قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن مالك بن مِغْوَل عن أبي السفر قال: مرض أبو بكر ﵁ فعادوه فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: "قد رآني الطبيب". قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: "إني فعال لما أريد" (^١).
وقال أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب: "وجدنا خير عيشنا بالصبر" (^٢).
وقال أيضًا: "أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريمًا" (^٣).
وقال علي بن أبي طالب ﵁: "ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس بار الجسد". ثم رفع صوته
_________________
(١) أخرجه أحمد في "الزهد" رقم (٥٨٧)، ومن طريقه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٣٤).
(٢) أخرجه أحمد في "الزهد" رقم (٦١٢). وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٦٣٠)، (٩٩٧)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٥٠)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٤٧). وعلقه البخاري في "صحيحه" قبل الحديث رقم (٦٤٧٠). وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (١١/ ٣٠٩).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٦). وروي المتن مرفوعًا من حديث عائشة، رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٢٩٠)، وابن الجوزي في "العلل المتناهية" رقم (١٤٥٤)، وضعفاه.
[ ١٧٦ ]
فقال: "ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له" (^١).
وقال: "الصبر مطية لا تكبو" (^٢).
وقال الحسن: "الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه اللَّه إلا لعبد كريم عنده" (^٣).
وقال عمر بن عبد العزيز: "ما أنعم اللَّه على عبد نعمةً فانتزعها منه فعاضه (^٤) مكانها الصبر، إلا كان ما (^٥) عوّضه خيرًا مما انتزعه منه" (^٦).
وقال ميمون بن مهران: "ما نال أحد شيئًا من جسيم الخير نبيٌّ فما دونه إلا بالصبر" (^٧).
وقال سليمان بن القاسم: "كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ [الزمر: ١٠]، قال: كالماء
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٨)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٠٤٣٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٤٠)، (٩٧١٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٧٥ - ٧٦)، ووكيع في "الزهد" رقم (١٩٩).
(٢) لم أقف عليه مسندًا عن علي، وقد نسبه لعلي جماعة منهم: القشيري في "رسالته" ص ٢٥٦، والثعالبي في "التمثيل والمحاضرة" ص ٣٠، والزمخشري في "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار" (٣/ ٩٤).
(٣) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١٦).
(٤) في الأصل: "فعاضها". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٥) في الأصل: "ما كان"، والتصويب من (ن) و(ب) ومن مصادر التخريج.
(٦) انظر: "الرسالة القشيرية" ص (٢٥٨).
(٧) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٢٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٠٣٨).
[ ١٧٧ ]
المنهمر" (^١).
وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل وقت فينظر فيها، وفيها: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] (^٢).
وقال عمر بن الخطاب أيضًا: "لو كان الصبر والشكر بعيرين (^٣) لم أبال أيهما ركبت" (^٤).
وكان محمد بن شبرمة إذا نزل به بلاء قال: "سحابة ثم تنقشع" (^٥).
وقال ابن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]: "لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوسًا" (^٦).
وقيل للأحنف بن قيس: ما الحلم؟ قال: "أن تصبر على ما تكره قليلًا" (^٧).
وقال وهب: "مكتوب في التوراة (^٨): قصر السفه النصب، وقصر
_________________
(١) تقدم في ص ١٣٠.
(٢) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٢٠).
(٣) في الأصل: "بعيران". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى ومن مصدر التخريج.
(٤) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (٧).
(٥) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٨.
(٦) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٩، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٤٦). والآية الواردة جاءت في الأصل وسائر النسخ هكذا ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، وقد بحثت في كتب القراءات فلم أجدها قراءة. واللَّه أعلم.
(٧) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الحلم" رقم (٧٣).
(٨) في النسخ الثلاث الأخرى: "الحكمة". وهو كذلك في مصدر التخريج.
[ ١٧٨ ]
الحلم الراحة، وقصر الصبر الظفر" (^١).
قصر الشيء وقصاراه: غايته وثمرته.
وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد، وكان من أحسن الناس وجهًا، فدخل يومًا على الوليد في ثياب وشي (^٢) وله غديرتان (^٣) وهو يضرب بيده، فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش. فعانه (^٤)، فخرج من عنده متوسنًا (^٥)، فوقع في إصطبل الدواب، فلم تزل الدوابُّ تطؤه بأرجلها حتى مات.
ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة، فبعث إليه الوليدُ الأطباءَ فقالوا له: إن لم تقطعها سَرَت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها، فنشروها بالمنشار، فلما صار المنشار إلى القصبة (^٦) وضع رأسه على الوسادة فغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر، فأخذها بيده وجعل يقلبها في يده (^٧) ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بها إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي اللَّه.
ثم أمر بها فغُسلت وطيِّبت وكُفِّنت في قُبطية (^٨)، ثم بَعث بها إلى مقابر
_________________
(١) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الحلم" رقم (٧٢).
(٢) الوشْيُ نقش الثوب. "القاموس المحيط" (٤/ ٤٠٠).
(٣) أي ذؤابتان. انظر: "القاموس المحيط" (٢/ ١٠٠).
(٤) أي أصابه بالعين.
(٥) الوَسَن: النعاس. انظر: "القاموس المحيط" (٤/ ٢٧٥).
(٦) القصبة أي: العظم انظر: "القاموس المحيط" (١/ ١١٧).
(٧) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٨) القُبطية: ثياب كتان بيضٍ رقاقٍ تُعمل بمصر وهي منسوبة إلى القبط على غير قياس. "لسان العرب" (٧/ ٣٧٣). وفي النسخ الثلاث الأخرى: "قطيفة"، والقطيفة ثوب له خَمْلٌ. =
[ ١٧٩ ]
المسلمين.
فلما قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه، فجعل يقول: قد لقينا من سفرنا هذا نصبًا، ولم يزد عليه. ثم قال: لا أدخل المدينة، إنما أنا بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة، فمضى إلى قصره بالعقيق فأقام هناك. فلما دخل قصره قال له عيسي بن طلحة: لا أبا لشانيك (^١)، أرنا (^٢) هذه المصيبة التي نعزيك عنها (^٣)، فكشف له عن ركبته، فقال له عيسي: أما واللَّه ما كنا نعدّك للصراع، قد أبقى اللَّه أكثرك: عقلك ولسانك وسمعك وبصرك ويديك وإحدى رجليك. فقال له: يا عيسي، ما عزّاني أحد بمثل ما عزيتني.
ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئًا كي لا تشعر بالوجع. فقال: إنما ابتلاني ليري صبري أفأعارض أمره؟!
وسُئل ابنه هشام: كيف كان أبوك يصنع برجله التي قطعت إذا توضأ؟ قال: كان يمسح عليها (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا سلام قال: سمعت قتادة يقول: "قال لقمان وسأله رجل: أي شيء خير؟ قال: صبر لا يتبعه
_________________
(١) = انظر "لسان العرب" (٩/ ٢٨٦).
(٢) أي لمبغضك. انظر "لسان العرب" (١/ ١٠١، ١٠٢).
(٣) في النسخ الثلاث الأخرى: "أرني".
(٤) هكذا في الأصل و(م)، وفي (ن) و(ب): "عليها".
(٥) هذه قصة مشهورة عنه، انظر في ذلك: "المرض والكفارات" لابن أبي الدنيا رقم (١٣٥ - ١٤٥)، و"تاريخ أبي زرعة الدمشقي": ١/ ٥٥٢، و"المعرفة والتاريخ": ١/ ٣٥٥، و"حلية الأولياء" (٢/ ١٧٨) وغيرها.
[ ١٨٠ ]
أذي. قال: فأي الناس خير؟ قال: الذي يرضي بما أوتي. قال: فأي الناس أعلم؟ قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه. قيل: فمن خير الكنز: من المال أو من العلم؟ قال: سبحان اللَّه! بل المؤمن العالم الذي إن ابتغي عنده خير وجد، وإن لم يكن عنده كف نفسه، وبحسب المؤمن أن يكف نفسه (^١).
وقال حبان (^٢) بن أبي جَبَلة: "من بث فلم يصبر" (^٣).
ورواه ابن أبي الدنيا مرفوعًا إلى النبي ﷺ (^٤). وإن صح؛ فمعناه:
_________________
(١) "الزهد" (١/ ١٥٩) طبعة محمد جلال شرف. ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (٢٠٤٧٠)، وابن أبي الدنيا في "الصبر" رقم (١٩٤).
(٢) في الأصل والنسخ الخطية: "حسان". والتصويب من مصادر التخريج. ومما سيأتي ص (٥٢٨). وحبان بن أبي جبلة هو المصري مولي قريش، ثقة توفي سنة اثنتين أو خمس وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٢١٧).
(٣) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٤/ ٢٤٩) عن بعضهم.
(٤) لم أقف عليه في المطبوع من كتب ابن أبي الدنيا. وقد رواه ابن جرير في "تفسيره" (١٢/ ١٦٦)، والحسن بن الصباح في "مسنده" -كما سيأتي عند المصنف ص ٥٠٥ - وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٣٤)، (٥/ ٢٩٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم: (١٠٠٤٧)، (١٠٠٥٠)، عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه تمام في "فوائده" رقم (٤٧٨) مع الروض البسام، من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا. وضعف الألباني حديث ابن مسعود في "السلسلة الضعيفة" برقم (٦٩٢)، فقال: "ضعيف جدًّا". وله شاهد من مرسل مسلم بن يسار، أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" (٢/ ٣٢٧)، وابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ٤٨).
[ ١٨١ ]
من بث إلى المخلوق، لا من بث إلى اللَّه.
وقال حبان (^١) بن أبي جبلة في قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣]، قال: "لا شكوي فيه" (^٢).
ورفعه ابن أبي الدنيا أيضًا.
وقال مجاهد: " ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ في غير جزع" (^٣).
وقال عمرو بن قيس: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، قال: "الرضى بالمصيبة والتسليم" (^٤).
وقال بعض السلف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ "لا شكوي فيه" (^٥).
وقال همام عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤] قال: "كَظَم على الحزن فلم يقل إلا خيرًا" (^٦).
_________________
(١) في الأصل والنسخ الخطية: "حسان". والتصويب من مصادر التخريج. ومما سيأتي ص (٥٠٣).
(٢) ذكره الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٢٤٩)، دون أن ينسبه لأحد. وقد رواه ابن أبي الدنيا في "الصبر" رقم (١١٠)، وابن جرير في "تفسيره" (١٢/ ١٦٦) وهو مرسل.
(٣) أخرجه الصنعاني في "تفسيره" (٢/ ٣١٨)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٦٦).
(٤) أخرجه عنه ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٦).
(٥) انظر: "تفسير" عبد الرزاق (٢/ ٣٢٧)، و"تفسير" الطبري (١٣/ ٤٠)، و"معاني القرآن" للنحاس (٣/ ٤٠٤)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥١٤).
(٦) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" (٢/ ٣٢٧) وابن جرير في "تفسيره" =
[ ١٨٢ ]
وقال يحيى بن المختار عن الحسن: "الكظيم: الصبور" (^١).
وقال الضحاك: كظيم أي: كميد (^٢). أي: كَمَدُ الحزن.
وقال الحسن: "ما جرعتان أحب إلى اللَّه من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبُها بحسن عزاء وصبر، وجرعة غيظ ردها بحلم" (^٣).
وقال عبد اللَّه بن المبارك: أخبرنا عبد اللَّه بن لهيعة عن عطاء بن دينار أن سعيد بن جبير قال: "الصبر اعتراف العبد للَّه بما أصابه منه واحتسابه عند اللَّه ورجاءُ ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يُرى منه إلا الصبر" (^٤).
فقوله: "اعتراف العبد للَّه بما أصاب منه" كأنه تفسير قوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٦]، فيعترف أنه مُلك للَّه يتصرَّف فيه مالكه بما يريد.
وقوله: "واحتسابه عند اللَّه" كأنه تفسير لقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (^٥) [البقرة: ١٥٦]، أي: نُرَدّ إليه فيجزينا على صبرنا، ولا يضيع أجر المصيبة.
_________________
(١) = (١٣/ ٤٠).
(٢) أخرجه عنه: ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ٤٠)، وابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٧).
(٣) أخرجه عنه ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ٤٠).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٤٠٩) عن الحسن مرفوعًا.
(٥) "الزهد" لابن المبارك رقم (١١١) زوائد نعيم. ومن طريقه أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٣). ومن غير طريقه أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١٨٨) نحوه.
(٦) في الأصل: "وإنا للَّه وإليه راجعون". والمثبت موافق للنسخ الأخرى.
[ ١٨٣ ]
وقوله: "وقد يجزع الرجل وهو يتجلد"، أي: ليس الصبر بالتجلد، وإنما هو حبس القلب عن التسخط على المقدور، واللسان عن الشكوي، فمن تجلد وقلبه ساخط على القدر، فليس بصابر.
وقال يونس بن يزيد: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما منتهى الصبر؟ قال: "أن يكون يوم تُصيبه المصيبة مثله قبل أن تُصيبه" (^١).
وقال قيس بن الحجاج (^٢) في قول اللَّه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥)﴾ [المعارج: ٥] قال: "أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يُعرف من هو" (^٣).
وكان شمّر إذا عزي مصابًا قال: "اصبر لما حكم ربّك" (^٤).
وقال أبو عقيل: رأيت سالم بن عبد اللَّه بن عمر بيده سوط وعليه إزار في موت واقد بن عبد اللَّه بن عمر، لا يسمع صارخة ينالها بالسوط إلا ضربها (^٥).
قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال: قالت امرأة من قريش:
أما والذي لا خُلد إلا لوجهه … ومن ليسَ في العز المنيعِ له كفو
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٤).
(٢) هو قيس بن الحجاج الكلاعي المصري صدوق توفي سنة تسع وعشرين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٨٠٣).
(٣) أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الصبر" رقم (١١٥).
(٤) ذكره المنبجي في "تسلية أهل المصائب" ص (١٦٣).
(٥) لم أقف عليه مسندًا.
[ ١٨٤ ]
لئن كان بدءُ (^١) الصبرِ مُرًّا (^٢) مذاقه … لقد يُجتنى (^٣) من غِبه الثمر الحلو (^٤)
قال: وأنشدني عمرو بن بُكير:
صبرتُ وكان الصبر خير مغبةٍ … وهل جزَعٌ مُجْدٍ عليّ فأجزَع
ملكتُ دموعَ العين حتى رددتُها … إلى ناظري فالعين في القلب تدمع (^٥)
قال وأنشدني أحمد بن موسى الثقفي:
نُبِّئْتُ خولةَ أمسِ قد جزعتْ … من أن تنوبَ نوائب الدهر
لا تجزعي يا خَوْلُ واصطبري … إن الكرام بُنُوا على الصبر (^٦)
قال وحدثني عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل التيمي: "أن رجلًا عزَّى رجلًا على ابنه فقال: إنما يستوجب على اللَّه وعده من (^٧) صبر للَّه بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعة بالأجر، فإنها
_________________
(١) في (م) و(ن): "بذر".
(٢) في (ن): "مرٌّ".
(٣) في (ب): "يجنى".
(٤) كتاب "الصبر" رقم ١٦٩.
(٥) لم أقف عليهما في كتب ابن أبي الدنيا. البيتان من قصيدة للخريمي في رثاء مولاه أبي الهيذام أوردها ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٦/ ٣٣٧). وانظر ذيل الأمالي (١٢٠) ومعاهد التنصيص (٢٤٦).
(٦) لم أقف عليهما في كتب ابن أبي الدنيا. والبيتان منسوبان لمنظور بن زَبّان، وخولة هي ابنته زوج الحسين بن على. انظر: "الأمالي" للزجاجي ص ٨، وفي النسخ "واصبري" ولا يستقيم معه الوزن.
(٧) في النسخ الثلاث الأخرى: "من".
[ ١٨٥ ]
أعظم المصيبتين عليك، وأنكى الرزيّتين لك، والسلام" (^١).
وعزَّى ابن السمَّاك رجلًا فقال: "عليك بالصبر فبه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزَع" (^٢).
وقال عمر بن عبد العزيز: "أما الرضى فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن قد جعل اللَّه في الصبر معولًا حسنًا" (^٣).
ولما مات عبد الملك ابنه (^٤) صلّى عليه ثم قال: "رحمك اللَّه، لقد كنت لي وزيرًا، وكنت لي معينًا". قال: والناس يبكون وما يقطر من عينيه قطرة (^٥).
وأصيب مطرِّف بن عبد اللَّه بابن له، فأتاه قوم يعزونه فخرج إليهم أحسن ما كان بشْرًا، ثم قال: "إني لأستحي من اللَّه أن أتضعضع لمصيبته (^٦) " (^٧).
وقال عمرو بن دينار: قال عبيد بن عمير (^٨): "ليس الجزع أن تدمع
_________________
(١) لم أقف عليه فيما بين يدي من كتب ابن أبي الدنيا. وقد ذكره في "العقد": ٣/ ٣٠٤، والمنبجي في "تسلية أهل المصائب" ص ١٦٣ - ١٦٤.
(٢) انظر: "العقد": ٣/ ٣٠٤، و"تسلية أهل المصائب" ص ١٦٤.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) أي عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "لمصيبة".
(٧) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٨/ ٣١٨) من طريق ابن أبي الدنيا.
(٨) هو: عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد الليثي، أبو عاصم المكي، مجمع على ثقته. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٦٥١)
[ ١٨٦ ]
العين ويحزن القلب، ولكن الجزع القول السيئ والظن السيئ" (^١).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسن (^٢) بن عبد العزيز الجرَوي قال: مات ابن لي نفيس فقلت لأمه: "اتقي اللَّه واحتسبيه". فقالت: "مصيبتي أعظم من أن أفسدها بالجزع" (^٣).
وقال ابن أبي الدنيا: وأخبرني عمرو بن بكير عن شيخ من قريش قال: مات الحسن بن الحصين أبو عبيد اللَّه بن الحسن، وعبيد اللَّه يومئذ قاضٍ على البصرة وأمير، فكثُر من يعزِّيه، فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره، فأجمعوا أنه إذا ترك شيئًا مما كان يصنعه فقد جزع (^٤).
وقال خالد بن أبي عثمان القرشي: كان سعيد بن جبير يعزيني على ابني، فرآني أطوف بالبيت متقنعًا فكشف القناع عن رأسي وقال: "الاستكانة من الجزع" (^٥).
فصل
وأما قول كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: لا بأس أن يجعل المصاب على رأسه ثوبًا يعرف به. قالوا: لأن التعزية سنة، وفي ذلك تيسير لمعرفته حتى يعزَّى (^٦)، ففيه نظر، وأنكره
_________________
(١) انظر: "تسلية أهل المصائب" ص ١٦٤، ٢١٣.
(٢) في الأصل وسائر النسخ: الحسين. والتصويب من "تقريب التهذيب" ص ٢٣٩.
(٣) لم أقف عليه في كتب ابن أبي الدنيا.
(٤) لم أقف عليه في كتب ابن أبي الدنيا. [والخبر في "التعازي" ص ٧١ للمبرد]. (ص).
(٥) انظر: "تسلية أهل المصائب" ص ١٦٤، وفيه: "الاستتار من الجزع".
(٦) انظر: "الهداية": (١/ ٦٣)، و"الفروع" (٢/ ٢٩١ - ٢٩٢)، و"المبدع" (٢/ ٢٨٨)، و"الإنصاف" (٢/ ٥٦٧).
[ ١٨٧ ]
شيخنا (^١).
ولا ريب أن السلف لم يكونوا يفعلون شيئًا من ذلك، ولا نُقل هذا عن أحد من الصحابة والتابعين، والآثار المتقدمة كلها صريحة في رد هذا القول.
وقد كره إسحاق بن راهويه أن يترك لبس ما عادته لبسه وقال: هو من التّسلّب (^٢).
وبالجملة فعادتهم أنهم لم يكونوا يغيرون شيئًا من زيّهم قبل المصيبة، ولا يتركون ما كانوا يعملونه، فهذا كله منافٍ للصبر، واللَّه أعلم.
_________________
(١) لم أقف عليه في كتب شيخ الإسلام المتوفرة، ولعله مما سمعه ابن القيم من شيخ الإسلام، مما لم يكن مدونًا.
(٢) في (ب): "الجزع". والتّسلب: لبسُ السّلاب، وهي ثياب المأتم السود. انظر: "لسان العرب" (١/ ٤٧٣).
[ ١٨٨ ]