قد تقدم بيان معناه لغة.
وأما حقيقتهُ فهو: خُلُق فاضل من أخلاق النفس، تمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قُوى (^١) النفس التي بها صَلاح شأنِها، وقوام أمرها.
وسُئل عنه الجنيد بن محمد (^٢)؛ فقال هو: "تجرُّع المرارة من غير تعبُّس" (^٣).
وقال ذو النون (^٤): "هو: التباعدُ عن المخالفاتِ والسّكون عند تجرّع غُصص البلية، وإظهار الغِنى مع حلولِ الفقرِ بساحاتِ المعيشَة (^٥) " (^٦)
_________________
(١) الأصل: "قوة" خطأ.
(٢) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد النهاوندي البغدادي، شيخ الصوفية، أتقن العلم ثم تأله وتعبد ونطق بالحكمة، توفي سنة ٢٩٨ انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (٧/ ٢٤١ - ٢٤٨)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٦٦ - ٧٥).
(٣) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٥، و"مدارج السالكين" (٢/ ١٥٧).
(٤) هو أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم النوبي شيخ الديار المصرية، كان عالمًا فصيحًا حكيمًا، ولد في أواخر أيام المنصور، وتوفي ﵀ سنة خمس وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في "تاريخ بغداد" (٨/ ٣٩٣ - ٣٩٦)، و"سير أعلام النبلاء" (١١/ ٥٣٢ - ٥٣٦).
(٥) في الأصل: "العيشة" والمثبت من النسخ الأخرى والمصادر.
(٦) انظر: "حلية الأولياء" (٩/ ٣٦٢)، و"الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦، و"مدارج السالكين" (٢/ ١٥٨). وفي "حلية الأولياء": "التباعد عن الخلطاء =
[ ١٩ ]
وقيل: "الصبرُ: هو الوقوف مع البلاء بحُسن الأدب" (^١).
وقيل: "هو: الفَناء في البلوى بلا ظهور شكوى" (^٢).
وقال أبو عثمان (^٣): "الصبَّار: هو الذي عوّد نفسَه الهجوم على المكاره" (^٤).
وقيل: "الصبر: المُقام مع البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية" (^٥).
ومعنى هذا: أن للَّه على العبد عبوديّة في عافيته وفي بلائه، فعليه أن يحسن صحبةَ العافية بالشكر، وصحبةَ البلاء بالصبر.
وقال عمرو بن عثمان المكي (^٦): "الصبر: هو الثبات مع اللَّه،
_________________
(١) = في الشدة" مكان: "التباعد عن المخالفات". وذكر القشيري في "الرسالة" ص: ٢٥٦، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (٢/ ١١٨)، عنه أنه قال: الصبر هو: الاستعانة باللَّه تعالى.
(٢) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦، و"شرح النووي على مسلم" (٣/ ١٠٢)، ونسباه لابن عطاء.
(٣) انظر: "الرسالة القشيرية": ص: ٢٥٦، و"مدارج السالكين" (٢/ ١٥٨).
(٤) هو أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد الحيري، شيخ الإسلام، ولد سنة ثلاثين ومائتين، كان للخراسانيين نظير الجنيد للعراقيين، توفي ﵀ سنة ثمان وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في: "حلية الأولياء" (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٦)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٦٢ - ٦٦).
(٥) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦، و"مدارج السالكين" (٢/ ١٥٨).
(٦) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦، و"مدارج السالكين" (٢/ ١٥٨).
(٧) هو أبو عبد اللَّه عمرو بن عثمان المكي الزاهد، شيخ الصوفية، توفي ﵀ بعد الثلاث مائة. انظر ترجمته في: "حلية الأولياء" (١٠/ ٢٩١ - ٢٩٦)، =
[ ٢٠ ]
وتلقي بلائِه بالرحب والدعة" (^١).
ومعنى هذا: أنه يتلقى البلاء بصدر واسع، لا يتلقاه (^٢) بالضيق والتسخّط والشكوى.
وقال الخوّاص (^٣): "الصّبر: الثبات على أحكام الكتاب والسنة" (^٤)
وقال رُوَيم (^٥): " الصّبر: ترك الشكوى" (^٦). فسّره بلازمه.
وقال غيره: "الصّبر: هو الاستعانة باللَّه" (^٧).
_________________
(١) = و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٥٧ - ٥٨).
(٢) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦، و"مدارج السالكين" (٢/ ١٥٨).
(٣) في (ب): يتعلق وهو تحريف.
(٤) هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد الخوّاص، عابد من أقران الجنيد والنوري، توفي بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في "حلية الأولياء" (١٠/ ٣٢٥ - ٣٣١)، و"الرسالة القشيرية" ص: ٩٦.
(٥) انظر: "شرح النووي على مسلم" (٣/ ١٠١ - ١٠٢)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٢/ ١١٨)، و"الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦.
(٦) هو أبو الحسن رُويم بن أحمد بن يزيد الصوفي، من أفاضل البغداديين، كان عالمًا بالقرآن، شيخ الصوفية، ومن فقهاء الظاهرية، توفي ﵀ سنة ثلاث وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" (٨/ ٤٣٠)، و"حلية الأولياء" (١٠/ ٢٩٦ - ٣٥٢).
(٧) انظر: "تاريخ بغداد" (٨/ ٤٣٠)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٢/ ١١٨)، و"الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦.
(٨) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٢/ ١١٨)، ونسباه لذي النون.
[ ٢١ ]
وقال أبو علي (^١): "الصّبر كاسمه" (^٢).
قال علي بن أبي طالب ﵁: "الصّبر مطية لا تكبو" (^٣).
وقال أبو محمد الجُرَيري (^٤): "الصبر أن لا تُفرّق بين حَالِ النّعمةِ والمحنةِ مع سكون الخاطر فيهما" (^٥).
قلت: وهذا غير مقدور ولا مأمور، فقد ركَّب اللَّه الطّباع على التفريق بين الحالتين، وإنما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد.
وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر، كما قال النبي ﷺ في الدعاء المشهور: "إن لم يكن بك غَضَبٌ عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتَك
_________________
(١) هو أبو علي الحسن بن علي النيسابوري الدقاق، شيخ الصوفية بنيسابور، توفي ﵀ سنة ست وأربعمائة. انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٢٤٦)، و"شذرات الذهب" (٣/ ١٨٥).
(٢) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦.
(٣) لم أجده مسندًا ونسبه إليه القشيري في "رسالته" ص: ٢٥٦، والثعالبي في "التمثيل والمحاضرة" ص: ٣٥، والزمخشري في "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار" (٣/ ٩٤) وغيرهم.
(٤) هو أبو محمد أحمد بن محمد بن حسين الجريري الزاهد، شيخ الصوفية، ولما توفي الجنيد أجلسوه مكانه، توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. انظر ترجمته في "حلية الأولياء" (١٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨)، و"سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٤٦٧).
(٥) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٦، و"طبقات الأولياء" لابن الملقن ص: ٧٤ - ٧٥.
[ ٢٢ ]
أوسعُ لي" (^١)، ولا يناقض هذا قولَه ﷺ: "وما أُعطِي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصّبرِ" (^٢)؛ فإن هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له منه.
وقال أبو علي الدّقاق: "حد الصبر ألا تعترض على التقدير. فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر. قال اللَّه تعالى في قصة أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] مع قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] " (^٣).
قلت: فسر اللفظة بلازمها.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" -قطعة من الجزء ١٣، ص ٧٣ رقم (١٨١) -، وفي "الدعاء" رقم: (١٠٣٦)، ومن طريقه أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (٢/ ٤٤١ - ٤٤٢)، والضياء في "المختارة" (٩/ ١٨٠ - ١٨١)، والخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ٢٧٥)، وابن منده في "جزء ترجمة الطبراني" ص: ٣٤٦. وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ١١١)، كلاهما -أي الطبراني وابن عدي- من طريق محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد اللَّه بن جعفر ﵁ به. قال ابن عدي: "وهذا حديث أبي صالح الراسبي لم نسمع أن أحدًا حدّث بهذا الحديث غيره، ولم نكتبه إلا عنه". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣٥): "رواه الطبراني وفيه محمد بن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات".
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (١٤٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم: (١٠٥٣)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) انظر: "الرسالة القشيرية" ص: ٢٥٩، و"شرح النووي على مسلم" (٣/ ١٠٢)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (٢/ ١١٨).
[ ٢٣ ]
وأما قوله: "على غير وجه الشكوى"؛ فالشكوى نوعان:
أحدهما: الشكوى إلى اللَّه، فهذا لا ينافي الصبر؛ كما قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣].
وقال أيوب ﵇: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] مع وصف اللَّه له بالصّبر.
وقول سيّد الصابرين صلوات اللَّه وسلامه عليه: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلّة حيلتي. . . " الحديث (^١).
وقول موسى ﷺ: "اللهم لك الحمد، وإليك المُشْتكى، وأنت المُسْتعان، وبك المُسْتغاث، وعليك التُّكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك" (^٢).
والنوع الثاني: شكوى المُبتلى بلسان الحال أو المقال، فهذا لا
_________________
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (٣٣٩٤)، وفي "الصغير" رقم (٣٣٩)، والخرائطي في "فضيلة الشكر" رقم (١١). عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ألا أعلمكم الكلمات التي تكلم بها موسى ﵇ حين جاوز البحر ببني إسرائيل؟ فقلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: قولوا: اللهم لك الحمد. . . ". فذكره دون قوله: "وبك المستغاث وعليك التكلان". وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٦٠٤): "رواه الطبراني في "الصغير" بإسناد جيد". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٨٣): "رواه الطبراني في "الأوسط" و"الصغير" وفيه من لم أعرفهم".
[ ٢٤ ]
يُجامع الصبر بل يُضادّه، ويُبطله.
فالفرق بين شكواه والشكوى إليه. وسنعود لهذه المسألة في باب: "اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما" إن شاء اللَّه (^١).
وقيل: "الصبر: شجاعة النفس".
ومن هاهنا أخذ القائل قوله: "الشجاعة صبرُ ساعة" (^٢).
وقيل: "الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب".
والصبر والجَزَعُ ضدان، ولهذا يُقابَل أحدُهما بالآخر، قال تعالى عن أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١].
والجزع قرين العجز وشقيقه، والصبر قرين الكَيْس ومادته؛ فلو سُئل الجزع: من أبوك؟ لقال: العجز. ولو سُئل الكَيس من أبوك؟ لقال: الصبر.
والنفس مطيةُ العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار، والصبر لها بمنزلة الخِطام والزمام للمطية، فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام
_________________
(١) وقد تناول الفرق بينهما أيضًا في "مدارج السالكين" (٢/ ١٦١).
(٢) قاله البطال، وأخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم: (٥٠)، وفي كتاب "مكارم الأخلاق" رقم: (١٧٢). وقاله أيضًا -ولعله أخذه عن البطال- يحى بن سعيد الطبيب النصراني البصري، حيث قال: إن الشجاعة صبر ساعه … فازجر عن القلب انخداعه واقنع بما سنّ الإلـ … ــهُ فخيرُ ما صُحب القناعهْ انظر: "خريدة القصر وجريدة العصر" للعماد الأصبهاني (٤/ ٢/ ٧٠٠).
[ ٢٥ ]
شرَدَت في كل مذهب.
وحُفِظَ مِن خُطَبِ الحجّاج: "اقدعوا هذه النفوس؛ فإنها طُلَعَةٌ إلى كلّ سوء، فرحم اللَّه امرأ جعل لنفسه خطامًا وزمامًا؛ فقادها بخطامها إلى طاعة اللَّه، وصرفها بزمامها عن معصية اللَّه، فإن الصبر عن محارم اللَّه أيسرُ من الصبر على عذابه" (^١).
قلت: والنفس فيها قوّتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكًا عما يضره.
ومن الناس من يكون صبره (^٢) على فعل ما يُنتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره، فيصبر على مشقة الطاعة، ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نُهِيَ عنه.
ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات.
ومنهم من لا صبر له على هذا ولا على هذا.
وأفضل الناس أصبرُهم على النوعين؛ فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام، ولا يصبر عن نظرة محرمة.
_________________
(١) لم أقف عليها هكذا، وذكر نحوها المبرد في "الكامل" (١/ ١٦٠)، والزمخشري في "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار" (٣/ ٢٩١). وقال المبرد: "اقدعوا" يُقال: قَدَعْتُه عن كذا، أي: منعته عنه.
(٢) كذا في الأصل و(ب). وفي (م) و(ن): "تكون قوة صبره".
[ ٢٦ ]
وكثير من الناس يصبر عن النظر، وعن الالتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعفُ شيء عن هذا وأعجزُه.
وأكثرهم لا صبر له على واحد من النّوعين، وأقلهم أصبرهم في الموضعين.
وقيل: "الصبر: ثباتُ باعثِ العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والطّبع (^١) " (^٢).
ومعنى هذا: أن الطبع يتقاضى ما يُحبّ، وباعث العقل والدين يمنع منه، والحرب قائمة بينهما وهي سجال، ومعركة هذا الحرب قلب العبد. والصبر: الشجاعة والثبات (^٣).
_________________
(١) في النسخ الأخرى: "الهوى والشهوة"، مكان: "الشهوة والطبع". وفي "الإحياء": "باعث الشهوة".
(٢) قاله الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٤، ٥٦).
(٣) انظر: "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٤). وفيه: "ومعركة هذا القتال. . ".
[ ٢٧ ]