الصبر ينقسم إلى قسمين: قسم مذموم، وقسم ممدوح (^١).
فالمذموم: الصبر عن اللَّه وإرادته ومحبته وسير القلب إليه، فإن هذا الصبر يتضمن تعطيل كمال العبد بالكلية وتفويت ما خُلِق له.
وهذا كما أنه أقبح الصبر فهو أعظمُه وأبلغُه، فإنه لا صبر أبلغ من صبر من يصبر عن محبوبه الذي لا حياة له بدونه البتة، كما أنه لا زهد أبلغ من زهد الزاهد فيما أعد اللَّه لأوليائه من كرامته ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالزهد (^٢) في هذا أعظم أنواع الزهد وأبلغها.
كما قال رجل لبعض الزاهدين وقد تعجب من زهده: ما رأيت أزهد منك! فقال: أنت أزهد مني؛ أنا زهدت في الدنيا وهي لا بقاء لها ولا وفاء، وأنت زهدت في الآخرة، فمن أزهد منا؟! (^٣).
قال يحيى بن معاذ الرازي: "صبر المحبين أعجب من صبر الزاهدين، واعجبا كيف يصبرون؟ "
_________________
(١) استفاد الإِمام ابن القيم ﵀ هذا التقسيم من الغزالي ﵀ في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٥٧، ٦٩)، إلا أن الإِمام ابن القيم أبرز هذا التقسيم وجلاه، وأضاف إليه من فوائده الجليلة.
(٢) في الأصل: فالزاهد، تحريف.
(٣) انظر هذه الحكاية في: "التذكرة الحمدونية" (١/ ١٤٩). وهي محكية عن الرشيد والفضيل بن عياض. انظر: "الوافي بالوفيات" (٢٤/ ٦٠) في ترجمة الفضيل.
[ ٧٧ ]
وفي هذا قيل:
والصبرُ يَجْمُلُ في المواطن كلها … إلا عليك فإنه لا يَجْمُلُ (^١)
ووقف رجل على الشِّبلي (^٢) فقال: أي الصبر أشد على الصابرين؟. فقال: الصبر في اللَّه؟ فقال: لا. فقال: الصبر للَّه؟. قال: لا. قال: فالصبر مع اللَّه؟. قال: لا. قال: فأيشٍ هو؟ قال: الصبر عن اللَّه. فصرخ الشِّبلي صرخة كادت روحه تزهق (^٣).
وقيل: الصبر مع اللَّه وفاء، والصبر عن اللَّه جفاء (^٤).
وقد أجمع الناس على أن الصبر عن المحبوب غير محمود،
_________________
(١) انظر قول يحيى بن معاذ مع بيت الشعر في: "طبقات الأولياء" ص ٣٢٦، و"الرسالة القشيرية" ص ٢٥٦. وفيهما جعل البيت من إنشاد يحيى بن معاذ. وفيها "يُحْمَد". وذكر البيت الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩) دون نسبة. وهذا البيت مأخوذ من بيت لمحمد بن عبيد اللَّه العتبي، في رثاء ابن له مات: والصبرُ يُحمد في المواطن كلها … إلا عليك فإنه مذموم انظر: "التهاني والتعازي" للكرخي ص ١٤٩، و"التذكرة الحمدونية" (٤/ ٢٦٣)، و"الوافي بالوفيات" (٤/ ٦).
(٢) هو أبو بكر دلف بن جحدر -وقيل: ابن جعفر- الشبلي الخراساني الأصل، والبغدادي المولد والمنشأ، مالكي المذهب، صحب الجنيد وطبقته، وكان يبالغ في تعظيم الشرع المكرم، توفي ﵀ سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "طبقات الأولياء" ص ٢٠٤ - ٢٠٥، و"حلية الأولياء" (١٠/ ٣٦٦ - ٣٧٥).
(٣) انظر "اللمع" للطوسي ص ٥٤، و"الرسالة القشيرية" ص ٢٥٦، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩)، و"عوارف المعارف" للسهروردي (٥/ ٢٢١).
(٤) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩).
[ ٧٨ ]
فكيف (^١) إذا كان كمال العبد وصلاحه في محبته؟!
ولم تزل الأحباب تعيب المحبين بالصبر عنهم كما قيل:
والصبر عنك فمذموم عواقبه … والصبر في سائر الأشياء محمود (^٢)
وقال آخر في الصبر عن محبوبه:
إذا لعب الرجال بكل شيء … رأيت الحُب يلعبُ بالرجالِ
وكيف الصبرُ عمن حل مني … بمنزلة اليمين مع الشمال (^٣)
وشكا آخر إلى محبوبه ما يقاسي من حبه فقال: لو كنتَ صادقًا لما صبرت عني (^٤).
ولما شكوتُ الحبَّ قالت: كذبتني … تُرَى الصَّبُّ عن محبوبه كيف يَصْبِرُ (^٥)
_________________
(١) ليست في الأصل، وأثبتها من (ن) و(ب).
(٢) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩) دون نسبة لأحد.
(٣) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧ وانظر للبيت الأول بمفرده: "المدهش" لابن الجوزي ص ٢٢٣، ٢٢٦.
(٤) لم أقف على من ذكره.
(٥) لم أقف عليه هكذا. وإنما وقفت على صدره وعجزه مختلف. انظر: "المستطرف من كل فن مستظرف" ص ٤٢٤، و"الموشى" لأبي الطيب ص ٦٣.
[ ٧٩ ]
فصل
وأما الصبر المحمود فنوعان: صبر للَّه وصبر باللَّه، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧].
وتنازع الناس أيُّ الصبرين أكمل؟
فقالت طائفة: الصبر له أكمل، فإنّ ما كان للَّه أكمل مما كان باللَّه، فإن كان له فهو غاية وما كان به فهو وسيلة، والغايات أشرف من الوسائل، ولذلك وجب الوفاء بالنذر إذا كان تبررًا وتقربًا إلى اللَّه؛ لأنه نذْر له، ولم يجب الوفاء به إذا خرج مخرج النهي لأنه حَلِفٌ.
فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته، وما كان به فهو متعلق بربوبيته، [وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته] (^١)، ولذلك كان توحيد الإلهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده؛ فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن اللَّه وحده خالق كل شيء وربُّه ومليكُه، ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الإلهية، وهو: عبادته (^٢) وحده لا شريك له، لم ينفعهم توحيدُ ربوبيته.
وقالت طائفة: الصبر باللَّهِ أكمل، بل لا يمكن الصبر له إلا بالصبر به، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ [النحل: ١٢٧] فأمره بالصبر، والمأمور به هو الذي يُفعل لأجله، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]؛ فهذه جملة خبرية غير الجملة الطلبية التي تقدَّمتْها، أخبر
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(٢) في الأصل: "عباده"، والتصويب من النسخ الأخرى.
[ ٨٠ ]
فيها أنه لا يمكنه الصبر إلا به.
وذلك يتضمن أمرين: الاستعانة، والمعية الخاصة التي تدل عليها باء المصاحبة، كقوله: "فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطِش، وبي يمشي" (^١)، وليس المراد بهذه الباء مجرد الاستعانة، فإن هذا أمر مشترك بين المطيع والعاصي، فإن ما لا يكون باللَّه لا يكون، بل هي باء المصاحبة. والمعيَّةُ التي صرح بمضمونها في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦] المعيةُ الحاصلةُ لعبدِه الذي تقرّب إليه بالنوافل حتى صار محبوبًا له، فيه يسمع وبه يبصر، وكذلك به يصبر، فلا يتحرك ولا يسكن ولا يدرك إلا واللَّه معه، ومتى كان كذلك أمكنه الصبر له وتحمل الأثقال لأجله؛ كما في الأثر الإلهي: "بعيني ما يتحمَّلُ المتحمّلون من أجلي" (^٢).
_________________
(١) جزء من حديث الولي الذي أصله عند البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها". إلا أن جملة "فبي يسمع. . . " الخ لم يخرجها البخاري، ولم أقف على من أسندها، وقد ذكرها الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، ٣٨١ - ٣٨٢)، و(٢/ ١٩٥، ٢٣٦)، وكذلك ذكرها شيخ الإِسلام في مواضع متعددة، انظر على سبيل المثال: "مجموع الفتاوى" (٢/ ١٨، ٤٦٣)، و(٣/ ٤١٧) و(٥/ ٥١١)، و(٦/ ٤٨٤) و(٧/ ٤٤٣) و(٨/ ١٤٤) و(١٠/ ٧، ٣٠٥) وغيرها كثير. وذكرها الطوفي في "التعيين في شرح الأربعين" ص ٣٢٠ وغيرهم. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٩١): "ولم أرَ هذه الزيادة عند البخاري ولا عند غيره ممن ذكرنا من المخرجين. . . ".
(٢) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٦٠) عن وهب بن منبه: "أوحى اللَّه =
[ ٨١ ]
ويدل قولُه: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧] على أنه من لم يكن اللَّه معه لم يمكنه الصبر، وكيف يصبر على الحكم الأمريِّ امتثالًا وتنفيذًا وتبليغًا، وعلى الحكم القدري احتمالًا له واضطلاعًا به من لم يكن اللَّه معه؟!
فلا يطمع في درجة الصبر المحمودة عواقبه من لم يكن صبره باللَّه، كما لا يطمع في درجة المُقرّب (^١) المحبوب من لم يكن سمعُه وبصره وبطشه ومشيه باللَّه.
وهذا هو المراد من قوله: "كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يَبطش بها، ورجله التي يمشي بها" (^٢) ليس المراد به: أني كنت نفس هذه الأعضاء والقوى، كما يظنه أعداءُ اللَّه أهلُ الوحدة، وأن ذات العبد هي ذاتُ الربّ، تعالى (^٣) عن قول إخوان النصارى علوَّا كبيرًا.
_________________
(١) = تعالى إلى بعض أنبيائه: بعيني. . . ". وفي (٩/ ٢٥٥) رواه عن أبي سليمان الداراني يقول: قرأت في بعض الكتب: يقول اللَّه ﷿: "بعيني. . . " فذكره. وفي (١٠/ ٨٠) ذكره عن بعض العلماء قال: "أوحى اللَّه تعالى إلى نبي من الأنبياء. . . " فذكره. وذكره ابن أبي الدنيا في "حسن الظن باللَّه" برقم (٩٠)، فقال: "بلغني أن اللَّه ﷿ أوحى إلى بعض أنبيائه. . . " فذكره
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "المقترب".
(٣) تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث عند البخاري في الصفحة السابقة هامش (١).
(٤) في النسخ الأخرى: "تعالى اللَّه".
[ ٨٢ ]
ولو كان كما يظنون لم يكن فرق بين هذا العبد وغيره. ولا بين حالتي تقرّبه إلى ربه بالنوافل وتمقته إليه بالمعاصي، بل لم يكن هناك متقرب ومتقرب إليه، ولا عبد ومعبود، ولا محب ومحبوب، فالحديث كله مكذب لدعواهم الباطلة من نحو ثلاثين وجهًا تُعرف بالتأمل الظاهر.
وقد فَسّر المراد من قوله: "كنت سمعه، وبصره، ويده، ورجله" بقوله: "فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي" (^١) فعبّر عن هذه المصاحبة التي حصلت بالتقرب إليه بمحابّه بألطف عبارة وأحسنِها، تدل على تأكد المصاحبة ولزومها حتى صار له بمنزلة سمعه، وبصره، ويده، ورجله.
ونظير هذا قوله: "الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّه في الأرض، فمن صافَحه وقبّله، فكأنما صافح اللَّهَ وقبّل يمينَه" (^٢).
_________________
(١) سبق أن الجملة الأولى من الحديث أخرجها البخاري في "صحيحه"، وأما الجملة الثانية فلم أقف عليها.
(٢) رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٤٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٣٢٨). كلاهما من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي عن أبي معشر المدائني عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الحجر يمين اللَّه في الأرض، يصافح به عباده". وقال ابن عدي عن إسحاق هذا: "وإسحاق بن بشر الكاهلي قد روى غير هذه الأحاديث، وهو في عداد من يضع الحديث". وقال الخطيب عنه: "يروي عن مالك بن أنس وأبي معشر. . . وغيرهم من الرفعاء أحاديث منكرة". لذا فقد أورد الحديث الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (٢٢٣).
[ ٨٣ ]
ومثل هذا سائغ في الاستعمال أن يُنزل الشيءُ منزلةَ ما يصاحبه ويقارنه حتى يقول المحب للمحبوب: أنت روحي، وسمعي، وبصري، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أنه قد صار بمنزلة روحه وقلبه وسمعه وبصره.
والثاني: أن محبته وذكره لما استولى على قلبه وروحه صار معه وجليسه، كما جاء في الحديث: "أنا جليس من ذكرني" (^١)، وفي الحديث الآخر: "أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (^٢)، وفي الحديث الإلهي: "فإذا أحببتُ عبدي كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا" (^٣)، ولا يعبر عن هذا المعنى بأتم من هذه العبارة ولا أحسن ولا
_________________
(١) رواه ابن شاهين في "الترغيب" -كما في "الدرر المنتثرة" للسيوطي حديث رقم (٤٠)، وكما في "كنز العمال" رقم (١٨٦٥) -، من طريق محمد بن جعفر الداني عن سلام بن مسلم عن زيد العمي عن أبي نصرة عن جابر عن النبي ﷺ أن اللَّه ﷿ قال لموسى: "يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني وحيث ما التمسني عبدي وجدني". ثم قال السيوطي: "محمد بن جعفر وشيخه متروكان، وزيد العمي ليس بالقوي". وأورده الديلمي في "الفردوس" برقم (٤٥٣٣) من حديث ثوبان نحوه.
(٢) علقه البخاري في "صحيحه" (١٣/ ٥٠٨)، ووصله ابن ماجه في "سننه" رقم (٣٧٩٢)، من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه ابن حبان فأخرجه في صحيحه برقم (٨١٥).
(٣) هذا جزء من حديث الوليّ من رواية أنس بن مالك، أخرجه: ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" رقم (١)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ١٢٧) وليس فيه محل الشاهد، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)، وابن الجوزي =
[ ٨٤ ]
ألطف، وإيضاح هذه العبارة يزيدها جفاءً وخفاءً.
والمقصود: إنما هو الصبر باللَّه، وأن العبد بحسب نصيبه من معية اللَّه له يكون صبره، وإذا كان اللَّه معه أمكنه أن يأتي من الصبر بما لا يأتي به غيره.
قال أبو علي: فاز الصابرون بعز الدارين؛ لأنهم نالوا من اللَّه معيته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣، والأنفال: ٤٦] (^١).
وهاهنا سر بديع وهو: أن من تعلَّق بصفة من صفات الرب تعالى أدخلته تلك الصفة عليه وأوصلته إليه، والرب تعالى هو الصبور، بل لا أحد أصبر على أذى يسمعه منه، وقد قيل: إن اللَّه تعالى أوحى إلى داود: "تخلَّق بأخلاقي، فإن من أخلاقي أني أنا الصبور" (^٢).
والرب تعالى يُحب أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته وظهور آثارها في العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفو يحب أهل العفو، كريم يحب أهل الكرم، عليم يحب أهل العلم، وتر يحب الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبور يحب الصابرين، محسن يحب المحسنين، شكور يحب الشاكرين، فإذا كان سبحانه يحب المتصفين بآثار صفاته فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف، فهذه
_________________
(١) = في "العلل المتناهية" رقم (٢٧) وضعفه. وضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" رقم (١٧٧٥).
(٢) انظر قول أبي علي الدقاق في "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧.
(٣) انظر: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧، و"ربيع الأبرار" للزمخشري (٣/ ١٠٤).
[ ٨٥ ]
المعية الخاصة عبر عنها بقوله: "كنت له سمعًا، وبصرًا، ويدًا، ومؤيدًا (^١) " (^٢).
_________________
(١) بياض في الأصل مكان هذه الكلمة، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٢) سبق أن هذا جزء من حديث الولي من رواية أنس بن مالك.
[ ٨٦ ]
فصل (^١)
وزاد بعضهم قسمًا ثالثًا من أقسام الصبر: وهو الصبر مع اللَّه، وجعلوه أعلى أنواع الصبر، وقالوا: هو الوفاء (^٢).
ولو سئل هذا عن حقيقة الصبر مع اللَّه لما أمكنه أن يفسره بغير الأنواع الثلاثة التي ذكرت، وهنّ: الصبر على أقضيته، والصبر على أوامره، والصبر عن نواهيه.
فإن زعم أن الصبر مع اللَّه هو الثبات على أحكامه يدور معها حيث دارت، فيكون دائمًا مع اللَّه لا مع نفسه، فهو مع اللَّه بالمحبة والموافقة.
فهذا المعنى حق، ولكن مداره على الصبر على الأنواع المتقدمة.
فإن زعم أن الصبر مع اللَّه هو الجامع لأنواع الصبر. فهذا حق، ولكن جَعْلُه قسمًا رابعًا من أقسام الصبر غير مستقيم.
واعلم أن حقيقة الصبر مع اللَّه هو: ثبات القلب بالاستقامة معه، لا يروغ عنه روغان الثعالب هاهنا وهاهنا، فحقيقة هذا الاستقامة إليه وعكوف القلب عليه.
وزاد بعضهم قسمًا آخر من أقسامه، وسمّاه: الصبر فيه.
وهذا أيضًا غير خارج عن أقسام الصبر المذكورة، ولا يعقل من الصبر فيه معنى غير الصبر له، وهذا كما يُقال: فعلتُ هذا في اللَّه
_________________
(١) بياض في الأصل مكان هذه الكلمة، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٢) جعله القشيري في "تفسيره" (٦/ ٣١٨) أشد أنواع الصبر. وانظر في جعل الصبر مع اللَّه وفاء: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩).
[ ٨٧ ]
وللَّه (^١)، كما قال خبيب (^٢):
وذلك في ذات الإله وإن يَشَأ … يُبارك على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (^٣)
وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨]. وفي حديث جابر: "إن اللَّه تعالى أحيا أباه وقال له: تمنَّ، قال: يا رب أن ترجعني إلى الدنيا حتى اقتل فيك مرة ثانية" (^٤)، وقال ﷺ: "ولقد أوذيتُ في اللَّهِ وما يُؤذى أحد" (^٥).
وهذا يفهم منه معنيان (^٦):
أحدهما: أن ذلك في مرضاته وطاعته وسبيله، وهذا فيما يفعله الإنسان باختياره، كما في الحديث "تعلمتُ فيك العلم" (^٧).
والثاني: أنه بسببه وفي جهته حصل ذلك، وهذا فيما يصيبه بغير
_________________
(١) في (ب): "وله".
(٢) هو خبيب بن عدي الأنصاري الصحابي الشهيد. انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (١/ ٢٤٦ - ٢٤٩)، و"الإصابة" (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣).
(٣) قول خبيب هذا البيت، رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٠٤٥).
(٤) أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٣٠١٠) وقال: "حسن غريب من هذا الوجه". وابن ماجه في "سننه" رقم (١٩٠، ٢٨٠٠)
(٥) أخرجه الترمذي في "جامعه" رقم (٢٤٧٢)، وقال: "حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٥١)، كلاهما من حديث أنس بن مالك.
(٦) الأصول: "معنيين"، وسقطت "منه" من الأصل.
(٧) جزء من حديث أبي هريرة ﵁ في الثلاثة الذين أول ما تُسعر النار بهم، أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (١٩٠٥).
[ ٨٨ ]
اختياره، وغالب ما يأتي قولهم: "وذلك في اللَّه" في هذا المعنى، فتأمل قوله ﷺ: "ولقد أوذيت في اللَّه"، وقول خبيب: "وذلك في ذات الإله"، وقول عبد اللَّه بن حرام: "حتى أُقتل فيك" وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] فإنه يترتب عليه الأذى فيه سبحانه.
وليست: "في" هاهنا للظرفية ولا لمجرد السببية، وإن كانت السببية أصلها، فانظر إلى قوله: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" (^١)، وقوله:
_________________
(١) أخرجه النسائي في "المجتبى" رقم (٤٨٥٣)، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وفيه: "وأن في النفس الدية مائة من الإبل". ثم ضعفه. وأخرجه النسائي في "المجتبى" أيضًا رقم (٤٨٥٦)، (٤٨٥٧) من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه ﷺ لعمرو بن حزم في العقول: "إن في النفس مائة من الإبل". وهو ظاهر الإرسال. إلا أن معنى هذه الجملة من الحديث يشهد له حديث سهل بن أبي حثمة الذي رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٨٩٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٦٩)، "أن النبي ﷺ ودى الأنصاري الذي قُتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة" واللَّه أعلم. أما لفظة: "في النفس المؤمنة. . . " هكذا، فإني لم أقف عليها مسندة، وقد ذكر البيهقي في "السنن الكبرى" (٨/ ١٠٠) أن هذه اللفظة جاءت في رواية أبي أويس عن عبد اللَّه ومحمد ابني أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيهما عن جدهما عن رسول اللَّه ﷺ. إلا أن هذه اللفظة: "المؤمنة" مفهومة من سياق حديث النسائي رقم (٤٨٥٣) فإنه جاء في أوله: "من اعتبط مؤمنًا فتلًا. . . وأن في النفس الدية مائة من الإبل" واللَّه أعلم.
[ ٨٩ ]
"دخلت امرأة النار في هرة" (^١)، كيف تجد فيه معنى زائدًا على السببية؟
وليست: "في" للوعاء في جميع معانيها، فقولك: فعلت هذا في مرضاتك، فيه معنى زائد على قولك: فعلته لمرضاتك، وأنت إذا قلت: أوذيت في اللَّه، لا يقوم مقام هذا اللفظ قولك: أوذيت للَّه، ولا بسبب اللَّه، وإذا فهم المعنى طُوي حكم العبارة.
والمقصود: أن الصبر في اللَّه إن أريد به هذا المعنى فهو حق، وإن أريد به معنى خارج عن الصبر على أقضيته وعلى أوامره، وعن نواهيه له وبه، لم يحصل، فالصابر في اللَّه كالمجاهد في اللَّه، والجهاد فيه لا يخرج عن معنى الجهاد به وله، واللَّه الموفق.
وأما قول بعضهم: "الصبر للَّه عناء، والصبر باللَّه بقاء، والصبر في اللَّه بلاءً، والصبر مع اللَّه وفاء، والصبر عن اللَّه جفاء" (^٢)، فكلام لا يجب التسليم لقائله؛ لأنه ذكر ما سنح له وتصوره، وإنما يجب التسليم للنقل المصدَّق عن القائل المعصوم.
ونحن نشرح هذه الكلمات:
أما قوله: "الصبر للَّه عناء"، فإن الصبر للَّه ترك حظوظ النفس ومرادها لمراد اللَّه، وهذا أشق شيء على النفس وأصعبه، فإن قطع المفازة التي بين النفس وبين اللَّه، بحيث يسير منها إلى اللَّه، شديد جدًّا
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٣١٨) -واللفظ المذكور له-، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٢٤٢) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄.
(٢) انظير هذا القول في: "الرسالة القشيرية" ص ٢٥٧، و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٩).
[ ٩٠ ]
على النفس، بخلاف السفر من النفس إلى الآخرة فإنه سهل كما قال أبو القاسم الجنيد: "المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهُجران الخَلق في جنب الحق شديد، والمسير من النفس إلى اللَّه صعب شديد، والصبر مع اللَّه أشد" (^١).
وأما قوله: "والصبر باللَّه بقاء" فلأن العبد إذا كان باللَّه هان عليه كل شيء، ويتحمل الأثقال ولم يجد لها ثقلًا، فإنه إذا كان باللَّه لا بالخلق ولا بنفسه، كان لقلبه وروحه وجود آخر وشأن آخر غير شأنه إذا كان بنفسه وبالخلق، وفي هذه الحال لا يجد عناء الصبر ولا مرارته، وتنقلب مشاق التكليف له نعيمًا وقرة عين، قال بعض الزهاد: "عالجت قيام الليل عشرين سنة ثم تنعَّمت به عشرين سنة" (^٢)، ومن كانت قرة عينه في الصلاة لم يجد لها مشقة وكلفة.
وأما قوله: "الصبر في اللَّه بلاءً" فالبلاء فوق العناء، والصبر فيه فوق الصبر له وأخص منه، كما تقدم، فإن الصبر فيه بمنزلة الجهاد فيه، وهو أشق من الجهاد له، فكل مجاهد في اللَّه وصابر في اللَّه مجاهد له وصابر له من غير عكس، فإن الرجل قد يجاهد ويصبر للَّه مرة فيقع عليه اسم من فعَل ذلك للَّه، ولا يقع عليه اسم من فعل ذلك في اللَّه، إلا على من انغمس في الجهاد والصبر ودخل في الجنة.
وأما قوله: "والصبر مع اللَّه وفاء" فلأن الصبر معه هو الثبات معه على أحكامه، وأن لا يزيغ القلب عن الإنابة، ولا الجوارح عن الطاعة،
_________________
(١) أسند قول الجنيد هذا: القشيري في "رسالته" ص ٢٥٥. وذكره الغزالي في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٧).
(٢) لم أقف عليه.
[ ٩١ ]
فتُعطى المعية حقها من التوفية؛ كما قال تعالى عن خليله ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]؛ أي: وفّى ما أُمرَ به بصبره مع اللَّه على أوامره.
وأما قوله: "والصبر عن اللَّه جفاء" فلا جفاء أعظم ممن صبر عن معبوده وإلهه ومولاه الذي لا مولى له سواه، ولا حياة له ولا صلاح ولا نعيم إلا بمحبته والقرب منه وإيثار مرضاته على كل شيء، فأي جفاء أعظم من الصبر عنه.
وهذا معنى قول من قال: "الصبر على ضربين: صبر العابدين، وصبر المحبين؛ فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظًا، وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضًا" (^١) كما قيل:
تبيَّنَ يومَ البَينِ أن اعتزامَه … على الصبر من إحدى الظُّنونِ الكَواذِبِ (^٢)
وقال الآخر:
ولما دَعوتُ الصَّبْرَ بعدكَ والبُكا … أجابَ البُكا طَوْعًا ولم يُجِب الصَّبْرُ (^٣)
قالوا: ويدل عليه أن يعقوب صلوات اللَّه وسلامه عليه قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨، ٨٣] ورسول اللَّه إذا وعد وفي، ثم حمله
_________________
(١) هذا الكلام قاله القشيري في "رسالته" ص ٢٥٩.
(٢) البيت من أربعة أبيات وإسحاق بن إبراهيم المصعبي في الأغاني (٥/ ٤٢٧). وهو في "الرسالة القشيرية" ص ٢٦٠، و"الأغاني" (٥/ ٤٢٧)، و"الأمالي" للزجاجي ص ١٦.
(٣) البيت منسوب للعباس بن الأحنف، وهو في "ديوانه" ص ١٣٧. وانظره في: "الحماسة البصرية" (٢/ ٧٥٨). ونُسب أيضًا لأعرابي يرثي ابنه. انظر: "التذكرة الحمدونية" (٤/ ٢٤٥)، و"العقد الفريد" (٣/ ٢١٥).
[ ٩٢ ]
الوجْدُ على يوسف والشوقُ إليه أن قال: ﴿يَاأَسَفَى (^١) عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] فلم يكن عدمُ صبره عنه منافيًا لقوله ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فإن الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه، ولا تنافيه الشكوى إلى اللَّه، فإنه قد قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] واللَّه سبحانه أمر رسوله بالصبر الجميل، وقد امتثل ما أمر به وقال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي" الحديث (^٢) (^٣).
وأما قول بعضهم: "إن الصبر الجميل أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو" (^٤) فهذا من الصبر الجميل، لا أن متفقده فَقَد (^٥) الصبر الجميل، فإن ظهور أثر المصيبة على العبد مما لا يمكن دفعُه البتة، وباللَّه التوفيق.
وزاد بعضهم في الصبر قسمًا آخر، وسمّاه: الصبر على الصبر، وقال: هو أن يستغرق في الصبر حتى يعجز الصبر عن الصبر؛ كما قيل:
صابَرَ الصَّبرَ فاستغاثَ بِهِ الصَّبْـ … ــــرُ فصاحَ المُحبُّ بالصبرِ صَبْرًا (^٦)
وليس هذا خارجًا عن أقسام الصبر، وإنما هو المرابطة على الصبر، والثبات عليه، واللَّه أعلم.
_________________
(١) في الأصل: "واأسفا".
(٢) سبق تخريجه ص ٢٢.
(٣) ذكر الاستدلال بقصة يعقوب ﵇: القشيري في "رسالته" ص ٢٦٠، نقلًا عن أبي علي الدقاق.
(٤) ذكر هذا القول: القشيري في "رسالته" ص ٢٥٨، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (١٨/ ١٨٤).
(٥) في الأصل: "صبر"، وهو سهو.
(٦) القول مع البيت في "الرسالة" ص ٣٢٦، وانظر: "اللمع" للطوسي ص ٥٥.
[ ٩٣ ]