المسألة أخفّ من ذلك. انظر: "المجموع" للنووي (٩/ ٤٦).
[ ٥٥ ]
فصل
ومن الصبر المحظور صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبُعٍ أو حيّة أو حريق أو ماء أو كافر يريد قتله، بخلاف استسلامه وصبره في الفتنة وقتال المسلمين فإنه مباح له بل يستحب الصبر كما دلت عليه النصوص الكثيرة.
وقد سُئِل النبي ﷺ عن هذه المسألة، فقال: "كُنْ كخير ابنَي آدم" (^١)، وفي لفظ: "كُن عبد اللَّه المقتول، ولا تكن عبد اللَّه القاتل" (^٢)،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٥٧) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، بلفظ: "كن كابنَيْ آدم". قال الطبراني في "الأوسط" رقم (٨٦٧٨): "لم يُرْوَ هذا الحديث عن سعد إلا من حديث بكير بن عبد اللَّه بن الأشج، ولا رواه عن بكير إلا عياش وابن لهيعة". وكل من بكير وعياش ثقة. انظر: "تقريب التهذيب" ص: ١٧٧، ٧٦٤. ورواه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٥٩)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٦١) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل. . . " الحديث، وفيه: "فليكن كخير ابنَيْ آدم". وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" برقم (٥٩٦٢).
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ١١٠)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥/ ٧٢)، والطبراني في "الكبير" رقم (٣٦٣٠)، من حديث خباب بن الأرت بلفظ: "فكن عبد اللَّه المقتول ولا تكن عبد اللَّه القاتل". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٢٩٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٨١) من حديث خالد بن عرفطة نحوه. وله شواهد أخرى، وصححه الألباني بمجموع طرقه في "إرواء الغليل" (٨/ ١٠٤).
[ ٥٦ ]
وفي لفظ آخر: "دعه يبوءُ بإثمه وإِثمك" (^١)، وفي لفظ آخر: "فإن بَهَرَك شعاعُ السّيف فَضَع يَدَك على وَجْهِك" (^٢).
وقد حكى اللَّه سبحانه استسلام خير بني آدم وصبره وأثنى عليه بذلك، وهذا بخلاف قتل الكافر، فإنه يجب عليه الدفع عن نفسه؛ لأنّه من مقصود الجهاد أن يدفع عن نفسه وعن المسلمين.
وأما قتال اللصوص، فهل يجب فيه الدفع أو يجوز الاستسلام؟
فإن كان عن (^٣) معصوم غيره وجب، وأما عن نفسه فظاهر نصّه أنه لا يجب الدفع (^٤)، وأوجبه بعضُهم (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٨٨٧)، من حديث أبي بكرة بلفظ: "يبوء بإثمه وإثمك". وأخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٥٨) من حديث أبي ذر بلفظ: "فيبوء بإثمه وإثمك".
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٤٢٦١)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٥٨) من حديث أبي ذر ﵁ بلفظ: "فإن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألقِ ثوبك على وجهك". وصححه ابن حبان حيث أخرجه في صحيحه رقم (٥٩٦٠). وصححه أيضًا الحاكم في المستدرك (٢/ ١٥٧) على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي.
(٣) ليست في الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) وهو المذهب، وفرض هذه المسألة في الفتن، أما إذا كان في غير وقت الفتن فالذي عليه نص أحمد وعليه المذهب أنه يجب الدفع. انظر: "المغني" (١٢/ ٥٣٣ - ٥٣٤)، و"الهداية" (٢/ ١٠٩)، و"الإنصاف" (١٠/ ٣٠٤).
(٥) انظر: "الإنصاف" (١٠/ ٣٠٤).
[ ٥٧ ]
ولا يجوز الصبر عمّن قصده أو حُرمتَه بالفاحشة.
فصل
وأما الصبر المكروه: فله أمثلة:
أحدها: أن يصبر عن الطعام والشراب واللبس وجماع أهله حتى يتضرر بذلك بدنُه.
الثاني: صبره عن جماع زوجته إذا احتاجت إلى ذلك ولم يتضرر به.
الثالث: صبره على فعل المكروه.
والرابع: صبره عن فعل المستحب.
فصل
وأما الصبر المباح، فهو: الصبر عن كل فعلٍ مستوي الطرفين خُيّرَ بين فعله وتركه والصبر عليه.
وبالجملة فالصبر على الواجب واجب وعن الواجب حرام، والصبر عن الحرام واجب وعليه حرام، والصبر على المستحب مستحب وعنه مكروه، والصبر عن المكروه مستحب وعليه مكروه، والصبر عن المباح وعليه مباح، واللَّه أعلم.
[ ٥٨ ]