الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام (^١):
صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها.
وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها.
وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.
وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في: "فتوح الغيب": "لا بد للعبد من أمر يفعله، ونهيٍ يجتنبه، وقدَرٍ يصبر عليه" (^٢).
وهذا الكلام يتعلق بطرفين: طرف من جهة الرب تعالى، وطرف من جهة العبد.
فأما الذي من جهة الرب، فهو: أن اللَّه تعالى له على عبده حكمان: حكم شرعي ديني، وحكم كوني قدري؛ فالشرعي متعلق بأمره، والكوني متعلق بخلقه، وهو سبحانه له الخلق والأمر.
وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب، فإنّ المطلوب إنْ
_________________
(١) انظر هذا التقسيم للصبر في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٠، ٦١، ٦٢).
(٢) "فتوح الغيب" ص ٦. ونصُّ كلامه: "لا بد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يتعلق به، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به". وذكر ذلك عنه شيخ الإِسلام كما في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٤٥٥)، ثم علّق عليه بقوله: "هذا كلام شريف جامع، يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد. . . ".
[ ٤٨ ]
كان محبوبًا له فالمطلوب فعله إما وجوبًا وإما استحبابًا، ولا يتم ذلك إلا بالصبر، وإن كان مبغوضًا له فالمطلوب تركه إما تحريمًا وإما كراهة، وذلك أيضًا موقوف على الصبر. فهذا حكمه الديني الشرعي.
وأما حكمه الكوني القدري فهو ما يقضيه ويقدِّره على (^١) العبد من المصائب التي لا صنع له فيها، ففرضه الصبر عليها.
وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء (^٢)، وهما وجهان في مذهب أحمد، أصحهما أنه مستحب (^٣).
فرجعَ الدين كلُّه إلى هذه القواعد الثلاثة: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.
وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفك عن هذه الثلاثة ما دام مكلّفًا، ولا تسقط عنه هذه الثلاثة حتى يسقط عنه التكليف، فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر، لا تستوي إلا عليه، كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها.
فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر، والشيخ دائمًا يحوم حول هذه الأمور الثلاثة، كقوله: "يا بني افعل
_________________
(١) في الأصل: "من"، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٢) انظر في ذلك: "قواعد الأحكام" للعز بن عبد السلام (٢/ ٣٦١)، و"أحكام القرآن" للجصاص (١/ ١١٦ - ١١٧)، و"الفواكه الدواني" ص: ٥٨ - ٦٠، و"إعانة الطالبين" (١/ ١٥٩)، و"كشاف القناع" (٢/ ١٦٢). وقد ذكر شيخ الإِسلام القولين، ثم قال: "أصحهما أنه مستحب ليس بواجب". انظر "مجموع الفتاوى" (٨/ ١٩١).
(٣) فصّل المصنف المسألة في "شفاء العليل": (٢/ ٧٦١).
[ ٤٩ ]
المأمور، واجتنب المحظور، واصبر على المقدور".
وهذه الثلاثة هي التي وصّى بها لقمان لابنه في قولهه: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧] فأمرُه بالمعروف يتناول فعلَه في نفسه وأمرَ غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر، أما من حيث إطلاق اللفظ فتدخل نفسه وغيره فيه. وأما من حيث اللزوم الشرعي فإن الآمر الناهيَ لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي.
وذكر هذه الأصول سبحانه في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٢] فجمع لهم مقامات الإِسلام والإيمان في هذه الأوصاف:
فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، وذلك يعم أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه، وبينهم وبين خلقه.
ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنه لا يقع منهم نقضه.
ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر اللَّه به أن يوصل، ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنُه وحق اللَّه وحَقُّ خلقه، فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده لا شريك له، والقيام بطاعته والإنابة إليه والتوكل عليه وحبه وخوفه ورجائه، والتوبة إليه (^١) والاستكانة له، والخضوع
_________________
(١) "إليه" ساقطة من الأصل.
[ ٥٠ ]
والذل له والاعتراف له بنعمته وشكره عليها، والإقرار بالخطيئة والاستغفار منها. فهذه هي الوصلة بين العبد والرب، وقد أمر اللَّه بهذه الأسباب التي بينه وبين عبده أن توصل.
وأمر أن يوصل ما بيننا وبين رسوله بالإيمان به، وتصديقه وتحكيمه في كل شيء، والرضا بحكمه والتسليم له، وتقديم محبته على محبة النفس والولد والوالد والناس أجمعين؛ فدخل في ذلك القيام بحقه وحق رسوله.
وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الوالدين والأقربين بالبر والصلة، فإنه أَمَرَ ببر الوالدين وصلة الأرحام، وذلك مما أمر به أن يوصل.
وأمر أن نصِلَ ما بيننا وبين الزوجات بالقيام بحقوقهن ومعاشرتهن بالمعروف.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الأرقّاء بأن نطعمهم مما نأكل، ونكسوهم مما نلبس، ولا نكلفهم فوق طاقتهم.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الجار القريب والبعيد بمراعاة حقه وحفظه في نفسه وماله وأهله بما نحفظ به نفوسنا وأهلينا وأموالنا.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الرفيق في السفر والحضر.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين عموم الناس بأن نأتي إليهم ما نحب أن يأتوه إلينا.
وأن نصِلَ ما بيننا وبين الحفظة الكرام الكاتبين بأن نكرمَهم ونستحي منهم كما يستحيي الرجل من جليسه ومن هو معه ممن يجله ويكرمه.
[ ٥١ ]
فهذا كله مما أمر به أن يوصل.
ثم وصفهم بالحامل لهم على هذه الصلة، وهو خشيته وخوف سوء الحساب يوم المآب فقال: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١]. ولا يمكن أحدًا قط أن يصل ما أمر اللَّه بوصله إلا بخشيته، ومتى ترحلت الخشية من القلب انقطعت هذه الوُصَل.
ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد، هو آخية ذلك وقاعدته ومداره الذي يدور عليه وهو الصبر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٢٢] فلم يكتفِ منهم بمجرد الصبر حتى يكون خالصًا لوجهه.
ثم ذكر لهم ما يعينُهم على الصبر وهو الصلاة، فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [الرعد: ٢٢]. وهما العونان على مصالح الدنيا والآخرة وهما الصبر والصلاة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق عليهم سرًّا وعلانية، فأحسنوا إلى أنفسهم بالصبر والصلاة، وإلى غيرهم بالإنفاق عليهم.
ثم ذكر حالهم إذا جُهل عليهم وأوذوا أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرأون بالحسنة، فيحسنون إلى من يسيء إليهم، فقال: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ (^١) [الرعد: ٢٢].
وقد فُسِّر هذا الدرء بأنهم يدفعون الذنب بالحسنة بعده، كما قال
_________________
(١) الآية ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
[ ٥٢ ]
تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وقال النبي ﷺ: "أتبعِ السَّيئةَ الحسنةَ تمحُها" (^١).
والتحقيق: أن الآية تعم النوعين.
والمقصود: أن هذه الآيات تناولت مقامات الإِسلام والإيمان كلّها، واشملت على فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور، وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاث (^٢) في قوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (^٣)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
فكل موضع قُرنَ فيها التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة، فإن حقيقة التقوى فعل المأمور وترك المحظور.
_________________
(١) أخرجه: الترمذي في "جامعه" رقم (١٩٨٧) من حديث أبي ذر وحسّنه. ثم أخرجه الترمذي (١٩٨٧/ م ٢) من حديث معاذ بن جبل ﵁، ثم قال: "قال محمود -أي ابن غيلان-: والصحيح حديث أبي ذر".
(٢) ما عدا الأصل: "الثلاثة"، وهو الأشهر في اللغة.
(٣) "تفلحون" ساقطة من الأصل.
[ ٥٣ ]