فنقول: كل أمرين طُلبت الموازنة بينهما ومعرفة الراجح منهما على المرجوح، فإن ذلك لا يمكن إلا بعد معرفة كل واحد منهما، وقد ذكرنا حقيقة الصبر وأقسامه وأنواعه، فنذكر حقيقة الشكر وماهيته.
قال في "الصحاح": الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، يقال: شكرته، وشكرت له. واللام أفصح.
وقوله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩] يحتمل أن يكون مصدرًا كالقعود، وأن يكون جمعًا كالبرود والكفور.
والشكران خلاف الكفران، وتشكّرت له: مثل شكرت له. والشَّكُورُ من الدوابّ: ما يكفيه العلف القليل. واشتكرت السماء: اشتد وقع مطرها. واشتكر الضرع: امتلأ لبنًا، تقول منه: شكِرت الناقة بالكسر تشكَر شكرًا فهي شكِرة، وشكِرت الشجرة تشكَر شكَرًا إذا خرج منها الشّكير، وهو ما ينبت حول الشجرة من أصلها (^١).
فتأمل هذا الاشتقاق وطابق بينه وبين الشكر المأمور به، وبين الشكر الذي هو جزاء الرب الشكور، كيف تجد في الجميع معنى الزيادة والنماء.
ويقال أيضًا: دابة شكور، إذا أظهرت من السّمن فوق ما تعطى من العلف (^٢).
_________________
(١) "الصحاح" للجوهري (٢/ ٧٠٢ - ٧٠٣).
(٢) "الرسالة القشيرية" (٣٤٧).
[ ٢٨٩ ]
وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان، لا يكون شكورًا إلا بمجموعها:
أحدها: اعترافه بنعمة اللَّه عليه.
والثاني: الثناء عليه بها.
والثالث: الاستعانة بها على مرضاته.
وأما قول الناس في الشكر:
فقالت طائفة: "هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع".
وقيل: "الشكر: الثناءُ على المحسن بذكر إحسانه إليه، فشكر العبد للَّه ثناؤه عليه بذكر إحسانه إليه".
وقيل: "شكر النعمة مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة، والقيام بالخدمة".
وقيل: "شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليًّا".
وقيل: "الشكر معرفة العجز عن الشكر".
ويقال: "الشكر على الشكر أتم من الشكر، وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه، وذلك التوفيق من أجلّ النعم عليك، فتشكره على الشكر، ثم تشكره على شكر الشكر إلى ما لا يتناهى.
وقيل: "الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الإستكانة".
وقال الجنيد: "الشكر أن لا ترى نفسك للنعمة أهلًا" (^١).
_________________
(١) انظر قول الجنيد في: "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٧٣).
[ ٢٩٠ ]
وقيل: "الشكر استفراغ الطاقة في الطاعة".
وقيل: "الشاكر الذي يشكر على الموجود والشكور الذي يشكر على المفقود".
ويقال: "الشاكر الذي يشكر على الرفد، والشكور الذي يشكر على الردّ".
وقيل: "الشاكر الذي يشكر على النفع، والشكور الذي يشكر على المنع".
وقيل: "الشاكر الذي يشكر على العطاء، والشكور الذي يشكر على البلاء".
وقال الجنيد: "كنت بين يدي السّري (^١) ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر، فقال لي: يا غلام، ما الشكر؟ فقلت: أن لا تعصي اللَّه بنعمه، فقال: يوشك أن يكون حظك من اللَّه لسانك. فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السري" (^٢).
وقال الشبلي: "الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعم" (^٣).
_________________
(١) هو السري بن المغلس أبو الحسن السقطي أحد العباد المجتهدين صاحب معروف الكرخي، خال الجنيد وأستاذه. انظر: "تاريخ بغداد" (٩/ ١٨٧ - ١٩٢)، و"تاريخ دمشق" (٢٠/ ١٦٠ - ١٩٩).
(٢) رواه عنه القشيري في "رسالته" ص ٢٤٨، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١٠/ ١١٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٥٥٠).
(٣) ذكره عنه القشيري في "رسالته" ص ٢٤٨، والغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٧٢).
[ ٢٩١ ]
وهذا ليس بجيد، بل من تمام الشكر أن تشهد النعمة من المنعم.
وقيل: "الشكر قيد الموجود وصيد المفقود".
وقال أبو عثمان: "شكر العامة على المطعم والملبس، وشكر الخواص على ما يرد على قلوبهم من المعاني" (^١).
وحبَس السلطان رجلًا، فأرسل إليه صاحبه: اشكر اللَّه. فضُرب، فأرسل إليه: اشكر اللَّه. فجيء بمحبوس مجوسي مبطون (^٢)، فقُيّد وجعل حلقة من قيده في رجلِه وحلقة في قيد الرّجل المذكور، فكان المجوسي يقوم بالليل مرات (^٣) فيحتاج الرجل أن يقف على رأسه حتى يفرغ، فكتب إليه صاحبه: اشكر اللَّه. فقال له: إلى متى تقول: اشكر اللَّه، وأي بلاء فوق هذا؟ فقال: ولو وُضع الزّنَّار الذي في وسطه في وسطك، كما وُضع القيد الذي في [رجله في] (^٤) رجلك ماذا كنت تصنع؟ فاشكر اللَّه (^٥).
ودخل رجل على سهل بن عبد اللَّه فقال: إن اللّصَّ دخل داري وأخذ متاعي، فقال: اشكر اللَّه، فلو دخل اللصّ قلبك -وهو الشيطان- وأفسد عليك التوحيد ماذا كنت تصنع (^٦)؟!
_________________
(١) ذكره عنه القشيري في "رسالته" ص ٢٤٨. وذكره الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٧٢) عن الخواص.
(٢) أي يشتكي بطنه. انظر: "لسان العرب" (١٣/ ٥٤).
(٣) أي يقوم عدة مرات لقضاء الحاجة بسبب الداء الذي في بطنه.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من: (م)، (ب).
(٥) ذكرها القشيري في "رسالته" ص ٢٤٩، والغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ١١٠).
(٦) ذكرها القشيري في "رسالته" ص ٢٤٩، والغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ =
[ ٢٩٢ ]
وقيل: "الشكر التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه من عطائه".
وقيل: "إذا قصرت يداك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر".
وقيل: "أربعة لا ثمرة لها: مُسارّة الأصم، ووضع (^١) النعمة عند من لا يشكرها، والبذر في السّباخ (^٢)، والسراج في الشمس".
والشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح: فالقلب للمعرفة والمحبة، واللسان للثناء والحمد، والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن معاصيه.
قال الشاعر:
أفادتكم النّعماء عندي (^٣) ثلاثة … يدي ولساني والضّمير المُحجّبا (^٤)
والشكر أخص بالأفعال، والحمد أخص بالأقوال. وسبب الحمد أعمّ من سبب الشكر، ومتعلق الشكر وما به الشكر أعمّ مما به الحمد. فما يحمد الرب تعالى عليه أعمّ مما يشكر عليه، فإنه يحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله ونعمه، ويشكر على نعمه. وما يحمد به أخصّ مما يشكر به، فإنه يشكر بالقلب واللسان والجوارح، ويحمد بالقلب واللسان.
_________________
(١) = ١٠٩ - ١١٠).
(٢) من (م) و(ن)، وفي الأصل: "مسار. . . وواضع"! وفي القشيرية: "لا ثمرة لهم: مسار. . . " كما في الأصل. وفي (ب): "مشاورة". والمعنى هو الإعلام بالسرّ.
(٣) السِّباخ جمع سَبَخة، وهي الأرض المالحة. انظر: "لسان العرب" (٣/ ٢٤).
(٤) في (ن): "مني".
(٥) انظر البيت في: "الكشاف" (تفسير سورة الفاتحة).
[ ٢٩٣ ]
فصل
إذا عُرف هذا فكلٌّ من الصبر والشكر داخل في حقيقة الآخر لا يمكن وجوده إلا به، وإنما يُعبر عن أحدهما باسمه الخاص به باعتبار الأغلب عليه والأظهر منه، وإلا فحقيقة الشكر إنما يلتئم من الصبر والإرادة والفعل، فإن الشكر هو العمل بطاعة اللَّه ﷿ وترك معصيته، والصبر أصل ذلك.
فالصبر على الطاعة وعن المعصية هو عين الشكر، وإذا كان الصبر مأمورًا به، فأداؤه هو الشكر.
فإن قيل: فهذا يفهم منه اتحاد الصبر والشكر، وأنهما اسمان لمسمّى واحد، وهذا محال عقلًا ولغةً وعرفًا، وقد فرّق اللَّه سبحانه بينهما.
قيل: بل هما معنيان متغايران، وإنما بيّنّا تلازمهما وافتقار كل واحد منهما في وجود ماهيته إلى الآخر، ومتى تجرّد الشكر عن الصبر بطل كونه شكرًا، وإذا تجرد الصبر عن الشكر بطل كونه صبرًا؛ أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإنه إذا تجرد عن الشكر كان كفورًا، ومنافاة الكفور للصبر أعظم من منافاة السخط (^١).
فإن قيل: بل ههنا قسم آخر وهو: أن لا يكون كفورًا ولا شكورًا، بل صابرًا على مضض وكراهة شديدة، فلم يأتِ بحقيقة الشكر ولا خرج عن ماهية الصبر.
قيل: كلامنا في الصبر المأمور به الذي هو طاعة، لا في الصبر الذي
_________________
(١) في (ب): "السخوط".
[ ٢٩٤ ]
هو تجلد كصبر البهائم، وصبر الطاعة لا يأتي به إلا شاكر، ولكن اندرج شكره في صبره فكان الحُكْمُ للصبر، كما اندرج صبر الشكور في شكره فكان الحكم للشكر.
فمقامات الإيمان لا تعدم بالتنقل بل تندرج وينطوي الأدنى في الأعلى كما يندرج الإيمان في الإحسان، وكما يندرج الصبر في مقام الرضى، لا أن الصبر يزول، ويندرج الرضى في التفويض، ويندرج الخوف والرجاء في الحب، لا أنهما يزولان.
فالمقدور الواحد يتعلق به الشكر والصبر سواء كان محبوبًا أو مكروهًا، فالفقر مثلًا يتعلق به الصبر وهو أخص به لما فيه من الكراهة، ويتعلق به الشكر لما فيه من النعمة، فمن غلب عليه شهود نعمته وتلذّذ به واستراح واطمأن إليه عدّه نعمة يشكر عليها، ومن غلب عليه شهود ما فيه من الابتلاء والضيق والحاجة عدّه بلية يصبر عليها، وعكسه الغنى.
على أن اللَّه سبحانه ابتلى العباد بالنعم كما ابتلاهم بالمصائب، وعدّ ذلك كله ابتلاء، فقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦)﴾ [الفجر: ١٥، ١٦]. وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧]. وقال: هو ﴿الَّذِي (^١) خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
_________________
(١) ليست في الأصل.
[ ٢٩٥ ]
فأخبر سبحانه أنه خلق العالم العلوي والسفلي، وقدّر أجل الخلق، وخلق ما على الأرض للابتلاء والاختبار، وهذا الابتلاء إنما هو ابتلاء صبر العباد وشكرهم في الخير والشر والسرّاء والضرّاء، فالابتلاء بالنعم من الغنى والعافية والجاه والقدرة، وتأتي الأسباب أعظم الابتلاءين، والصبر على طاعة اللَّه ﷿ أشق الصبرين. كما قال الصحابة ﵃: "ابتلينا بالضرّاء فصبرنا، وابتلينا بالسرّاء فلم نصبر" (^١).
والنعمة بالفقر والمرض وقبض الدنيا وأسبابها وأذى الخلق قد تكون أعظم النعمتين، وفرض الشكر عليها أوجب من الشكر على أضدادها، فالرب تعالى يبتلي بنعمه، ويُنعم بابتلائه.
غير أن الصبر والشكر حالتان لازمتان (^٢) للعبد في أمر الرب ونهيه وقضائه وقدره لا يُستغنى عنهما طرفة عين.
والسؤال عن أيهما أفضل كالسؤال عن الحبس والحركة أيهما أفضل؟ وعن الطعام والشراب أيهما أفضل؟ وعن خوف العبد ورجائه أيهما أفضل؟
فالمأمور لا يؤدّى إلا بصبر وشكر، والمحظور لا يُترك إلا بصبر وشكر.
وأما المقدور الذي يقدّر على العبد من المصائب فمتى صبر عليه اندرج شكره في صبره، كما يندرج صبر الشاكر في شكره.
_________________
(١) رواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٤٦٤)، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁. وقال الترمذي: "حديث حسن".
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٢٩٦ ]