في "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: "اتق اللَّه واصبري"، فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهب، قيل لها: إنه رسول اللَّه. فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول اللَّه لم أعرفك. فقال: "إنما الصبر عند أول صدمة". وفي لفظ: "عند الصدمة الأولى" (^٢).
[وقولُه: "الصبر عند الصدمة الأولى"] (^٣)، مثل قوله: "ليس الشديد بالصرعة، الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (^٤)، فإن مفاجأة المصيبة بغتة. لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها، فإن صبر للصدمة الأولى انكسر حدها، وضعفت قوّتها، فهان عليه استدامة الصبر.
وأيضًا فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطَّن لها فتزعجه، وهي الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك فقد توطن لها وعلم أنه لا بد له منها، فيصير صبره شبيه الاضطرار. وهذه المرأةُ لما علمت
_________________
(١) انظر في بعض ذلك "إحياء علوم الدين" للغزالي (٤/ ٥٣).
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٧١٥٤) لففظ الأول، و(١٢٨٣) للثاني و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٦) للفظين.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٦١١٤)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٠٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٧ ]
أن جزعها لا يجدي عليها شيئًا جاءت تعتذر إلى النبي ﷺ، كأنها تقول له: قد صبرت. فأخبرها أن الصبر عند الصدمة الأولى.
ويدل على هذا المعنى ما رواه سعيد بن زربي (^١) عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: مرّ النبيُّ ﷺ بالبقيع على امرأة جاثمة على قبر تبكي، فقال: "يا أمة اللَّه اتقي اللَّه (^٢) واصبري". قالت: يا عبد اللَّه إني لجَزْعى ثكلى. فقال: "يا أمة اللَّه اتقي اللَّه واصبري". قالت يا عبد اللَّه لو كنت مصابًا عذَرْتَنِي. قال: "أمة اللَّه اصبري". قالت: يا عبد اللَّه قد أَسْمَعتَ فانصرف عني، فمضى رسول اللَّه ﷺ، واتّبعه رجل من أصحابه، فوقف على المرأة فقال لها: ما قال لك الرجل الذاهب؟ قالت: قال لي كذا وكذا وأجبته بكذا وكذا. قال: هل تعرفينه؟ قالت: لا. قال: ذاك رسول اللَّه ﷺ. قال: فوثبت مسرعة نحوه حتى انتهت إليه وهي تقول: أنا أصبر أنا أصبر يا رسول اللَّه. فقال: "الصبر عند الصدمة الأولى، الصبر عند الصدمة الأولى". قال ابن أبي الدنيا: حدثنا بشر بن الوليد الكندي وصالح بن مالك قالا: حدثنا سعيد بن زَرْبي فذكره (^٣).
فهذا السياق يُبيّن معنى الحديث.
قال أبو عبيد: إن كل ذي مَرْزئة (^٤) فإن قصاراه
_________________
(١) هو سعيد بن زربي الخزاعي البصري، منكر الحديث. انظر: "تقريب التهذيب" ص: ٣٧٧.
(٢) ليست في الأصل، إنما أثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) لم أقف عليه عند ابن أبي الدنيا. وقد أخرجه أبو يعلى في "مسنده" رقم (٦٠٦٧). وروى البزار طرفًا منه كما في "مجمع الزوائد" للهيثمي (٣/ ٢). ثم ضعفه الهيثمي.
(٤) في النسخ الثلاث الأخرى: "رزية".
[ ١٣٨ ]
الصبر (^١)، ولكنه إنما يُحمد على صبره عند حدة المصيبة وحرارتها (^٢).
قلت: وفي الحديث أنواع من العلم:
أحدها: وجوب الصبر على المصائب، وأنه من التقوى التي أُمر العبد بها.
الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن سُكر (^٣) المصيبة وشدّتها لا يُسْقطه عن (^٤) الآمر الناهي.
الثالث: تكرار الأمر مرة بعد مرة حتى يعذر الآمر إلى ربه.
الرابع: احتُج به على جواز زيارة القبور للنساء، فإنه ﷺ لم يُنكر عليها الزيارةَ وإنما أمرها بالصبر، ولو كانت الزيارة حرامًا لبيّن لها حكمها، وهذا في آخر الأمر؛ فإن أبا هريرة إنما أسلم بعد السنة السابعة.
وأُجيب عن هذا بأنه ﷺ قد أمرها بتقوى اللَّه والصبر، وهذا إنكار منه لحالها من الزيارة والبكاء، ويدل عليه أنها لما علمت أن الآمر لها بذلك من تجب طاعته انصرفت مسرعة.
وأيضًا فأبو هريرة لم يُخبر أنه شهد هذه القصة، فلا يدل الحديث على أنها بعد إسلامه، ولو شهدها فلعنَتُه ﷺ زائرات القبور والمتخذين
_________________
(١) هكذا في الأصل و(ب): "قصاراه الصبر". وفي (م) و(ن): "مصيره إلى الصبر".
(٢) "الأمثال" لأبي عبيد ص (٢٩). وذكره أيضًا الجوهري في الصحاح (٥/ ١٩٦٥).
(٣) كذا في الأصل، وفي النسخ الأخرى: "شكوى" ولها وجه في القراءة.
(٤) الأصل: "يسقط عنه"، وبقية النسخ: "لا يسقط عنه" والمثبت من بعض المطبوعات ولعله الصواب.
[ ١٣٩ ]
عليها المساجد والسرج (^١) كان بعد هذا في مرض موته.
وفي عدم تعريفه لها بنفسه ﷺ شفقة منه ورحمة بها، إذ لو عرّفها بنفسه في تلك الحال التي لا تملك فيها نفسها فربما لم تسمع منه فتهلك، فكان معصيتُها له وهي لا تعلم أنه رسول اللَّه أخف من معصيتها له لو علمت به، فهذا من كمال رأفته ورحمته صلوات اللَّه وسلامه عليه.
وفي "صحيح مسلم" عن أم سلمة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره اللَّه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف اللَّه له خيرًا منها". قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؛ أول بيت هاجر إلى رسول اللَّه ﷺ، ثم إني قلتها، فأخلف اللَّه لي رسول اللَّه ﷺ، فأرسل إلي رسول اللَّه ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: "أما ابنتها فأدعو اللَّه أن يغنيها عنها، وأدعو اللَّه أن يذهب بالغيرة" فتزوجت رسول اللَّه ﷺ (^٢).
وعند أبي داود في هذا الحديث عنها، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا أصابت أحدكم مصيبة فليقل: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فأْجُرْني بها، وأبدِلْني خيرًا منها"، فلما احتضر أبو سلمة قال: اللهم أخلفني في أهلي خيرًا مني. فلما قُبض قالت أم
_________________
(١) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٣٢٣٦)، والترمذي في "جامعه" رقم (٣٢٠)، وقال: "حديث حسن"، والنسائي في "المجتبى" رقم (٢٠٤٣) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) "صحيح مسلم" رقم (٩١٨).
[ ١٤٠ ]
سلمة: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، عند اللَّه احتسبت مصيبتي فأجرني فيها (^١).
فانظر عاقبة الصبر والاسترجاع ومتابعة الرسول والرضاء عن اللَّه إلى ما آلت وأنالت أمَّ سلمة نكاحَ أكرم الخلق على اللَّه.
وفي "جامع الترمذي"، و"مسند الإمام أحمد"، و"صحيح ابن حبان" (^٢)، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا مات ولدُ العبد قال اللَّه لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤادِه؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنّة وسموه بيت الحمد" (^٣).
وفي "صحيح البخاري" من حديث أنس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيْه ثم صبر عوّضتُه منهما الجنة" (^٤)، يريد: عينيْه.
وعند الترمذي في هذا الحديث: "إذا أخذت كريمَتي عبدي في الدنيا لم يكن له جزاء عندي إلا الجنّة" (^٥).
وفي "الترمذي" أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول
_________________
(١) "سنن أبي داود" رقم (٣١١٩)، إلا أنه بدون قوله: "فلما احتضر أبو سلمة. . . " الخ. وقد أخرجه تامًّا: الترمذي في "جامعه" رقم (٣٥١١)، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه"، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٥٩٨).
(٢) في الأصل: "عباس"، وهو تحريف.
(٣) "جامع الترمذي" رقم (١٠٢١)، و"مسند أحمد" (٤/ ٤١٥)، و"صحيح ابن حبان" رقم (٢٩٤٨)، وقال الترمذي عقبه: "حديث حسن غريب".
(٤) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٥٣).
(٥) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٠٠)، وقال: "غريب من هذا الوجه".
[ ١٤١ ]
اللَّه ﷺ: "يقول اللَّه ﷿: من أذهبت حبيبتَيْه فصبر واحتسب، لم أرضَ له ثوابًا دون الجنة" (^١).
وفي "سنن النسائي" من حديث عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن اللَّه لا يرضى لعبده إذا ذهب بصفِيِّه من أهل الأرض فاحتسب، بثواب دون الجنة" (^٢).
وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة رضي اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "يقول اللَّه ﷿: ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضتُ صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة" (^٣).
وفي "صحيحه" أيضًا عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأةُ السوداءُ أتت النبي ﷺ فقالت: إنّي أصرعُ وأتكشّف، فادع اللَّه لي. قال: "إن شئتِ صبرت ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ اللَّه أن يعافيَك (^٤) " قالت: أَصْبر. فقالت: إني أتكشفُ فادعُ اللَّه أن لا أتكشّف (^٥).
وفي "الموطأ" من حديث عطاء بن يسار: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا مرض العبد بعث اللَّه إليه ملكين، فقال: انظرا ماذا يقول لعواده، فإن هو إذا جاؤوه حمدَ اللَّه وأثنى عليه، رفعا ذلك إلى اللَّه وهو أعلم، فيقول: لعبدي عليَّ إن توفيتُه أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيتُه أن أبدله لحمًا خيرًا
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (٢٤٠١)، وقال: "حسن صحيح".
(٢) سنن النسائي "المجتبى" رقم (١٨٧١). وهو بمعنى حديث البخاري الآتي.
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٦٤٢٤).
(٤) في الأصل: "يعافيك اللَّه". والمثبت من: (م)، (ن)، وصحيح البخاري.
(٥) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٥٢)، وهو في "صحيح مسلم" أيضًا رقم (٢٥٧٦).
[ ١٤٢ ]
من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، وأن أُكفّر عنه سيئاته" (^١).
وفي صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا جمع اللَّه الخلائق نادى مناد: أين أهلُ الفضل (^٢)؟ قال: فيقوم ناس -وهم يسير- فينطلقون سراعًا إلى الجنة، فتلقاهم الملائكة، فتقول: إنا نراكم سراعًا إلى الجنة فمن أنتم؟ فيقولون (^٣): نحن أهل الفضل. فيقولون: ماذا كان فضلُكم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا عفونا، وإذا جُهل علينا حلمنا، فيُقال لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين" (^٤).
وفي "الصحيح" (^٥) أن رسول اللَّه ﷺ قسم مالًا، فقال بعض الناس: هذه قسمة ما أريد بها وجه اللَّه، فأُخبر بذلك رسول اللَّه ﷺ فقال: "رحم اللَّه أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (^٦).
_________________
(١) "الموطأ" (٢/ ٩٤٠ - ٩٤١)، وهو مرسل. وله طرق موصوله ذكرها الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٧٢)، وصحح الحديث لأجلها.
(٢) في الأصل وسائر النسخ الخطية: "الصبر"، وهو سهو كما سيأتي في سياق الحديث. وهو كذلك -على الصواب- في مصادر التخريج، واللَّه أعلم.
(٣) في الأصل: "قال". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "الحلم" رقم (٥٦)، وفي كتاب "مداراة الناس" رقم (١١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٨٥٨٦) وضعفه. ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٣٩)، وابن قدامة في "المتحابين في اللَّه" رقم (١٥٥) عن علي بن الحسين مقطوعًا عليه.
(٥) كذا في الأصل و(م) و(ن). وفي (ب): "الصحيحين".
(٦) "صحيح البخاري" رقم (٣٤٠٥)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠٦٢). من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
[ ١٤٣ ]
وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفّر اللَّه بها عنه (^١) حتى الشوكة يُشاكها" (^٢).
وفيهما أيضًا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما يصيب المسلمَ من نصبٍ ولا وصب ولا حزنٍ ولا أذى ولا غمٍّ حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر اللَّه بها من خطاياه" (^٣).
وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه اللَّه بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة" (^٤).
وفي "المسند" من حديث أبي هريرة (^٥) ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يزال البلاء بالمؤمن أو المؤمنة في جسده وفي ماله وفي ولده حتى يلقى اللَّهَ وما عليه خطيئة" (^٦).
وفي "الصحيح" من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت: يا رسول اللَّه أيُّ الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء ثم الصالحون ثم
_________________
(١) في الأصل: "عنها". وفي (م)، (ن): "بها عن صاحبها". والمثبت من (ب)، وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٤٠)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٥٧٢) (٤٩).
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٤١)، (٥٦٤٢)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٥٧٣).
(٤) "صحيح مسلم" رقم (٢٥٧٢) (٤٧).
(٥) كلمة "هريرة" سقطت من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٦) "المسند" (٢/ ٢٨٧)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٤٦) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي في التلخيص.
[ ١٤٤ ]
الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفِّف عنه، وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" (^١).
وفي "الصحيحين" عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يُوعك وعكًا شديدًا. فقلت: يا رسول اللَّه إنك لتوعك وعكًا شديدًا. قال: "أجل، لأُوعَكُ كما يُوعك رجلان منكم". قلت: إن لك لأجرين؟ قال: "نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حَطّ اللَّه عنه خطاياه كما تَحُطّ الشجرةُ اليابسةُ ورقَها" (^٢).
وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث عائشة ﵂ قالت: "ما رأيت الوجع على أحد أشدَّ منه على رسول اللَّه ﷺ" (^٣).
وفي بعض "المسانيد" مرفوعًا: "إن الرجل لتكون له الدرجة عند اللَّه تعالى، لا يبلغها بعمل حتى يُبتلى ببلاء في جسمه فيبلُغَها بذلك" (^٤).
_________________
(١) لم أقف عليه في صحيح البخاري ولا مسلم. وقد أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٩٨)، وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه في سننه رقم (٤٠٢٣).
(٢) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٦٥)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٥٧١).
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٥٦٤٦)، و"صحيح مسلم" رقم (٢٥٧٠).
(٤) أخرجه هناد في "الزهد" رقم (٤٠٠) من حديث عبد اللَّه بن مسعود. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" رقم (٦٠٩٥) بلفظ: "إن الرجل ليكون له عند اللَّه المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال اللَّه يبتليه بما يكره، حتى يبلغه إياها" من حديث أبي هريرة ﵁. وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" رقم (٢٩٠٨)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٤٤).
[ ١٤٥ ]
ويروي عن عائشة عنه ﷺ: "إذا اشتكى المؤمنُ أخلَصَه ذلك من الذنوب، كما يُخلِص الكيرُ الخَبَث من الحديد" (^١).
وفي "صحيح البخاري" من حديث خبّاب بن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد ببُردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين، ويُمشط بأمشاطِ الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُّه ذلك عن دينه، واللَّه لَيُتِمَّنَّ اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّه والذئب على غَنمِه، وأنتم (^٢) تستعجِلون" (^٣).
وفي لفظ للبخاري: أتيت رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة -وقد لقينا من المشركين شدة- فقلت: ألا تدعو اللَّه؟ فقعد (^٤)
وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُه ذلك عن دينه" (^٥).
وقد حمل بعض أهل العلم قول خباب: "شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (٤٩٧)، وصححه ابن حبان حيث أخرجه في "صحيحه" رقم (٢٩٣٦).
(٢) في سائر النسخ: "ولكنكم".
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٦٩٤٣).
(٤) في الأصل: "فقد"، وهو خطأ.
(٥) "صحيح البخاري" رقم (٣٨٥٢).
[ ١٤٦ ]
حرّ الرَّمْضاء فلم يُشْكِنا" (^١) على هذا المحمل، وقال: شكوا (^٢) إليه حرّ الرمضاء الذي كان يصيب جباهَهم وأكفَّهم من تعذيب الكفار فلم يُشكِهم، وإنما دَلّهم على الصبر.
وهذا الوجه أنسب من تفسير من فسّر ذلك بالسجود على الرمضاء، واحتج به على وجوب مباشرة المصلي بالجَبْهة، لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا دليل في اللفظ على ذلك.
الثاني: أنهم قد أَخبروا أنهم كانوا مع النبي ﷺ، فكان أحدهم إذا لم يستطع أن يسجد على الأرض بسط ثوبه فيسجد عليه (^٣)، والظاهر أن هذا يبلغه ويعلم به وقد أقرّهم عليه.
الثالث: أن شدة الحرّ في الحجاز تمنع مباشرة الجبهة والكفّ للأرض، بل تكاد تشوي الوجهَ والكفَّ فلا يتمكن (^٤) من الطمأنينة في السجود، ويذهب خشوع الصلاة، ويتضرر البدن، ويتعرض للمرض، والشريعة لا تأتي بهذا.
فتأمل رواية خبّاب لهذا وللذي قبله واجمع بين اللفظين والمعنيين، ولا تستوحش من قوله: "فلم يُشكِنا"، فإنه هو معنى إعراضه عن
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٦١٩).
(٢) في الأصل: "شكونا"، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٣) وذلك فيما رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٥٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٦٢٠) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه ﷺ في شدة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يُمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه".
(٤) في الأصل: "تمكن": والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ١٤٧ ]
شكايتهم وإخباره لهم بصبر من قبلهم، واللَّه أعلم.
وفي "الصحيحين" من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: أرسلت بنت النبي ﷺ إليه: أن ابنًا لي (^١) احتضر فأتنا. فأرسل يُقرئ السلام ويقول: "إن للَّه ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ (^٢) عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب". فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرُفع الصبي إلى رسول اللَّه ﷺ فأقعده في حجره ونَفْسُه تَقَعْقَعُ (^٣) كأنها شنٌّ (^٤)، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول اللَّه ما هذا؟ قال: "هذه رحمة جعلها اللَّه في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء" (^٥).
وفي "سنن النسائي" عن ابن عباس ﵄ قال: احتضرت بنت لرسول اللَّه ﷺ صغيرة، فأخذها رسول اللَّه ﷺ وضمَّها إلى صدره ثم وضع يده عليها (^٦) وهي بين يدي رسول اللَّه ﷺ، فبكت أم أيمن، فقلت لها: أتبكين ورسول اللَّه ﷺ عندك؟ فقالت: ما لي لا أبكي ورسول اللَّه ﷺ يبكي، فقال رسول اللَّه ﷺ: "إني لست أبكي ولكنها رحمة"، ثم قال رسول اللَّه ﷺ: "المؤمن بخير على كل حال،
_________________
(١) ليست في الأصل وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) في سائر النسخ: "وكل شيء".
(٣) أي: تضطرب وتتحرك. "النهاية" (٤/ ٨٨).
(٤) الشنّ أي القربة. انظر: "النهاية" (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧).
(٥) "صحيح البخاري" رقم (١٢٨٤)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٣).
(٦) في "سنن النسائي" بعد هذه الكلمة: "فقضت".
[ ١٤٨ ]
تُنزع ن فسه من بين جنبيه وهو يحمد اللَّه ﷿" (^١).
وفي صحيح البخاري من حديث أنس قال: اشتكى ابنٌ لأبي طلحة فمات، وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات، هيّأت شيئًا وسجّته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح. فظن أبو طلحة أنها صادقة. قال: فبات معها، فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرُج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي ﷺ ثم أخبره بما كان منهما، فقال رسول اللَّه ﷺ: "لعله أن يُبارك لهما في ليلتهما". قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت [لهما] تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن (^٢).
وفي "موطأ مالك" عن القاسم بن محمد قال: هلكت امرأة لي فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها، فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرأة وكان بها معجَبًا، فماتت فوجد عليها وجْدًا شديدًا حتى خلا في بيت وأغلق على نفسه واحتجب من الناس، فلم يكن يدخل عليه أحد، ثم إن امرأة من بني إسرائيل سمعت به فجاءته فقالت له: إن لي حاجة أستفتيه فيها، ليس يُجزئني إلا أن أشافهه بها، فذهب الناس ولزمت الباب فأُخبر، فأذن لها، فقالت: أستفتيك في أمر. قال: وما هو؟ قالت: إني استعرت من جارة
_________________
(١) سنن النسائي "المجتبي" رقم (١٨٤٣). من طريق أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس به. وقال النسائي في "السنن الكبرى" حديث رقم (١٩٧٠): "عطاء بن السائب كان قد اختلط، وأثبت الناس فيه سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج".
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٣٠١). والاستدراك منه.
[ ١٤٩ ]
لي حُليًّا فكنت ألبسه وأعيره زمانًا، ثم إنهم أرسلوا إليّ فيه أفأرده إليهم؟ قال: نعم واللَّهِ. قالت: إنه قد مكث عندي زمانًا؟! فقال: ذلك أحق لردك إياه. فقالت له: يرحمك اللَّه أفتأسف على ما أعارك اللَّه ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟! فأبصر ما كان فيه، ونفعه اللَّه بقولها (^١).
وفي "جامع الترمذي" عن شيخ من بني مرة قال: قدمت الكوفة فأخبرت عن بلال بن أبي بردة فقلت: إن فيه لمعتبرًا، فأتيته وهو محبوس في داره التي كان بنى، وإذا كل شيء منه قد تغير من العذاب والضرب، وإذا هو في قُشاش (^٢)، فقلت له: الحمد للَّه يا بلال، لقد رأيتك تمر بنا وأنت تمسك أنفك من غير غبار، وأنت في حالتك هذه فكيف صبرك اليوم؟ فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من بني مرة بن عباد. قال: ألا أحدثك حديثًا عسى اللَّه أن ينفعك به؟ قلت: هات. قال: حدثني أبو بردة عن أبي موسي أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تصيب عبدًا نَكْبَةٌ (^٣) فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو اللَّه عنه أكثر" قال: وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] (^٤).
وفي "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: كأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه
_________________
(١) "الموطأ" (١/ ٢٣٧).
(٢) القشاش: ما كان ساقطًا مما لا قيمة له. انظر: "تحفة الأحوذي" (٩/ ٩٢).
(٣) أي: محنة وأذي. انظر: "تحفة الأحوذي" (٩/ ٩٢)
(٤) "جامع الترمذي" رقم (٣٢٥٢)، وقال: "حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
[ ١٥٠ ]
وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: "اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" (^١).
فتضمنت هذه الدعوة العفو عنهم، والدعاء لهم، والاعتذارَ لهم، والاستعطاف بقوله: "لقومي".
وفي "الموطأ" من حديث عبد الرحمن بن القاسم قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لِيُعَزِّ المسلمين في مصائبهم المصيبة بي" (^٢).
وفي "الترمذي" من حديث يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ: قال: قال رسول اللَّه ﷺ "المسلم (^٣) الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" قال الترمذي (^٤): كان شعبة يرى أن الشيخ ابن عمر (^٥).
وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر" (^٦).
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (٣٤٧٧)، و"صحيح مسلم" رقم (١٧٩٢).
(٢) "الموطأ" (١/ ٢٣٦)، وهو مرسل، وله عدة طرق موصولة، لذا صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (١١٠٦).
(٣) هذه الكلمة ساقطة من (ب). وفي (م) و(ن): "المؤمن". والمثبت موافق لجامع الترمذي.
(٤) الذي في جامع الترمذي أن هذا القول الآتي لابن أبي عدي، شيخ شيخ الترمذي، الراوي عن شعبة هذا الحديث.
(٥) "جامع الترمذي" رقم (٢٥٠٧). وأخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤٠٣٢) من مسند عبد اللَّه بن عمر. وصحح الحديث الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (٩٣٩).
(٦) "صحيح البخاري" رقم (١٤٦٩)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠٥٣).
[ ١٥١ ]
وفي بعض "المسانيد" عنه ﷺ أنه قال: "قال اللَّه ﷿: إذا وجَّهت إلى عبدٍ من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبرٍ جميلٍ استحييت منه يومَ القيامة أن أنصبَ له ميزانًا أو أنشرَ له ديوانًا" (^١).
وفي "جامع الترمذي" عنه ﷺ: "إذا أحبّ اللَّه قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخِط فله السخط" (^٢).
وفي بعض "المسانيد" عنه مرفوعًا: "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا صبّ عليه البلاء صبًّا" (^٣).
وفي "صحيح مسلم" من حديث جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ دخل عل امرأة فقال: "ما لك تُزفزفين" (^٤)؟ قالت: الحمى، لا بارك اللَّه فيها. قال: "لا تَسُبي الحمّى فإنها تُذهِبُ خطايا بني آدم كما يُذهب الكيرُ خَبَثَ الحديد" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الشهاب في "مسنده" رقم (١٤٦٢)، وابن عدي في "الكامل" (٧/ ١٥٠). وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ٦٢).
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٩٦)، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وأخرجه ابن ماجه أيضًا في "سننه" رقم (٤٠٣١).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه "المرض والكفارات" رقم (٢٢٠)، وعزاه الهندي في "كنز العمال" رقم (٦٨١١) للطبراني، وذكره الديلمي في "الفردوس" رقم (٩٧٢). كلهم بلفظ: "إذا أحب اللَّه عبدًا صبّ عليه البلاء صبًّا". من حديث أنس بن مالك ﵁. وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ٢٧٨).
(٤) أي ترتعدين من البرد. انظر: "النهاية" (٢/ ٣٠٥).
(٥) "صحيح مسلم" رقم (٢٥٧٥)، وفيه التصريح بأن المرأة هي أم السائب.
[ ١٥٢ ]
ويذكر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "من وُعِك ليلةً فصبرَ ورضي عن اللَّه تعالي، خرج من ذنوبه (^١) كيوم ولدته أمُّه" (^٢).
وقال الحسن: "إنه ليُكفّر عن العبد خطاياه كلُّها بحمى ليلة" (^٣).
وفي "المسند" وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ [قال: دخلت على النبي ﷺ] (^٤) وهو محموم، فوضعتُ يدي من فوق القطيفة (^٥) فوجدت حرارة الحمّى، فقلت: ما أشد حمّاك يا رسول اللَّه. قال: "إنا كذلك معاشر الأنبياء يضاعفُ علينا الوَجَعُ ليضاعفَ لنا الأجرُ" قال: قلت: يا رسول اللَّه فأي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء" قلت: ثم من؟ قال: "الصالحون، إن كان الرجلُ ليُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباء فيجوبها (^٦) فيلبسها، وإن كان الرجل ليُبتلى بالقمّل حتى يقتله القمّل، وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم" (^٧).
_________________
(١) في الأصل: "يومه". وهو سهو، والتصويب من النسخ الأخرى.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٨٣)، وكتاب "الرضا عن اللَّه" رقم (٧٥)، وكتاب "الصبر" رقم (١٨٠)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٦٨). من حديث الحسن عن أبي هريرة. ورواية الحسن عن أبي هريرة منقطعة. انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص: ٣٨، و"جامع التحصيل" للعلائي ص: ١٦٤.
(٣) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٦٥). وسيأتي قريبًا عن الحسن مرفوعًا.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٥) القطيفة: كساء له خَمْل. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٨٤).
(٦) يقال: جُبْتُ القميصَ، أي: قوّرتُ جَيبه. انظر: "لسان العرب" (١/ ٢٨٦).
(٧) "المسند" (٣/ ٩٤). وأخرجه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤٠٢٤) نحوه. وصححه الحاكم في =
[ ١٥٣ ]
وقال عقبة بن عامر الجهني: قال رسول اللَّه ﷺ: "ليس من عمل إلا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن، قالت الملائكة: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته عن العمل، فيقول الرب تعالى: اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت" (^١).
وقال أبو هريرة: "إذا مرض العبد المسلم نُودي صاحب اليمين أن أجري (^٢) على عبدي صالح ما كان يعمل وهو صحيح، ويقال لصاحب الشمال: أقصر عن عبدي ما دام في وثاقي". فقال رجل عند أبي هريرة: يا ليتني لا أزال ضاجعًا. فقال أبو هريرة: كره العبد الخطايا.
ذكره ابن أبي الدنيا (^٣).
وذكر أيضًا عن هلال بن يساف (^٤) قال: كنا قعودًا عند عمار بن ياسر فذكروا الأوجاع، فقال أعرابي: ما اشتكيت قط، فقال عمار: "ما أنت منا، أو لست منا، إن المسلم يُبتلى ببلاء فتُحَط عنه ذنوبُه كما يحط الورق من الشجر، وإن الكافر أو الفاجر يُبتلي ببلية، فمثله مثل
_________________
(١) = المستدرك (٤/ ٣٠٧) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(٢) أخرجه أحمد في "المسند" (٤/ ١٤٦)، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (١٢). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢١٩٣).
(٣) في (ن): "أجر".
(٤) رواه في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٤)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٤٨).
(٥) هلال بن يساف هنا يروي عن ربيع بن عميلة، وربيع هو القائل: كنا قعودًا. . . الخ. كما في مصادر التخريج.
[ ١٥٤ ]
بعير، إن أُطلق لم يَدرِ لِمَ أطلق، وإن عُقل لم يَدرِ لِمَ عُقل" (^١).
وذُكر عن أبي معمر الأزدي قال: "كنا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئًا نكرهه سكتنا حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم: ألا إن السُّقم لا يُكتب له أجر. فساءنا ذلك وكبُر علينا. فقال: ولكن يُكفَّر به الخطيئة. فسرّنا ذلك وأعجبنا" (^٢).
وهذا من كمال علمه وفقهه ﵁، فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما (^٣) تولّد منها، كما ذكر سبحانه النوعين في آخر سورة التوبة في قوله في المباشِر من الإنفاق وقطع الوادي: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]، وفي المتولد من إصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فالثواب مرتبط بهذين النوعين، وأما الأسقام والمصائب فإن ثوابها تكفير الخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
والنبي ﷺ إنما قال في المصائب: "كفّر اللَّه بها من خطاياه"، كما تقدم ذكر ألفاظه ﷺ (^٤). وكذا قوله: "المرضُ
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٥)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩١٣).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٦)، ورواه أيضًا الطبراني في "المعجم الكبير" رقم (٨٥٠٦)، وحسنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٣٠١).
(٣) في النسخ الثلاث: "ومما".
(٤) انظر ص ١٤٤ (حاشية ٣) وص ١٤٥ (حاشية ٢).
[ ١٥٥ ]
حِطَّةٌ" (^١). فالطاعات تَرفع الدرجات، والمصائب تحُطُّ السيئات. ولهذا قال ﷺ: "من يُرد اللَّه به خيرًا يُصِب منه" (^٢). وقال: "من يُرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين" (^٣). فهذا يرفعه، وهذا يحطُّ خطاياه.
وقال يزيد بن ميسرة: "إن العبد ليمرض المرض وما له عند اللَّه من عمل خير، فيذكِّره اللَّه سبحانه بعض ما سلف من خطاياه، فيخرج من عينَيْه مثل رأس الذباب من الدموع (^٤) من خشية اللَّه، فيَبعثُه اللَّه إن بعثه مطهرًا، أو يَقْبِضُه إن قبضه مطهرًا" (^٥).
ولا يَرِدُ على هذا حديث أبي موسى الأشعري في ثواب من قبض اللَّه ولده وثمرة فؤاده بأن يبني له بيتًا في الجنة، ويسميه بيت الحمد (^٦)، لأنه إنما نال ذلك البيتَ بحمده للَّه واسترجاعه وذلك عمل اختياري، ولذلك سُمي بيت الحمد.
وقال زياد بن زياد مولى ابن عياش عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: دخلنا على النبي ﷺ وهو موعوك، -أي: محموم- فقلنا: أح
_________________
(١) رواه أحمد في "مسنده" (١/ ١٩٥، ١٩٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٢٦٥) عن أبي عبيدة مرفوعًا: "من ابتلاه اللَّه ببلاء في جسده، فهو له حطة".
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٦٤٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٣١١٦)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٣٧)، من حديث معاوية ﵁.
(٤) "من الدموع" ليست في (م). وفي (ن) و(ب): "من الدمع".
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٤٠).
(٦) سبق تخريجه.
[ ١٥٦ ]
أح بآبائنا وأمهاتنا يا رسول اللَّه ما أشد وعكك. فقال: "إنا معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء تضعيفًا"، قال: قلنا: سبحان اللَّه. قال: "أفعجبتم إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: سبحان اللَّه. قال: "أفعجبتم، إن كان النبي من الأنبياء ليقتله القمل". قلنا: سبحان اللَّه!. قال: "أفعجبتم، إن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء" (^١).
أح: بالحاء المهملة، هو المعروف من كلامهم، ومن قاله بالخاء المعجمة فقد غلط.
وذكر النسائي عن أبي (^٢) عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة قالت: أتيت النبي ﷺ في نساء نعوده، فإذا سقاء معلقة يقطر ماؤها عليه من شدة ما كان يجد من الحمى، فقلنا: لو دعوتَ اللَّه يا رسول اللَّه أن يُذهبها عنك. فقال: "إن أشدَّ الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (^٣).
وقال مسروق: قالت عائشة: "ما رأيت أحدًا أشد وجعًا من رسول اللَّه ﷺ" (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٥). وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري سبق قريبًا.
(٢) كلمة: "أبي" ساقطة من سائر النسخ، واستدركتها من مصادر التخريج.
(٣) "السنن الكبرى" للنسائي رقم (٧٤٨٢) و(٧٤٩٦). وأخرجه أيضًا أحمد في "مسنده" (٦/ ٣٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٠٤). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (١٤٥).
(٤) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٦٤٦)، ومسلم في "صحيحه" رقم =
[ ١٥٧ ]
[وقالت:] (^١) "كان يشدد عليه إذا مرض حتى إنه لربما مكث خمس عشرة لا ينام، وكان يأخذه عرق الكلية -وهي الخاصرة- فقلنا: يا رسول اللَّه لو دعوت اللَّه فيكشف عنك. قال: "إنا معاشر الأنبياء شُدد علينا الوجع ليُكفر عنا" (^٢).
وفي "المسند" و"النسائي" من حديث أبي سعيد قال: قال رجل: يا رسول اللَّه أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ماذا لنا بها؟ قال: "كفارات"، فقال أبيّ بن كعب: يا رسول اللَّه وإن قلّت؟ قال: "شوكة فما فوقها"، قال: فدعا أبيّ على نفسه عند ذلك أن لا يفارقه الوعك حتى يموت، ولا يشغله عن حج، ولا عمرة، ولا جهاد في سبيل اللَّه، ولا صلاة مكتوبة في جماعة. قال: فما مسّ رجل جلده بعدها إلا وجد حرها حتى مات (^٣).
وقال عبد اللَّه بن عمرو (^٤): قال رسول اللَّه ﷺ: "إن العبد إذا كان
_________________
(١) = (٢٥٧٠). وكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٨).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في الأصل، ولا في سائر النسخ الخطية، وزيادتها لازمة للتفريق بين حديثي عائشة ﵂، وإنما وقع الخلط لأن ابن أبي الدنيا رواهما متتاليين واللَّه أعلم.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٩). وسبق نحوه قريبًا من حديث بعض أصحاب النبي ﷺ، وقبل ذلك من حديث أبي سعيد الخدري.
(٤) "المسند" (٣/ ٢٣)، و"السنن الكبرى" للنسائي رقم (٧٤٨٩). من حديث أبي سعيد الخدري. وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" حديث رقم (٢٩٢٨)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٨) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٥) في الأصل: "عمر"، وسائر النسخ الخطية كذلك. والتصويب من مصادر =
[ ١٥٨ ]
على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له مثلَ عمله إذا كان طُلُقًا (^١) أو أَكفِتَه إليّ".
يقال: ناقة طُلُق -بضم الطاء واللام- إذا حُلَّ عقالها. ويقال: كفَتَه إليه إذا ضمَّه إليه.
ذكره ابن أبي الدنيا (^٢).
وذكر أيضًا عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن اللَّه ليُجرِّب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به، كما يجرب أحدُكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز (^٣)، فذلك الذي نجاه من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك، فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، فذلك الذي قد افتتن" (^٤).
_________________
(١) = التخريج.
(٢) في مصادر التخريج بعد هذه الكلمة: "حتى أطلقه" إلا في كتاب "المرض والكفارات" لابن أبي الدنيا رقم (٢٦) الذي نقل منه ابن القيم.
(٣) "المرض والكفارات" رقم (٢٦). ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" رقم (٢٠٣٠٨)، وأحمد في "المسند" (٢/ ٢٠٣) وغيرهم. وصححه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٣٠٣).
(٤) الذهب الإبريز أي: الخالص الصافي. انظر: "لسان العرب" (٥/ ٣١١).
(٥) "المرض والكفارات" لابن أبي الدنيا رقم (٢٧). ورواه أيضًا الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣١٤)، والطبراني في "الكبير" رقم (٧٦٩٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٢٤). وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني جدًّا في "ضعيف الترغيب والترهيب" برقم (١٩٨٩).
[ ١٥٩ ]
وذَكَر أيضًا من مراسيل الحسن البصري عن النبي ﷺ: "إن اللَّه ليكفر عن العبد (^١) خطاياه كلها بحمَّى ليلة". قال ابن أبي الدنيا: قال ابن المبارك: هذا من الحديث الجيد (^٢).
قال (^٣): "وكانوا يرجون في حمى ليلة كفارة ما مضى من الذنوب" (^٤).
وذُكر عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ دخل على رجل وهو يشتكي فقال: "قل: اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك، وصبرًا على بليتك، وخروجًا من الدنيا إلى رحمتك" (^٥).
وقالت عائشة ﵂: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن الحمى تحط الخطايا كما تحتُّ (^٦) الشجرة ورقها" (^٧).
_________________
(١) في النسخ الثلاث الأخرى: "المؤمن".
(٢) "المرض والكفارات" لابن أبي الدنيا رقم (٢٨). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٦٦). وهو ظاهر الإرسال.
(٣) أي: الحسن البصري ﵀.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٢٩)، وأحمد في "الزهد" رقم (١٦٠٠)، وأخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٠٨٩) / ط كمال الحوت.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٣٠)، من طريق يوسف بن عطية الصفار، وهو متروك. انظر: "تقريب التهذيب" ص: ١٠٩٤. إلا أن الشهاب أخرجه في "مسنده" رقم (١٤٧٠) من طريق أخرى. وفيه أن الرجل هو عليّ ﵁. وله شاهد من حديث عائشة ﵂، أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٢٢)، وابن حبان في "صحيحه" رقم (٩٢٢).
(٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "تحط". والحتّ هو: سقوط الورق عن الغصن. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٢٢).
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٣٢). وله شواهد، منها ما =
[ ١٦٠ ]
وقال أبو هريرة وقد عاد مريضًا، فقال له: إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه ﷿ يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا، لتكون حظه من النار في الآخرة" (^١).
وقال مجاهد: "الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١] " (^٢).
وهذا لم يرد به مجاهد تفسير الورود الذي في القرآن، فإن السياق يأبى حمله على الحمى قطعًا، وإنما مراده أن اللَّه سبحانه أخبر (^٣) عباده كلهم بورود النار، فالحمى للمؤمن تكفر خطاياه فيسهل عليه الورود يوم القيامة فينجو منها سريعًا، واللَّه أعلم.
ويدل عليه حديث أبي ريحانة (^٤) عن النبي ﷺ: "الحُمى كيرٌ من كير
_________________
(١) = سيأتي قريبًا من حديث أبي أيوب وأبي هريرة وأم سليم، ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٥٧٥)، من حديث جابر بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: "لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد".
(٢) أخرجه الترمذي في "جامعه" (٢٠٨٨) / ط كمال الحوت، وابن ماجه في "سننه" رقم (٣٤٧٠). وصححه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٤٥) ووافقه الذهبي. وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٥٥٧).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٤٥)، وابن جرير في "تفسيره" (١٦/ ١١١).
(٤) في النسخ الأخرى: "وعد".
(٥) هو شمعون بن زيد، أبو ريحانة الأزدي، المدني حليف الأنصار، ويقال مولى رسول اللَّه ﷺ، شهد فتح دمشق، وقدم مصر، وسكن بيت المقدس. "تقريب التهذيب" (ص ٤٤٠).
[ ١٦١ ]
جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار" (^١).
وقال أنس: قال رسول اللَّه ﷺ: "مثل المؤمن إذا برأ وصحَّ من مرضه، كمثل البردة تقع من السماء في صفائها ولونها". ذكره ابن أبي الدنيا (^٢).
وذكر أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: "ما من مسلم يصرع صرعة من مرض إلا بُعث منها طاهرًا" (^٣).
وذكر عنه ﷺ: "مثل المؤمن حين يصيبه الوعك، مثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها، ويبقى طيبها" (^٤).
وذكر أيضًا عنه مرفوعًا: "إن العبد إذا مرض أوحى اللَّه إلى ملائكته: يا ملائكتي أنا قيّدت عبدي بقيد من قيودي، فإن أقبضه أغفر
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢١)، والبيهقي في شعب الإيمان" رقم (٩٨٤٦). وحسنه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٤/ ٤٣٨).
(٢) في "المرض والكفارات" رقم (٢٢). ورواه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٠٨٦). وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ٢٤٦).
(٣) ذكره ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢٣) بإسناده. ورواه الطبراني في "الكبير" رقم (٧٤٨٥)، وفي "مسند الشاميين" رقم (١٥٩٥)، وتمام في "فوائده" رقم (٤٧٤) مع الروض البسام، وغيرهم. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٢٧٧).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢٤)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٤٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٣٨)، من حديث عبد الرحمن بن أزهر. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (١٧١٤).
[ ١٦٢ ]
له، وإن أعافِه فجسدٌ مغفورٌ لا ذنب له" (^١).
وذكر عن سهل [بن معاذ] (^٢) بن أنس الجهني عن أبيه عن جده قال: دخلت على أبي الدرداء في مرضه فقلت: يا أبا الدرداء إنا نحبُّ أن نصحّ فلا نمرض. فقال أبو الدرداء: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الصداع والمَليلة لا يزالان بالمؤمن وإن كان ذنبه مثل أحد، حتى لا يدعا عليه من ذنبه مثقال حبة من خردل" (^٣).
المليلة: فعيلة من التمليل، وأصلها من المَلّة التي يُختبز فيها (^٤).
وقالت أم سلمة عن النبي ﷺ: "ما ابتلى اللَّه عبدًا ببلاء وهو على طريقة يكرهها، إلا جعل اللَّه ذلك البلاء له كفارة وطهورًا، ما لم يُنزل ما أصابه من البلاء بغير اللَّه، أو يدعو غير اللَّه في كشفه" (^٥).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢٥)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣١٣)، والطبراني في "الكبير" رقم (٧٧٠١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٢٣). من حديث أبي أمامة ﵁. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (١٦١١).
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من كتاب "المرض والكفارات" لابن أبي الدنيا.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٤١، ٢١٩). ورواه أحمد في "مسنده" (٥/ ١٩٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٠١، ٩٩٠٢)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٦٣٤، ٣١١٩)، وفي "مسند الشاميين" رقم (٣٥١). وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٤/ ٢٤٦).
(٤) والمراد بالمليلة: حرارة الحمى ووهَجُها، وقيل: هي الحمّى التي تكون بالعظام. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٣٦٢).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٤٣، ٢٠٥). وقد ضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (١١٣٦)، وقال =
[ ١٦٣ ]
وقال عطية بن قيس: مرض كعب فعاده رهط من أهل دمشق فقال: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: "بخير، جسد أخذ بذنبه، إن شاء ربه عذبه وإن شاء رحمه، وإن بعثه بعثه خلقًا جديدًا لا ذنب له" (^١).
وقال سعيد بن وهب: دخلنا مع سلمان الفارسي على رجل من كِنْدة نعوده، فقال سلمان: "إن المسلم يبتلى فيكون كفارة لما مضى، ومُستعتبًا فيما بقي، وإن الكافر يُبتلى فمثله كمثل البعير أطلق فلم يدرِ لم أطلق، وعُقل فلم يدرِ لِمَ عقل" (^٢).
وذكر أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري قال: عاد رسول اللَّه ﷺ رجلًا من الأنصار، وأكب عليه فسأله، فقال: يا نبيَّ اللَّه ما غمضت منذ سبع، فقال رسول اللَّه ﷺ: "أي أخي اصبر أي أخي اصبر، تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها"، قال: وقال رسول اللَّه ﷺ: "ساعاتُ الأمراض يُذهبن
_________________
(١) = عنه: "موضوع". وأيضا صححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٥٠٠). وذكر الشيخ مشهور حسن أن آخر رأي للشيخ في الحديث أنه ضعيف، إلا كون البلاء كفارة وطهورًا فقامت الشواهد على صحته. انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة مرتبة على الأبواب الفقهية" اعتناء مشهور حسن سلمان ص ٦٠٥.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٤٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٢٣). ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/ ٣٦٦)، (٦/ ٢٦)، عن محمد بن زياد الألهاني به.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٤٥)، والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (٤٩٣)، وهناد في "الزهد" رقم (٤١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٠٦).
[ ١٦٤ ]
ساعات الخطايا" (^١).
وفي "النسائي" من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال لأعرابي: "هل أخذتك أمّ مِلدم؟ ". قال: يا رسول اللَّه ما أم مِلدم؟ قال: "حرٌّ يكون بين الجلد والدم" قال: ما وجدت هذا. قال: "يا أعرابي هل أخذك هذا الصداع (^٢)؟ " قال: يا رسول اللَّه وما هذا الصداع (^٣)؟ قال: "عرق يضرب على الإنسان في رأسه"، قال: ما وجدت هذا (^٤) فلما ولّي قال رسول اللَّه ﷺ: "من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا" (^٥).
وقالت أم سليم: مرضت فعادني رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا أم سليم أتعرفين النار والحديد وخبث الحديد؟ "، قلت: نعم يا رسول اللَّه. قال: "فأبشري يا أم سليم، فإنك إن تخلصي من وجعك هذا تخلصين منه كما يخلص الحديد من النار من خبثه" (^٦).
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٣٤)، وتمام في "فوائده" رقم (٤٧٦) مع الروض البسام، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٢٥). وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٣٦٨٠).
(٢) في الأصل: "الصرع". والتصويب من النسخ الأخرى ومن مصادر التخريج.
(٣) في الأصل: "الصرع" والتصويب من النسخ الأخرى ومن مصادر التخريج.
(٤) كلمة: "هذا"، مكررة في الأصل.
(٥) "السنن الكبرى" حديث رقم (٧٤٩١). وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (٤٩٥)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ٣٣٢، ٣٦٦). وصححه ابن حبان فأخرجه في "صحيحه" رقم (٢٩١٦).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٣٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٣/ ٤١٠ - ٤١١). من طريق أبي سنان القسملي عن جبلة بن أبي الأنصاري عن أم سليم به. =
[ ١٦٥ ]
وخرج بعض الصحابة زائرًا لرجل من إخوانه، فبلغه أنه شاك قبل أن يدخل عليه، فدخل عليه فقال: أتيتك زائرًا وأتيتك عائدًا ومبشرًا. قال: كيف جمعت هذا؟ قال: خرجت وأنا أريد زيارتك فبلغني شكاتُك فصارت عيادة، وأبشرك بشيء سمعته من رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سبقت للعبد من اللَّه منزلة لم يبلغها -أو قال لم ينلها- بعمله، ابتلاه في جسده أو في ولده أو في ماله، ثم صبّره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من اللَّه ﷿" (^١).
وقال الحسن وذكر الوجع: "أما واللَّه ما هو بِشَرّ أيام المسلم أيامٌ قُورب له فيها من أجله (^٢)، وذُكّر فيها ما نسي من معاده، وكُفّر بها خطاياه" (^٣).
_________________
(١) = وأبو سنان القسملي هو: عيسي بن سنان، ليّن الحديث، كما في "التقريب" ص: ٧٦٧، وجبلة بن أبي الأنصاري لم أجد له ترجمة. إلا أن للحديث شواهد بمعناه سبقت قريبًا.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٣٠٩٠). عن محمد بن خالد عن أبيه عن جده، وكانت له صحبة. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٩٢): "ومحمد بن خالد وأبوه لم أعرفهما". لذا فقد ضعف إسناده الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٦/ ١٩٠ - ١٩١). إلا أنه ذكر للحديث شواهد صحح بها الحديث. انظر: "سلسة الأحاديث الصحيحة" رقم (٢٥٩٩).
(٣) في الأصل وغيره: "نورت له فيها مراحله". وهو تصحيف.
(٤) رواه عنه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٥٥، ١٤٥)، والإمام أحمد في "الزهد" رقم (١٥٨٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٩١).
[ ١٦٦ ]
وقال بعض السلف: "لولا مصائب الدنيا وردنا القيامة (^١) مفاليس" (^٢).
وقال أنس بن مالك: انتهى رسول اللَّه ﷺ إلى شجرة فهزها حتى سقط من ورقها ما شاء اللَّه، ثم قال: "المصائب والأوجاع في إحباط ذنوب أمتي أسرع مني في هذه الشجرة" (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا أيضًا عن أبي هريرة يرفعه: "ما من مسلم إلا وَكَّل اللَّه به ملكين من ملائكته لا يفارقانه، حتى يقضي اللَّه في أمره بإحدى الحسنيين؛ إما بموت وإما بحياة، فإذا قال له العُواد: كيف تجدك؟ قال: أحمد اللَّه، أجدني -واللَّه المحمود- بخير، قال له الملكان: أبشر بدم هو خير من دمك، وصحة هي خير من صحتك. وإن قال: أجدني مجهودًا في بلاء شديد. قال له الملكان: أبشر بدم هو شرٌّ من دمك، وبلاء هو أطول من بلائك" (^٤).
_________________
(١) في (ب): "الآخرة".
(٢) انظر هذا الأثر في: "حلية الأولياء" (١٠/ ١٦٤)، و"شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٩٩٩٣).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٥٧، ٨٨)، وأبو يعلي في "مسنده" رقم (٤٢٩٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٦٤)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٨٧). وفي سنده جابر الجعفي، وهو ضعيف، كما في "تقريب التهذيب" ص: ١٩٢.
(٤) "المرض والكفارات" رقم (٤٧)، ومن طريقه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٤٠).
[ ١٦٧ ]
ولا يناقض هذا قول النبي ﷺ "وا رأساه" (^١)، وقول سعد: "يا رسول اللَّه قد اشتد بي الوجعُ وأنا ذو مال" (^٢)، وقول عائشة: "وا رأساه" (^٣) فإن هذا إنما قيل على وجه الإخبار لا على وجه شكوى الرب تعالى (^٤) إلى العُواد، فإذا حمد المريض اللَّه ثم أخبر بعلته لم تكن شكوى، وإن أخبر بها تبرُّمًا وتسخُّطًا كانت شكوى منه، فالكلمة الواحدة قد يثاب عليها وقد يعاقب، بالنية والقصد.
وقال ثابت البناني: انطلقنا مع الحسن (^٥) إلى صفوان بن محرز (^٦) نعوده، فخرج إلينا ابنه وقال: هو مبطون لا تستطيعون أن تدخلوا عليه. فقال الحسن: "إن أباك إن يؤخذ اليوم من لحمه ودمه فيُؤجر فيه، خير من أن يأكله التراب" (^٧).
وقال ثابت أيضًا: دخلنا على ربيعة بن الحارث (^٨) نعوده -وهو
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٦٦٦).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٩٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٢٨).
(٣) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٦٦٦).
(٤) كلمة: "تعالى"، مكررة في الأصل.
(٥) هو الحسن البصري ﵀.
(٦) هو صفوان بن مُحرز بن زياد المازني أو الباهلي، ثقة عابد، توفي ﵀ سنة أربع وسبعين ومائة. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٤٥٤).
(٧) أخرجه أحمد في "الزهد" رقم (١٤٣٨)، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٥٠)، وابن سعد في "الطبقات" (٧/ ١٤٧).
(٨) هو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ، له صحبة، توفي ﵁ في أول خلافة عمر ﵁. انظر: "تقريب التهذيب" ص (٣٢١).
[ ١٦٨ ]
ثقيل- فقال: "إنه من كان في مثل حالتي هذه، ملأت الآخرة قلبه، وكانت الدنيا أصغر في عينيه من ذباب" (^١).
ويذكر عن أنس عن النبي ﷺ قال: "إذا مرض العبد ثلاثة أيام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (^٢).
ويذكر عنه ﷺ: "لا تُرَدّ دعوة المريض حتى يبرأ" (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ جالسًا فتبسم، فقلنا: يا رسول اللَّه مم تبسمت؟ قال: "تعجبًا للمؤمن من جزعه من السقم، ولو كان يعلم ما له في السقم، أحب أن يكون سقيمًا حتى يلقى اللَّه" ثم تبسم ثانية ورفع رأسه إلى السماء، فقلنا: يا رسول اللَّه مم تبسمت ورفعت رأسك إلى السماء؟ قال: "عجبت من ملكين نزلا من السماء يلتمسان عبدًا مؤمنًا كان في مصلاه يصلي فلم يجداه، فعرجا إلى اللَّه ﷿ فقالا: يا رب، عبدك فلان المؤمن كنا نكتب له من العمل في يوم وليلة كذا وكذا، فوجدناه قد حبستَه في حبالك، فلم نكتب له شيئًا من عمله، فقال: اكتبوا لعبدي عمله الذي كان في يومه وليلته ولا تنقصوا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٥١). ورواه أيضًا في "المحتضرين" رقم (٢٨٩) عن صفوان بن محرز. ولعله الصواب، لأن ثابتًا لم يدرك ربيعة بن الحارث.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٦١)، والطبراني في "الصغير" رقم (٥١٩)، ونحوه رواه أحمد في مسنده (٣/ ١٧٤). وضعفه جدا الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٢٧١٢).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا "المرض والكفارات" رقم (٧٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٠٠٢٩)، من حديث عبد اللَّه بن عباس ﵁. وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٥٠٠٠): "موضوع".
[ ١٦٩ ]
منه شيئًا، فعليَّ أجر ما أحبسته (^١) وله أجر ما كان يعمل" (^٢).
ويذكر عنه ﷺ: "من وُعك ليلة فصبر ورضي بها عن اللَّه ﷿، خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" (^٣).
ومن مراسيل يحيى بن أبي كثير قال: فَقَدَ رسول اللَّه ﷺ سلمان فسأل عنه، فأخبر أنه عليل، فأتاه يعوده فقال: "شفي اللَّه سقمك، وعظّم أجرك، وغفر ذنبك، ورزقك العافية في دينك وجسمك إلى منتهى أجلك، إن لك من وجعك خلالًا ثلاثًا: أما واحدة فتذكرة من ربك يُذكرُك بها، وأما الثانية فتمحيص لما سلف من ذنوبك، وأما الثالثة فادع بما شئت، فإن المبتلى مجاب الدعوة" (^٤).
_________________
(١) في النسخ الثلاث الأخرى: "حبسته".
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٧٥). من حديث عتبة بن مسعود. وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" رقم (٣٤٥ - ٣٤٦)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٢٣١٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩٣٧ - ٩٩٣٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٤): "وفيه محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف جدًّا".
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٨٣)، وفي كتاب "الرضى عن اللَّه" رقم (٧٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٦٨). من طريق الحسن عن أبي هريرة. ورواية الحسن عن أبي هريرة منقطعة. انظر: "المراسيل" لابن أبي حاتم ص: ٣٨، و"جامع التحصيل" للعلائي ص: ١٦٤.
(٤) لم أقف عليه من مراسيل يحيى. وقد رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (٤١)، =
[ ١٧٠ ]
وقال زياد بن الربيع (^١): قلت لأبيّ بن كعب: آية في كتاب اللَّه قد أحزنتني. قال: ما هي؟ قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. قال: "ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى، إن المؤمن لا تصيبه عثرة قدم، ولا اختلاج عرقٍ إلا بذنب، وما يعفو اللَّه عنه أكثر" (^٢).
وسُئلت عائشة (^٣) عن هذه الآية، فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول اللَّه ﷺ، [فقال النبي ﷺ] (^٤) "يا عائشة هذه معاتبة اللَّه تعالى العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة (^٥) والشوكة وانقطاع شِسْعه، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج الذهب الأحمر من الكير" (^٦).
_________________
(١) = والطبراني في "الكبير" رقم (٦١٠٦) من مسند سلمان، دون قوله: "وإن لك من وجعك. . . " الخ. وضعفه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٩٩).
(٢) هو زياد بن الربيع الحمصي، من أتباع التابعين، لم يدرك أحدًا من الصحابة. ولكن الصواب أنه الربيع بن زياد. وهو الربيع بن زياد الحارثي يروي عن أبيّ بن كعب. وقال البخاري في "التاريخ الكبير": ربيع بن زياد سمع أبي بن كعب ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. انظر: "التاريخ الكبير" (٣/ ٢٦٨) و"تهذيب التهذيب" (٣/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٠٠)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٢٩٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨١٤). ثم رواه الطبري في تفسيره (٥/ ٢٩٢) على الصواب من مسند الربيع بن زياد.
(٤) سألتها أمية بنت عبد اللَّه، كما في مصادر التخريج.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٦) في (ب): "والبلية".
(٧) أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٩٩١)، وقال: "حسن غريب من حديث =
[ ١٧١ ]
ضِبْن الإنسان: تحت يده، يقال: اضطبن كذا، إذا حمله تحت يده.
وقال وهب بن منبه: "لا يكون الرجل فقيهًا كامل الفقه حتى يعدَّ البلاء نعمة، ويعد الرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء، وصاحب الرخاء ينتظر البلاء" (^١).
وفي بعض كتب اللَّه سبحانه: "إن اللَّه ليصيب العبد بالأمر يكرهه وإنه ليحبه لينظر كيف تضرعه إليه" (^٢).
وقال كعب (^٣): "أجد في التوراة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن، لعصبت الكافر بعصابة من حديد لا يصدع أبدًا" (^٤).
وقال معروف الكرخي (^٥): "إن اللَّه ليبتلي عبده المؤمن بالأسقام
_________________
(١) = عائشة". واللفظ الذي ذكره المؤلف هو لابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (١٠١).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٩٣). ونحوه رواه أحمد في "الزهد" رقم (٢١٨٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٥٦ - ٥٧).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٩٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٨٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٧٨٧)، عن كردوس الثعلبي أنه وجده في الإنجيل.
(٤) هو كعب الأحبار.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (١٠٣)، وهناد في "الزهد" رقم (٤٢٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٨١).
(٦) هو أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي، من كبار مشايخ الصوفية. انظر ترجمته في: "الرسالة القشيرية" ص ٦٧ - ٦٨، و"حلية الأولياء" (٨/ ٣٦٠ - =
[ ١٧٢ ]
والأوجاع فيشكو إلى أصحابه، فيقول اللَّه ﵎: وعزتي وجلالي ما ابتليتك بهذه الأوجاع والأسقام إلا لأغسلك (^١) من الذنوب فلا تشكين (^٢) " (^٣).
وذكر ابن أبي الدنيا أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه ما الأسقام؟ قال: "أوَما سقمت قط؟ " [قال: لا] (^٤) قال: "فقم عنا فلست منا" (^٥).
وكان بعض أصحاب (^٦) عبد اللَّه بن مسعود قد اشتدت به العلة، فدخل عليه بعض أصحابه يعودونه، وأهلُه تقول له: نفسي فداك، ما نطعمك ما نسقيك؟ فأجابها بصوت ضعيف: "بليت الحراقيف (^٧) وطالت الضجعة، واللَّه ما يسرني أن اللَّه نقصني منه قلامة ظفر" (^٨).
_________________
(١) = ٣٦٨).
(٢) في الأصل: "لأغسك"، وهو خطأ.
(٣) في (ب): "تشكيني". وهو الموافق لمصدر التخريج.
(٤) رواه عنه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (١٧٧).
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٩٦). من حديث عامر الرامي أخي الخضر. ونحوه أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٣٠٨٩). وضعف الحديث ابن حجر في "تقريب التهذيب" ص: ٤٧٩، حيث قال في ترجمة عامر: "عامر الرامي المحاربي، صحابي، له حديث يُروى بإسناد مجهول".
(٧) كلمة: "أصحاب" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى. وهذا الصاحب هو: سويد بن مثعبة كما في مصادر التخريج.
(٨) الحراقيف: عظم رأس الورك. "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣٧٢).
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "المرض والكفارات" رقم (١٩٧)، وفي كتاب "الرضى عن اللَّه" رقم (٧٨)، وابن المبارك في "الزهد" رقم (٤٦٣)، وابن سعد =
[ ١٧٣ ]
وطلق خالد بن الوليد ﵁ امرأة له ثم أحسن عليها الثناء، فقلت له: (^١) يا أبا سليمان لأي شيء طلقتها؟ قال: "ما طلقتها لأمر رابني منها ولا ساءني، ولكن لم يصبها عندي بلاء" (^٢).
ويذكر عنه ﷺ: "ما ضُرب على مؤمن عِرْقٌ، إلا كتب اللَّه له به حسنة وحطّ عنه به سيئة ورفع له به درجة" (^٣).
ولا ينافي هذا ما قدمناه من أن المصائب مكفّرات لا غير؛ لأن حصول الحسنة إنما هو بصبره الاختياري عليها وهو عمل منه.
وعاد رجل من المهاجرين مريضًا فقال: "إن للمريض أربعًا: يُرفع عنه القلم، ويُكتب له من الأجر مثل ما كان يعمل في صحته، ويَتبع المرضُ كلَّ خطيئة في مفصل من مفاصله فيستخرجها، فإن عاش عاش مغفورا له، وإن مات مات مغفورًا له"، فقال المريض: "اللهم لا أزال مضطجعا" (^٤).
_________________
(١) = في "الطبقات" (٦/ ١٦٠)، وأحمد في "الزهد" رقم (٢٠٨٥).
(٢) القائل هو: قيس بن أبي حازم كما في "المرض والكفارات" لابن أبي الدنيا.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢٠٣)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (١٩٢٥٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٩١٧).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢٠٧)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٢٤٦٠)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٤٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٩٨٦٠). من حديث عائشة ﵂. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد. . . "، ووافقه الذهبي. وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٤٤٥٦).
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" رقم (٢٠٩)، وهناد في "الزهد" رقم (٤٣٩).
[ ١٧٤ ]
وفي "المسند" عنه ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يقضي اللَّه للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" (^١).
وفي لفظ: "إن أمر المؤمن كله عجب، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر (^٢) فكان خيرًا له" (^٣).
_________________
(١) "المسند" (٤/ ٣٣٢) نحوه من حديث صهيب دون جملة القسم الأولى.
(٢) كلمة: "صبر" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) جاء في "المسند" (٥/ ٢٤) من حديث أنس: "عجبًا لأمر المؤمن لا يقضي اللَّه له شيئًا إلا كان خيرًا له". و(٤/ ٣٣٢) من حديث صهيب مرفوعًا: "عجبت من أمر المؤمن كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر. . . " الحديث. وأصل الحديث عند مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٩٩) عن صهيب مرفوعًا: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".
[ ١٧٥ ]