كلُّ أحد لا بد أن يصبر على بعض ما يكره إما اختيارًا وإما اضطرارًا، فالكريم يصبر اختيارًا لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يحمد عليه ويُذم على الجزع، وأنه إن لم يصبر لم يرُدَّ الجزعُ عليه فائتًا، ولم ينزع عنه مكروهًا، وأن المقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يقدّر لا حيلة في تحصيله، فالجزع خوف محض ضرُّه أقرب من نفعه، قال بعض العقلاء: "العاقل عند نزول المصيبة يفعل ما يفعلُه الأحمق بعد شهر"، كما قيل:
رأى الأمر يُفضي إلى آخِر … فصيّر آخرَه أولًا (^١)
فإذا كان آخر الأمر الصبر، والعبد غير محمود، فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره به الأحمق في آخره.
وقال بعض العقلاء: "من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم" (^٢).
فالكريم ينظر إلى المصيبة، فإن رأى الجزع يردُّها ويدفعها فهذا قد ينفعه الجزع، وإن كان الجزع لا ينفعه فإنه يجعل المصيبة مصيبتين.
_________________
(١) عجز البيت في الأصل: "فصيره أولًا". والتصويب من (م) و(ن). [البيت لمحمود الوراق في طبقات الشعراء لابن المعزّ، وينسب إلى علي بن أبي طالب انظر تخريجه في ديوان محمود] (ص).
(٢) هذا القول منسوب لعلي بن أبي طالب ﵁. انظر: "التذكرة الحمدونية" (٤/ ٢١٠)، و"العقد الفريد" (٣/ ٢٥٥).
[ ٩٤ ]
فصل
وأما اللئيم فإنه يصبر اضطرارًا، فإنه يحوم حول ساحة الجزع فلا يراها تُجدي عليه شيئًا فيصبر صبر الموثق للضرب.
وأيضًا فالكريم يصبر في طاعة الرحمن، واللئيم يصبر في طاعة الشيطان؛ فاللئام أصبر الناس في طاعة أهوائهم وشهواتهم، وأقل الناس صبرًا في طاعة ربهم؛ فيصبر على البذل في طاعة الشيطان أتم صبر، ولا يصبر على البذل للَّه في أيسر شيء، ويصبر على تحمّل المشاق لهوى نفسه في مرضاة عدوه، ولا يصبر على أدنى المشاق في مرضاة ربه، ويصبر على ما يُقال في عِرضِه في المعصية، ولا يصبر على ما يقال في عرضه إذا أوذي في اللَّه، بل يفِرُّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشيةَ أن يُتكلّم في عرضه في ذات اللَّه، ويبذل عرضَه في هوى نفسه (^١) صابرًا على ما يُقال فيه، وكذلك يصبر على التبذل بنفسه وجاهه في هوى نفسه ومراده، ولا يصبر على التبذل للَّه في مرضاته وطاعته،.
فهو أصبر شيء على البذل والتبذل في طاعة الشيطان أو مراد النفس، وأعجز شيء عن الصبر على ذلك في اللَّه. وهذا أعظم اللؤم، ولا يكون صاحبه كريمًا عند اللَّه، ولا يقوم مع أهل الكرم إذا نودي بهم يوم القيامة على رؤوس الأشهادْ لَيَعْلَمَنّ (^٢) أهلُ الجمع من أولى بالكرم اليوم، أين المتقون؟
_________________
(١) في (م) و(ن) بعدها: "ومراده"، وفي (ب): "ومرضاته".
(٢) في (م) و(ن): ليعلم. وليست في (ب).
[ ٩٥ ]