مشقة الصبر بحسب قوة الداعي إلى الفعل وسهولته على العبد، فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق شيء على الصابر، وإن فُقدا معًا سهُل الصبر عنه، وإن وجد أحدهما وفُقِد الآخر سهُل الصبر من وجه وصعُب من وجه.
فمن لا داعي له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش ولا هو سهل عليه، فصبره عنه من أيسر شيء وأسهله.
ومن اشتد داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله، فصبره عنه أشق شيء عليه، ولهذا كان صبر السلطان على الظلم، وصبر الشاب عن الفاحشة، وصبر الغنى عن تناول اللذات والشهوات عند اللَّه بمكان. وفي "المسند" وغيره عن النبي ﷺ: "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" (^٢).
ولذلك استحق السبعة المذكورون في الحديث أن يظلهم اللَّه في ظل عرشه لكمال صبرهم ومشقته، فإن صبر الإمام المتسلط على العدل في قسمه وحكمه ورضاه وغضبه، وصبر الشاب على عبادة اللَّه ومخالفة
_________________
(١) سبق الإمام ابن القيم إلى بيان هذا الباب الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦١) فراجعه إن شئت.
(٢) "المسند" (٤/ ١٥١) نحوه. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٨٤٣). وصبوة أي: ميل إلى الهوى، وهي المرّة منه. "النهاية" لابن الأثير (٣/ ١١).
[ ١٢٥ ]
هواه، وصبر الرجل على ملازمة المسجد، وصبر المتصدق على إخفاء الصدقة حتى عن بعضه، وصبر المدعو إلى الفاحشة مع جمال الداعي ومنصبه، وصبر المتحابين في اللَّه على [ذلك في حال اجتماعهما وافتراقهما، وصبر الباكي من خشية اللَّه على] (^١) كتمان ذلك وإظهاره للناس، من أشق الصبر.
ولهذا كان عقوبة الشيخ الزاني والملك الكذاب والفقير المختال أشد العقوبة لسهولة الصبر عن هذه المحرمات عليهم لضعف دواعيها في حقهم، فكان تركهم الصبر عنها دليلًا على تمردهم على اللَّه وعتوهم عليه.
ولهذا كان الصبر عن معاصي اللسان والفرج من أصعب أنواع الصبر لشدة الداعي إليهما وسهولتهما، فإن معاصي اللسان فاكهة الإنسان؛ كالنميمة، والغيبة، والكذب، والمراء، والثناء على النفس تعريضًا وتصريحًا، وحكاية كلام الناس، والطعن على من يبغضه، ومدح (^٢) من يحبه ونحو ذلك، فتتفق قوة الداعي وتيسر حركة اللسان، فيضعف الصبر، ولهذا قال ﷺ لمعاذ: "أمسك عليك لسانك". فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (^٣).
ولا سيما إذا صارت المعاصي اللسانية معتادة للعبد، فإنه يعز عليه
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) في الأصل: "وتعريض"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٦١٦)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٩٧٣) نحوه.
[ ١٢٦ ]
الصبر عنها، ولهذا تجد الرجل [يقوم الليل ويصوم النهار و] (^١) يتورع من استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة (^٢)، ويطلق لسانه في الغيبة، والنميمة، والتفكُّه بأعراض الخلق (^٣)، والقول على اللَّه ما لا يعلم!
وكثيرًا ممن تجده يتورع عن الدانق (^٤) من الحرام، والقطرة من الخمر، ومثل رأس الإبرة من النجاسة، ولا يبالي بارتكاب الفرج الحرام، كما يحكى أن رجلًا خلا بأجنبية فلما أراد مواقعتها قال: يا هذه غطي وجهك، فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام!!
وقد سأل عبدَ اللَّه بن عمر رجلٌ من أهل الكوفة عن دم البعوض، [فقال: "انظروا إلى هؤلاء يسألوني عن دم البعوض] (^٥) وقد قتلوا ابن بنت رسول اللَّه ﷺ" (^٦).
واتفق لي قريب من هذه: جاءني في حال الإحرام، قوم من الأعراب المعروفين بقتل النفوس والإغارة على الأموال يسألون عن قتل المُحرِم القمل، فقلت: يا عجبًا لا يتورعون عن قتل النفس التي حرم
_________________
(١) ما بين الحاصرتين من النسخ الأخرى.
(٢) في (م) و(ن) بعد هذه الكلمة العبارة التالية: "أو يرى نظرة بغير اختياره ذنبًا".
(٣) في النسخ الأخرى بعد هذه الكلمة العبارة التالية: "وربما خصّ أهل الصلاح والعلم باللَّه والدين". وانفردت نسخة (م) بزيادة هذه الجملة أيضًا: "ويتفكه في أعراضهم".
(٤) الدانق هو: سدس الدينار والدرهم، ويطلق على الشيء التافه والحقير. انظر: "لسان العرب" (١٠/ ١٠٥). وفي النسخ الأخرى: "الدقائق"، وهو تحريف.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، وأثبته من النسخ الأخرى.
(٦) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٩٩٤).
[ ١٢٧ ]
اللَّه، ويسألون عن قتل القملة في الإحرام.
والمقصود: أن اختلاف شدة الصبر في أنواع المعاصي وآحادها، باختلاف داعية تلك المعصية في قوتها وضعفها.
ويُذكر عن علي ﵁: "الصبر ثلاثة: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردّها بحسن عزائها كتب اللَّه له ثلاثمائة درجة. ومن صبر على الطاعة كُتبت له ستمائة درجة، ومن صبر عن المعصية كُتبت له تسعمائة درجة" (^١).
وقال ميمون بن مهران: "الصبر صبران، فالصبر على المصيبة حسن، وأفضل منه الصبر عن المعصية" (^٢).
وقال الفضيل في قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، قال: "صبروا على ما أمروا، وصبروا عما نهو عنه" (^٣).
وكأنه جعل الصبر على المصيبة داخلًا في قسم المأمور به، واللَّه أعلم.
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الصبر" رقم (٢٤)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٨٤). مرفوعًا. وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع".
(٢) رواه ابن أبي الدنيا عنه في "الصبر" رقم (١٨). وذكره ابن الجوزي في "ذم الهوى" ص ٦٠.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الصبر" رقم (٢٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٠٣٩).
[ ١٢٨ ]