كان الإمام الغزالي ممن كتب في الصبر والشكر ضمن كتابه المعروف "إحياء علوم الدين"، وذلك في الكتاب الثاني من ربع المنجيات.
[ ٢٦ ]
وقد استفاد ابن القيم من كتاب الغزالي هذا دون أن يشير إلى ذلك، وذلك ظاهر لمن تأمَّل الكتابين.
وسوف أعرض هنا المواطن المتشابهة من الكتابين التي يغلب على الظن أن ابن القيم استفاد منها، وهي:
* في مقدمة الكتاب، عند بيان ابن القيم لأهمية الكتابة في هذا الموضوع قال: "فصل: ولما كان الإيمان نصفين: نصف صبر ونصف شكر. . . " إلخ، ثم بنى كلامه على هذه الجملة.
ومن نظر في "إحياء علوم الدين" يجد أن ابن القيم قد استعار هذه العبارة منه في مقدمة الكلام على الصبر والشكر (٤/ ٥٢) حيث يقول الغزالي: "أما بعد، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر. . . " إلخ.
بل إن الغزالي هنا أردف أمرًا ثانيًا لبيان أهمية الكتابة في هذا الموضوع، فقال بعد الكلام السابق: "وهما (^١) أيضًا وصفان من أوصاف اللَّه تعالى واسمان من أسمائه الحسنى؛ إذ سمى نفسه صبورًا وشكورًا، فالجهل بحقيقة الصبر والشكر جهلٌ بكلا شطري الإيمان، ثم هو غفلة عن وصفين من أوصاف الرحمن. . . ".
وهذا الأمر أخّره المصنِّف إلى الباب السادس والعشرين، وهو الباب الأخير فقال: "الباب السادس والعشرون: في بيان دخول الصبر والشكر في صفات الرب ﷻ، وتسميته بالصبور والشكور، ولو لم يكن للصبر والشكر من الفضيلة إلا ذلك لكفى به".
_________________
(١) أي: الصبر والشكر.
[ ٢٧ ]
* وفي الباب الثاني الذي هو: "في حقيقة الصبر وكلام الناس فيه".
أقول: قد ذكر ذلك الغزالي في كتابه (٤/ ٥٤) في فصلٍ هو: "بيان حقيقة الصبر ومعناه: اعلم أن الصبر مقام. . . " إلخ.
وقد ختم ابن القيم بابه بأن حقيقة الصبر: "ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والطبع" ثم شرحه شرحًا مجملًا.
وهذا الذي ختم به ابن القيم في بيان حقيقة الصبر، إنما هو ما استنبطه الغزالي في ذلك الفصل الذي ذكره في كتابه (٤/ ٥٤).
ثم أعاد ابن القيم ذكر هذه الحقيقة في الباب الخامس بقوله: ". . . فلا يُتصور في حقهم الصبر الذي حقيقته: ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الشهوة والهوى".
* وفي الباب الثالث الذي ترجمه ابن القيم: "في بيان أسماء الصبر بالإضافة إلى متعلقه".
قال ابن القيم في مُستهلِّه: "لما كان الصبر المحمود هو: الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم، كانت مراتبه بحسب متعلقه. . . ".
وقد عقد لذلك الغزالي في كتابه (٤/ ٥٧) فصلًا فقال: "بيان الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر: اعلم أن الصبر ضربان: أحدهما: ضرب بدني كتحمل المشاق. . . " إلخ.
بل من الملاحظ هنا في كلام ابن القيم في هذا الباب أنه استهلَّه وكأن القارئ يعرف تقسيمات الصبر التي يريدها ابن القيم فقال: "لما كان الصبر
[ ٢٨ ]
المحمود هو: الصبر النفساني الاختياري عن إجابة داعي الهوى. . . "، فكأنَّ القارئ يعرف أن هناك صبرًا ممدوحًا وآخر مذمومًا، ولم يسبق ذكر ذلك قبلُ، بل سيأتي ذكر هذا التقسيم بعد ذلك في الباب العاشر.
وكأنَّ القارئ عنده سابق علم أن هناك صبرًا نفسانيًّا يقابله الصبر البدني، وهو ما سيذكره المصنف بعد ذلك في الباب الخامس.
وكأن القارئ يعلم أن هناك صبرًا اختياريًّا يقابله صبرٌ اضطراري، وهو ما سيذكره ابن القيم بعد ذلك في أبواب متفرقة: الباب الخامس والباب التاسع والباب الثالث عشر.
بينما نرى الغزالي مهّد لذلك في هذا الموضع بأن ذكر هذه التقسيمات، وانطلق منها لبيان مراده، فكان ترتيبُ الغزالي أوجه وأكثر دقةً من ترتيب ابن القيم. واللَّه تعالى أعلم.
* في الباب الرابع الذي عنوانه: "في الفرق بين الصّبر والتّصبّر والاصطبار والمصابرة".
وقد سبقه الغزالي إلى بيان الفرق بين الصبر والتصبر في كتابه (٤/ ٥٩)، وما ذكره ابن القيم يتفق مع ما ذكره الغزالي من الفرق بينهما.
* وفي الباب الخامس وهو: "في أقسامه باعتبار محله".
ذكر ابن القيم فيه أن الصبر ضربان: بدني ونفساني، وأن كلًّا منهما نوعان: اختياري واضطراري.
وقد أشار إلى ذلك الغزالي في كتابه (٤/ ٥٧، ٦٠، ٦١).
[ ٢٩ ]
* وفي الباب السادس: "في بيان أقسامه بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه".
قال ابن القيم فيه: "باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال. . . " ثم ذكرها.
والذي ذكره ابن القيم هو الذي ذكره الغزالي في الإحياء (٤/ ٥٨) حيث قال: "بيان أقسام الصبر بحسب اختلاف القوة والضعف: اعلم أن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال. . . " ثم ذكرها، وهي عينها التي ذكرها ابن القيم في كتابه.
* الباب السابع الذي ترجمه ابن القيم بقوله: "في ذكر أقسامه باعتبار متعلقه".
ذكر ابن القيم في هذا الباب انقسام الصبر بذلك إلى ثلاثة أقسام:
١ - صبر على الأوامر والطاعات.
٢ - صبر عن المناهي والمخالفات.
٣ - صبر على الأقدار والأقضية.
وهذه الأقسام الثلاثة ذكرها الغزالي في كتابه، ففي (٤/ ٦٠) ذكر الصبر على الطاعة، وفي (٤/ ٦١) ذكر الصبر عن المعاصي، وفي (٤/ ٦٢) ذكر الصبر على الأقدار، وهو الذي سماه الغزالي بقوله:
"القسم الثالث: ما لا يدخل تحت حصر الاختيار أوله وآخره، كالمصائب، مثل: موت الأعزة. . . " إلخ.
[ ٣٠ ]
* الباب الثامن الذي ذكره ابن القيم، وهو: "في انقسامه باعتبار
تعلق الأحكام الخمسة به".
وانقسامه بهذا الاعتبار قد ذكره الغزالي في الإحياء (٤/ ٥٩).
* الباب التاسع: "في بيان تفاوت درجات الصبر".
ذكر ابن القيم اختلاف درجات الصبر، ورجّح أن الصبر الاختياري أكمل من الصبر الاضطراري.
وقد أشار الغزالي إلى اختلاف درجات الصبر في الإحياء (٤/ ٦٢، ٦٣) إلا انه رجّح أن الصبر الاضطراري أكمل.
* وفي الباب العاشر الذي هو "في انقسام الصبر إلى محمود ومذموم".
وذكر هذا التقسيم الغزالي في الإحياء (٤/ ٥٧، ٦٩).
* وفي الباب الثاني عشر: "في الأسباب التي تعين على الصبر".
ذكر ابن القيم أن ذلك بأمرين:
الأول: تضعيف الداء وباعث الشهوة.
الثاني: تقوية باعث الدين.
وهذان الأمران هما اللذان ذكرهما الغزالي في الإحياء (٤/ ٦٥ - ٦٦) وترجم لذلك بقوله: "بيان دواء الصبر وما يُستعان به عليه".
* وفي الباب الثالث عشر: الذي ترجمه ابن القيم بقوله: "في بيان أن الإنسان لا يستغني عن الصبر في حال من الأحوال"، بيَّن فيه ابن القيم أن كل
[ ٣١ ]
ما يعرض للإنسان في هذه الحياة الدنيا إما أن يكون موافقًا لهواه ومراده، أو يخالفه، ثم بيَّن احتجاج افنسان غلى الصبر في كلّ منهما.
وهو عين ما ذكره الغزالي في الإحياء (٤/ ٥٩) وما بعدهما.
* وفي الباب الرابع عشر: الذي ترجمه ابن القيم بقوله: "في بيان أشق الصبر على النفوس".
وذكر الغزالي مراده ومضمون ما ذكره ابن القيم في الإحياء (٤/ ٦١).
* وفي الباب الخامس عشر: "في ذكر ما ورد في الصبر من نصوص الكتاب العزيز".
* والباب السادس عشر: "في ذكر ما ورد فيه من نصوص السنة".
* وفي الباب السابع عشر: في الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم في فضيلة الصبر".
أقول: قد عقد الغزالي لذلك في الإحياء (٤/ ٥٢ - ٥٣) فصلًا ترجمه بقوله: "بيان فضيلة الصبر". ثم قال: "وقد وصف اللَّه تعالى الصابرين بأوصاف، وذكر الصبر في القرآن. . . " ثم ذكر شيئًا من ذلك.
ثم قال: "وأما الأخبار. . . " وذكر من الأحاديث النبوية.
ثم قال: "وأما الآثار. . . " وذكر ما تيسر له منها.
* الباب التاسع عشر: "في أن الصبر نصف الإيمان، وأن الإيمان نصفان: نصف صبرٍ ونصف شكر".
وقد بيّن ذلك الغزالي في الإحياء (٤/ ٥٦ - ٥٧)، حيث عقد لذلك فصلًا ترجمه بـ: "بيان كون الصبر نصف الإيمان".
[ ٣٢ ]
* الباب العشرون إلى الباب الرابع والعشرين كلها في التنازع في الأفضل من الصبر والشكر والغني الشاكر والفقير الصابر وحجة كلٍ والترجيح.
وقد عقد الغزالي لذلك في الإحياء (٤/ ١١٥ - ١٢٠) فصلًا فقال: "بيان الأفضل من الصبر والشكر" وأشار في أثنائه إلى مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر.
* والباب الخامس والعشرون: "في بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له والقادحة فيه". ونحوه الباب الثامن عشر.
وقد أشار الغزالي إلى جزء كبير من مضمون هذين البابين في الإحياء (٤/ ٦٣) فقال: "فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع و. . " إلخ، ثم قال: "ولا يخرجه عن حدّ الصابرين توجع القلب. . . ".
* أما الباب الأخير، وهو الباب السادس والعشرون فقد سبقت الإشارة إليه في أول هذا المبحث.
وبعد هذه المقارنة بين كتاب (العدة) وكتاب الصبر والشكر من (الإحياء) يتبيّن لنا الارتباط والتشابه بين الكتابين في أصل فكرة الموضوع وعموم الأبواب، اللهم إلا في الباب الأول الذي تكلم فيه ابن القيم عن معنى الصبر لغة واشتقاق هذه الكلمة، والباب الحادي عشر الذي تكلم فيه ابن القيم عن الفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام.
وبعد هذا العرض نخرج بنتيجة مهمة وهي استفادة ابن القيم من كتاب الغزالي، حيث جعل من كلامه أساسًا لشجرة كبيرة كثيرة الفروع والأغصان، إذ إنه سقاها من عصارة علمه، وحرثها بسعة فقهه، ونقحها بصحيح فكره.
[ ٣٣ ]
فزاد ابن القيم على ما ذكره الغزالي فوائد عديدة، وتفريعات كثيرة، واستنباطات مهمة، وفوائد ونكات لم يتطرق إليها الغزالي، وأضاف أمثلة وتوضيحات ليكون لقارئه عُدّة في طريقه وسيره إلى اللَّه والدار الآخرة.
فكان هذا الكتاب المهم "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" وهو بحجمه يقارب أربعة أضعاف ما كتبه الغزالي.
ولا تستطل أيها القارئ هذا المبحث فإنه من أكثر المباحث فائدة وجدة، إذ إن أكثر طلاب العلم لا يعلمون هذه الحقيقة.
ونسبة للفضل إلى أهله، فالذي نبهني على استفادة ابن القيم من كتاب الغزالي هو فضيلة شيخي الدكتور محمد بن حسين الجيزاني، جزاه اللَّه خيرًا وأجزل له المثوبة.