أما ترتيب الكتاب، فكأن ابن القيم يكتب بمنهج كتابة البحوث المعاصرة، فنجده قد مهد لكتابه هذا بمقدمة لطيفة يُستشف منها أسباب اختياره للكتابة فيه، ثم عقد فصلًا ذكر فيه أهمية كتابه ومزاياه، وأتبع ذلك بذكر خطة كتابه التي سار عليها، وهي تقع في ستةٍ وعشرين بابًا وخاتمة، ثم نص على تسميته لكتابه.
_________________
(١) قاله الصفدي في أعيان العصر ٤/ ٣٦٧.
(٢) المصدر السابق.
[ ١٤ ]
أما أبواب الكتاب، فكانت على النحو التالي:
خصص الأبواب من الأول إلى الثامن عشر للصبر وما يتعلق به من تعريفه وحقيقته وأسمائه بالإضافة إلى متعلقه، والفرق بين الصبر والتصبر والاصطبار والمصابرة، وتقسيمه باعتبار محله، وبحسب اختلاف قوته وضعفه، وباعتبار متعلقه، وباعتبار تعلق الأحكام الخمسة به، وبيان تفاوت درجاته، وانقسامه إلى محمود ومذموم، والفرق بين صبر الكرام وصبر اللئام، وفي الأسباب التي تعين عليه، وبيان أن الإنسان لا يستغني عن الصبر، وفي بيان أشقِّه على النفوس، وفيما ورد فيه من نصوص الكتاب والسنة والآثار، ثم أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها.
ثم في الأبواب من التاسع عشر إلى الرابع والعشرين أدخل الشكر وأشركه في موضوع الكتاب، فتحدث فيها أن الإيمان نصفان صبر وشكر، وفي تنازع الناس في الأفضل منهما، ثم حكم بين الفريقين، وتكلم عن اختلاف الناس في الغني الشاكر والفقير الصابر، ثم ذكر حجة كلٍ.
وخصص البابَ الخامسَ والعشرين لبيان أمور تضاد الصبر وتنافيه وتقدح فيه، وكأنه أراد إخراج من يقع في شيء من ذلك من الدخول في خلاف الأفضلية بين الفقير الصابر والغني الشاكر، فذكر أمورًا قد تخفى على كثير ممن يدعي الصبر؛ من الشكوى إلى المخلوق والأنين والهلع.
ثم في الباب السادس والعشرين -وهو آخر الأبواب- أراد بيان فضيلة عظيمة لكلٍ من الصبر والشكر، ألا وهي دخولهما في صفات الرب ﷻ وأنه لو لم يكن للصبر والشكر من الفضيلة إلا ذلك لكفى.
[ ١٥ ]
ثم ختم الكتاب بخاتمة ماتعة، أراد فيها حثّ الناس وشحذ هممهم في مسيرهم إلى اللَّه والدار الآخرة.
فمن خلال هذا الكتاب وما حواه من آيات كريمات، وأحاديث نبوية، وآثار سلفية، وتحقيقات مرضية، يستلهم الصابرون والشاكرون منها أخذ عدتهم وتهيئة أسلحتهم في مسيرهم في هذه الدنيا إلى اللَّه والدار الآخرة، فكان هذا الكتاب بحق عُدّة للصابرين وذخيرة للشاكرين. واللَّه تعالى أعلم.
ومع جودة ترتيب هذا الكتاب، وحسن سياق أبوابه، أسجّل ملاحظتين هما:
الأولى: أنَّ الباب الثامن عشر: وهو "في ذكر أمور تتعلق بالمصيبة من البكاء والندب وشق الثياب ودعوى الجاهلية ونحوها"، والباب الخامس والعشرين: "في بيان الأمور المضادة للصبر والمنافية له والقادحة فيه" كان يمكن دمجهما في باب واحد لتقارب موضوعهما.
ويظهر ذلك بالمقارنة.
الثانية: من الملاحظ أن المؤلف لم يُفرد للشكر بابًا مستقلًا، كما فعل في الصبر، حيث أفرد له بابًا في معناه واشتقاقه، وبابًا آخر في حقيقته، وغير ذلك.
فكما أن المصنف جعل عنوان الكتاب في فصلين، أحدهما للصبر "عدة الصابرين"، والآخر للشكر "وذخيرة الشاكرين"، كان من المتوقع أن يُفرد للشكر أبوابًا مستقلة كالتي أفردها للصبر، خاصة في الأمور التي ذكرها ضمنًا كتعريف الشكر واشتقاقه، فكان من المناسب أن يفرد لذلك بابًا عنوانه: "معنى الشكر لغة، واشتقاق هذه الكلمة وتصريفها"، كما فعل في الصبر، وآخر عنوانه: "حقيقة الشكر وكلام الناس فيه"، كما فعل في الصبر.
[ ١٦ ]
لا سيما أن مضمون هذين البابين موجود في كلام المصنف في الباب الحادي والعشرين: "في الحكم بين الفريقين والفصل بين الطائفتين"، إذ قد ذكر فيه تعريف الشكر واشتقاقه وحقيقته وكلام الناس فيه. واللَّه تعالى أعلم.