ومما يوضح هذا: أن اللَّه سبحانه امتحن العبد بنفسه وهواه وأوجب عليه جهادهما في اللَّه، فهو كل وقت في مجاهدة نفسه حتى يأتي بالشكر المأمور به، ويصبر عن الهوى المنهي عن طاعته، فلا ينفك العبد عنهما، غنيًّا كان أو فقيرًا، معافى أو مبتلى.
وهذه هي مسألة الغنيّ الشاكر والفقير الصابر أيهما أفضل؟
وللناس فيها ثلاثة أقوال: وهي التي حكاها أبو الفرج (^١) وغيره في عموم الصبر والشكر أيهما أفضل، وقد احتجت كل فرقة بحجج وأدلة على قولها.
والتحقيق أن يُقال: أفضلهما أتقاهما للَّه، فإن فُرض استواؤهما في التقوى استويا في الفضل، فإن اللَّه سبحانه لم يُفضل بالفقر والغنى كما لم يُفضّل بالعافية والبلاء، وإنما فَضّل بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقد قال ﷺ: "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب" (^٢).
_________________
(١) يعني ابن الجوزي، كما سبق.
(٢) الحديث هكذا لم أجده. إنما أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٤١١) عن أبي نضرة عمن سمع خطبة رسول اللَّه ﷺ به، دون قوله: "الناس من آدم وآدم من تراب". وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٧٠٠). أما الجملة الأخيرة، فرواها أبو داود في "سننه" رقم (٥١١٦)، والترمذي في "جامعه" رقم (٣٢٧٥)، من حديث ابن عمر مرفوعًا: "والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من تراب". وقال الترمذي: "حديث غريب لا نعرفه من حديث =
[ ٢٩٧ ]
والتقوى مبنية على أصلين: الصبر والشكر، وكل من الغني والفقير لا بد له منهما، فمن كان صبرُه وشكرُه أتمّ كان أفضل.
فإن قيل: فإذا كان صبر الفقير أتمّ وشكر الغني أتمّ فأيهما أفضل؟
قيل: أفضلهما أتقاهما للَّه في وظيفته ومقتضى حاله، ولا يصح التفضيل بغير هذا ألبتة، فإن الغني قد يكون أتقى للَّه في شكره من الفقير في صبره، وقد يكون الفقير أتقى للَّه في صبره من الغني في شكره، فلا يصح أن يقال: هذا بِغِناه أفضل ولا هذا بفقره أفضل.
ولا يصح أن يقال: هذا بالشكر أفضل من هذا بالصبر، ولا بالعكس، لأنهما مطيّتان للإيمان لا بد منهما، بل الواجب أن يقال: أقومهما بالواجب والمندوب هو الأفضل، فإن التفضيل تابع لهذين الأمرين، كما قال تعالى في الأثر الإلهي: "وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه" (^١).
فأيّ الرجلين كان أقوم بالواجبات وأكثر نوافل كان أفضل.
فإن قيل: فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل فقراء أمّتي الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام" (^٢).
_________________
(١) = عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر إلا من هذا الوجه".
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٥٠٢)، من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه.
(٣) رواه أحمد في "المسند" ٢/ ٣٤٢، والترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٥٤)، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٢٢)، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
[ ٢٩٨ ]
قيل: هذا لا يدل على فضلهم على الأغنياء في الدرجة وعلوّ المنزلة وإن سبقوهم في الدخول، فقد يتأخر الغنيّ والسلطان العادل في الدخول لحسابه، فإذا دخل كانت درجته أعلى ومنزلته أرفع، كما يسبق الفقير القَفَل (^١) في المضايق وغيرها، ويتأخر صاحب الأحمال بعده (^٢).
فإن قيل: فقد قال ﷺ للفقراء لما شكوا إليه زيادة عمل الأغنياء عليهم بالعتق والصدقة: "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه أدركتم به من سبقكم" فدلّهم على التسبيح والتحميد والتكبير عقيب كل صلاة، فلما سمع الأغنياء ذلك عملوا به، فذكروا ذلك للنبي ﷺ: فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣) [الحديد: ٢١].
وهذا يدل على ترجيح حال الغني الشاكر.
قيل: هذا حجة للقول الذي نصرناه، وهو: أن أفضلهما أكثرهما نوافل، فإن استويا استويا وهاهنا قد ساوى الأغنياء الفقراء في أعمالهم المفروضة والنافلة، وزادوا عليهم بنوافل العتق والصدقة، ففضلوهم بذلك، فساووهم في صبرهم على الجهاد والأذى في اللَّه والصبر على المقدور، وزادوا عليهم بالشكر بنوافل المال، فلو كان للفقراء بصبرهم نوافل تزيد على نوافل الأغنياء لفضلوهم بها.
فإن قيل: فالنبي ﷺ عرضت عليه مفاتيح كنوز الدنيا فردّها، وقال:
_________________
(١) القَفَل بمعنى القافلة، انظر "لسان العرب" (١١/ ٥٦٠).
(٢) في الأصل: "بعدها": والتصويب من النسخ الأخرى.
(٣) رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٥٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٨٤٣) دون فوله: "فلما سمع الأغنياء. . . " الخ.
[ ٢٩٩ ]
"بل أشبع يومًا وأجوع يومًا" (^١).
وقال هشام بن عروة أعن أبيه، (^٢) عن عائشة ﵂ قالت: "خرج رسول اللَّه ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز البرّ" (^٣)، و"مات ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام أخذه لأهله" (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن محمد حدثنا عباد بن عباد حدثنا مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دَخَلَتْ عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول اللَّه ﷺ عباءة مثنية، فرجعت إلى منزلها، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول اللَّه
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢١٥).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى، ومن مصادر التخريج.
(٣) رواه أحمد في "الزهد" رقم (١٨). ورواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٧٠) بلفظ: "ما شبع آل محمد ﷺ من خبز البرّ ثلاثًا، حتى مضى لسبيله".
(٤) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٩١٦)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٠٣) عن عائشة ﵂. ولفظ البخاري: "توفي رسول اللَّه ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير". وليس في لفظ مسلم ذكر الوفاة.
(٥) "الزهد" رقم (٣٦)، و"المسند" (٢/ ٤٤٦). ورواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٤٦٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٠٥٥) عن عمارة به.
[ ٣٠٠ ]
ﷺ فقال: "ما هذا؟ " فقلت: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا. فقال: "رُدّيه" فلم أردَّه، وأعجبني أن يكون في بيتي، حتى قال لي ذلك ثلاث مرات، فقال: "يا عائشة رُدِّيه، فواللَّه لو شئتُ لأجرى اللَّه معي جبال الذهب والفضة" فرددته (^١).
ولم يكن اللَّه سبحانه يختار لرسوله إلا الأفضل، هذا مع أنه لو أخذ الدنيا لأنفقها كلها في مرضاة اللَّه ﷿، ولكان شكره بها فوق شكر جميع الناس.
قيل: قد احتج بحال رسول اللَّه ﷺ كل واحدة من الطائفتين.
والتحقيق: أن اللَّه سبحانه جمع له بين المقامين كليهما على أتم الوجوه، فكان سيد الأغنياء الشاكرين وسيد الفقراء الصابرين، فحصل له من الصبر على الفقر ما لم يحصل لأحد سواه، ومن الشكر على الغنى ما لم يحصل لغني سواه.
ومن تأمل سيرته وجد الأمر كذلك، فكان ﷺ أصبر الخلق في مواطن الصبر، وأشكر الخلق في مواطن الشكر، وربه تعالى كمّل له مراتب الكمال فجعله في أعلى رتب الأغنياء الشاكرين، وفي أعلى مراتب الفقراء الصابرين، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨].
وأجمع المفسرون على أن العائل هو الفقير، يُقال: عال الرجل
_________________
(١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٧٦). ورواه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٤٦٥)، والطبراني في "الأوسط" رقم (٦٠٢٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١٤٦٨). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" برقم (٢٤٨٤).
[ ٣٠١ ]
يَعيل، إذا افتقر، وأعال يُعيل: إذا صار ذا عيال، مثل: ألبن، وأتمر وأثرى، إذا صار ذا لبن وتمر وثروة.
وعال يعول: إذا جار، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
وقيل: المعنى ألا [تكثر عيالكم] (^١).
والقول هو الأول لوجوه:
أحدها: أنه لا يعرف في اللغة عال يعول إذا كثر عياله، وإنما المعروف في ذلك عال يَعيل، وأما عال يعول فهو بمعنى الجور ليس إلا، هذا الذي ذكره أهل اللغة قاطبة.
الثاني: أنه سبحانه قابل ذلك بالعدل الذي نقلهم عند خوفهم من فقده إلى الواحدة أو التسري بما شاؤوا من ملك أيمانهم، ولا يحسن هذا التعليل بعدم العيال.
يوضحه:
الوجه الثالث: أنه سبحانه نقلهم عند الخوف من عدم القسط في نكاح اليتامى إلى نكاح من سواهن من النساء، لئلا يقعوا في ظلم أزواجهم (^٢) اليتامى؛ وجوّز لهم نكاح الواحدة وما فوقها إلى الأربع، ثم نقلهم عند خوف الجور وعدم العدل في القسمة إلى الواحدة أو النوع الذي لا قسمة عليهم في الاستمتاع بهن، وهن الإماء. فانتظمت الآية
_________________
(١) في الأصل مكان هذه العبارة: "تجوروا". وقد كتب عليها في الهامش: "ينظر". والتصويب من (ب)، وهو الموافق للسياق، واللَّه أعلم.
(٢) في الأصل: "أزواجهن"، والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣٠٢ ]
ببيان الجائز من نكاح اليتامى والبوالغ والأولى من ذينك القسمين عند خوف الظلم، والجائز من نكاح الواحدة وما فوقها، والأولى من هذين القسمين عند خوف العول، فما لكثرة العيال مدخل هنا ألبتة.
يوضحه:
الوجه الرابع: أنه لو كان المحذور كثرة العيال لما نقلهم إلى ما شاءوا من الإماء بلا عدد؛ فإن العيال كما يكونوا من الزوجات يكونوا من الإماء، ولا فرق؛ فإنه لم ينقلهم إلى إماء الاستخدام بل إلى إماء الاستفراش.
يوضحه:
الوجه الخامس: أن كثرة العيال ليس أمرًا محذورًا مكروهًا للرب تعالى، كيف وخير هذه الأمة أكثرها نساء (^١)؟!
وقد قال النبي ﷺ: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم" (^٢)، فأمر بنكاح الولود؛ ليحصل منها ما يكاثر به الأمم يوم القيامة.
والمقصود أنه سبحانه جعل نبيه غنيًّا شاكرًا بعد أن كان فقيرًا صابرًا، فلا تحتج به طائفة لحالها إلا كان للطائفة الأخرى أن تحتج به
_________________
(١) قاله ابن عباس لسعيد بن جبير حيث سأله: "هل تزوجت؟ قال: لا، فقال له ابن عباس: فتزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء". رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٥٠٦٩).
(٢) رواه أبو داود في "سننه" رقم (٢٠٥٠)، والنسائي في "المجتبى" رقم (٣٢٢٧)، عن معقل بن يسار. وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٢)، ووافقه الذهبي.
[ ٣٠٣ ]
أيضا لحالها.
فإن قيل: فقد كان عبد الرحمن بن عوف من الشاكرين، وقد قال الإمام أحمد في "مسنده": حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها سمعت صوتًا في المدينة، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء. قال (^١) وكانت سبعمائة بعير، فارتجّت المدينة من الصوت. فقالت عائشة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا" فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: إن استطعتُ لأدخلنها قائمًا، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل اللَّه (^٢).
قيل: قد قال الإمام أحمد: هذا الحديث كذب منكر. قال: وعمارة يروي أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم الرازي: عمارة بن زاذان لا يُحتج به (^٣).
قال أبو الفرج (^٤): "وقد روى الجراح بن منهال بإسناده عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال له: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء، وإنك لا تدخل الجنة إلا زحفًا، فأقرض ربك يطلق قدميك" (^٥).
قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا حديث موضوع، والجراح متروك الحديث، وقال يحيى: ليس حديث الجراح بشيء، وقال ابن المديني:
_________________
(١) في الأصل: "قالت"، وهو خطأ، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) "مسند أحمد" (٦/ ١١٥).
(٣) انظر: "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ١٣).
(٤) أي ابن الجوزي.
(٥) "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ١٣).
[ ٣٠٤ ]
لا يُكتب حديثه، [وقال ابن حبان: كان يكذب] (^١). وقال الدارقطني: متروك (^٢).
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه البيهقي من حديث أحمد بن عدي (^٣) حدثنا (^٤) إسماعيل بن محمد حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرني خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال له: "يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفًا، فأقرض اللَّه يطلق لك قدميك". قال: وما الذي أقرض يا رسول اللَّه؟ قال: "تتبرأ مما أمسيت فيه" قال: من كله أجمع يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم". فخرج ابن عوف وهو يهم بذلك، فأتاه جبريل ﵇ فقال: "مر ابن عوف فليُضف الضيف، وليطعم المسكين، وليبدأ بمن يعول، وليعطِ السائل، فإذا فعل ذلك كان تزكية ما فيه" (^٥).
قيل: هذا حديث باطل عن رسول اللَّه ﷺ؛ فإن أحد رواته خالد بن
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى، ومن "الموضوعات" لابن الجوزي.
(٢) "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ١٣).
(٣) في (ب): "على"، وهو تحريف.
(٤) في النسخ الثلاث الأخرى: "بن"، وهو خطأ.
(٥) "شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٣٣٣٥). والحديث في: "الكامل" لابن عدي (٣/ ١٢)، و"المستدرك" للحاكم (٣/ ٣١١)، و"البحر الزخار" للبزار رقم (١٠٠٥) وغيرهم. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: خالد ضعفه جماعة، وقال النسائي: ليس بثقة". وضعفه الألباني جدًّا في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٧٧٢).
[ ٣٠٥ ]
يزيد بن أبي مالك. قال الإمام أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: واهٍ، وقال النسائي: غير ثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال يحيى بن معين: لم يرضَ أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة (^١).
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي قال الإمام أحمد: حدثنا الهُذَيل بن ميمون عن مُطَّرِح بن يزيد عن عبيد اللَّه بن زَحْر عن علي بن يزيد (^٢) عن القاسمِ عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "دخلت الجنة فسمعت فيها خَشْفة (^٣) بين يدي، فقلت: ما هذا؟ قال: بلال. فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين ولم أرَ فيها أحدًا أقل من الأغنياء والنساء. قيل لي: أما الأغنياء فهم في الباب يحاسبون ويمحصون، وأما النساء فألهاهن الأحمران: الذهب والحرير. ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثمانية، فلما كنت عند الباب أُتيت بكفة فوُضِعت فيها ووضعت أمتي في كفة فرجحْت بها، ثم أتي بأبي بكر فوُضع في كفة وجيء بجميع أمتي فُوضعوا في كفة فرجح أبو بكر، ثم أُتي بعمر فوُضع في كفة ووُضع جميع أمتي في كفة فرجح عمر، وعرضت على أمتي رجلًا رجلًا فجعلوا يمرون، واستبطأت عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء بعد الإياس فقلت: عبد الرحمن؟ فقال: بأبي وأمي يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحق ما خلصت إليك حتى ظننت أني لا أصل إليك أبدًا إلا بعد المشيبات. قلت: وما ذاك؟ قال من كثرة مالي أحاسَب
_________________
(١) انظر: "الكامل لابن عدي" (٣/ ١٠ - ١٣)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٣/ ٣٥٩).
(٢) في الأصل: "زيد"، وكذا في (ن). والتصويب من (م) و(ب) ومن "المسند".
(٣) الخَشْفة: الحس والحركة، وقيل: هو الصوت، والخَشَفة بالتحريك: الحركة. وقيل: هما بمعنى واحد. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٤).
[ ٣٠٦ ]
فأمحَّص" (^١).
قيل: هذا حديث لا يحتج بإسناده، وقد أدخله أبو الفرج هو والذي قبله في كتاب "الموضوعات"، وقال: أما عبيد اللَّه بن زحر فقال يحيى: ليس بشيء، وعلي بن يزيد (^٢) متروك، وقال ابن حبان: عبيد اللَّه يروي الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد اللَّه بن زحر وعليّ بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم (^٣).
قال أبو الفرج: وبمثل هذا الحديث الباطل يتعلق جَهَلة (^٤) المتزهدين، ويرون أن المال مانع من السبق إلى الخير، ويقولون: إذا كان ابن عوف يدخل الجنة زحفًا لأجل ماله، كفى ذلك في ذم المال، والحديث لا يصح، وحُوشيَ عبدُ الرحمن المشهودُ له بالجنة أن يمنعه ماله السبق؛ لأن جمع المال مباح، وإنما المذموم كسبه من غير وجهه، ومنع الحق الواجب فيه، وعبد الرحمن منزّه عن الحالين.
وقد خلّف طلحة ثلاثمائة حمل من الذهب، وخلّف الزبير وغيره،
_________________
(١) "المسند" (٥/ ٢٥٩). ورواه الطبراني في "الكبير" رقم (٧٩٢٣). وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" رقم (٥٣٤٦): "منكر جدًّا".
(٢) في الأصل هنا وفيما يأتي: "زيد"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ١٤ - ١٥).
(٤) في الأصل و(ب): "جملة"، وهو تحريف.
[ ٣٠٧ ]
ولو علموا أن ذلك مذموم لأخرجوا الكل. وكم قاصّ يتشوّف بمثل هذا الحديث يحثّ على الفقر ويذم الغنى، فلله در العلماء الذين يعرفون الصحيح ويفهمون الأصول، انتهى كلامه (^١).
قلت: وقد بالغ في رد هذا الحديث، وتجاوز في إدخاله في الأحاديث الموضوعة المختلقة على رسول اللَّه ﷺ، وكأنه (^٢) استعظم احتباس عبد الرحمن بن عوف وهو أحد السابقين الأولين المشهود لهم بالجنة عن السبق إليها ودخوله الجنة حبوًا، ورأى ذلك مناقضًا لسبقه ومنزلته التي أعدها اللَّه له في الجنة، وهذا وهم منه ﵀.
وهب أنه وجد السبيل إلى الطعن في هذين الخبرين، أفيجد سبيلًا إلى القدح في حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (^٣)؟
وفي حديث ابن عمرو (^٤) الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن النبي ﷺ: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفًا" (^٥).
_________________
(١) "الموضوعات" لابن الجوزي (٢/ ١٣ - ١٤). قاله بعد حديث عائشة ﵂ السابق.
(٢) الأصل و(م): "وكان" والمثبت من (ن، ب).
(٣) سبق تخريجه (٣٠٠).
(٤) في الأصل وسائر النسخ: "ابن عمر". وهو سهو. والتصويب من "صحيح مسلم". ومما يدل على ذلك أنه سيأتي عند المصنف مرة أخرى ص (٣٩٧) على الصواب.
(٥) "صحيح مسلم" رقم (٢٩٧٩).
[ ٣٠٨ ]
وفي "مسند الإمام أحمد" عنه عن النبي ﷺ: "هل تدرون أول من يدخل الجنة"؟ قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "فقراء المهاجرين الذين يُتقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء" (^١).
وفي "جامع الترمذي" من حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفًا" (^٢).
فهذا الحديث وأمثاله صحيح صريح في سبق فقراء الصحابة إلى الجنة لأغنيائهم، وهم في السبق متفاوتون؛ فمنهم من يسبق بخمسمائة عام، ومنهم من يسبق بأربعين عامًا.
ولا يقدح ذلك في منزلة المتأخرين في الدخول، فإنهم قد يكونون أرفع منزلة ممن سبقهم إلى الدخول وإن تأخروا بعدهم للحساب؛ فإن الإمام العادل يوقف للحساب ويسبقه من لم يلِ شيئًا من أمور المسلمين إلى الجنة، فإذا دخل الإمام العادل بعده كانت منزلته أعلى من منزلة الفقير، بل يكون أقرب الناس من اللَّه منزلة، كما في "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "المقسطون عند اللَّه يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلّوا" (^٣).
_________________
(١) "المسند" (٢/ ١٦٨)، من حديث عبد اللَّه بن عمرو. وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ٧١ - ٧٢)، ووافقه الذهبي.
(٢) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٥٥) بلفظ: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا". وقال: "حديث حسن". وأخرجه الإمام أحمد في "المسند": (٣/ ٣٢٤).
(٣) "صحيح مسلم" رقم (١٨٢٧).
[ ٣٠٩ ]
وفي "الترمذي" من حديث أبي سعيد الخدري عنه ﷺ: "إن أحب الناس إلى اللَّه يوم القيامة وأقربهم مني مجلسًا إمام عادل، وأبغض الناس إلى اللَّه يوم القيامة وأشدهم عذابًا إمام جائر" (^١).
فالإمام العادل والغنيّ قد يتأخر دخوله للحساب، ويكون بعد الدخول أرفع منزلة من الفقير السابق. ولا يلزم من احتباس عبد الرحمن بن عوف لكثرة ماله حتى يحاسبه عليه ثم يلحق برسول اللَّه ﷺ وأصحابه، ولا غضاضة ولا نقص من مرتبته، ولا يضاد ذلك سبقه وكونه مشهودًا له بالجنة.
وأما حديث دخوله الجنة زحْفًا؛ فالأمر فيه كما قاله الإمام أحمد أنه كذب منكرٌ، وكما قال النسائي: إنه موضوع (^٢).
ومقامات عبد الرحمن في الإسلام وهجرتُه وجهاده ونفقاته العظيمة وصدقاته = تقتضي دخوله إلى الجنة مع المارّين كالبرق أو كالطرف أو كأجاويد الخيل، ولا يدعه يدخلها زحفًا.
_________________
(١) "جامع الترمذي" رقم (١٣٢٩) بلفظ: "إن أحبّ الناس إلى اللَّه يوم القيامة وأدناهم منه مجلسّا: إمام عادل، وأبغض الناس إلى اللَّه وأبعدهم منه مجلسا: إمام جائر". وقال: "حديث حسن غريب".
(٢) وقد سبق ذلك قريبًا. واعلم أنه لا تعارض في كلام ابن القيم هنا، كما قد يظنه البعض، فالأحاديث الواردة في حق الصحابي الجليل هنا نوعان: حديث احتباسه وتأخره، وأحاديث دخوله الجنة حبوًا أو زحفًا. أما حديث الاحتباس فلا يصل عند ابن القيم إلى مرتبة الموضوع والكذب بخلاف، حديث الزحف. واللَّه أعلم.
[ ٣١٠ ]
فصل
واللَّه سبحانه كما هو خالق الخلق، فهو خالق ما به غناهم وفقرهم، وخالق غناهم وفقرهم، فخلَقَ الغنى والفقر ليبتلي بهما عباده أيهم أحسن عملًا، وجعلهما سببًا للطاعة والمعصية والثواب والعقاب، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥]. قال ابن عباس: "بالشدة والرخاء والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام، وكلها بلاء" (^١).
وقال ابن زيد: "نبلوكم بما تحبون وما تكرهون؛ لننظر كيف شكركم وصبركم فيما تحبون وفيما تكرهون" (^٢).
وقال الكلبي: "الشرّ بالفقر والبلاء، والخير بالمال والولد" (^٣).
فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيّتا الابتلاء والامتحان.
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧] فأخبر سبحانه أنه يبتلي عبده بإكرامه له وتنعيمه له، وبسط الرزق عليه، كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره عليه، وأن كليهما ابتلاء منه وامتحان.
ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط الرزق وتوسعته إكرام من اللَّه
_________________
(١) رواه ابن جرير في "تفسيره" (١٧/ ٢٥)، واللالكائي في "شرح الاعتقاد" رقم (١٠٠٧).
(٢) رواه ابن جرير في "تفسيره" (١٧/ ٢٥).
(٣) لم أقف عليه.
[ ٣١١ ]
لعبده، وأن تضييقه عليه إهانة منه له، فقال: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما يقول الإنسان بل قد أبتلي بنعمتي وأنعم ببلائي.
وإذا تأملت ألفاظ الآية وجدت هذا المعنى يلوح على صفحاتها ظاهرًا للمتأمّل.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
فأخبر سبحانه أنه زيّن الأرض بما عليها من المال وغيره للابتلاء والامتحان، كما أخبر أنه خلق الموت والحياة لذلك، وخلق السماوات والأرض لهذا الابتلاء أيضًا.
فهذه ثلاثة مواضع في القرآن يخبر فيها سبحانه أنه خلق العالم العلويّ والسفليّ وما بينهما، وأجل العالم وأجل أهله، وأسباب معايشهم التي جعلها زينة للأرض من الذهب والفضة والمساكن والملابس والمراكب والزرع والثمار والحيوان والنساء والبنين وغير ذلك = كل ذلك خلقه للابتلاء والامتحان؛ ليختبر خلقه أيهم أطوع وأرضى له، فهو الأحسن عملًا.
وهذا هو الحق الذي خلق به وله السماوات والأرض وما بينهما، وغايته الثواب والعقاب. وفواته وتعطيله هو العبث الذي نزّه اللَّه نفسه وأخبر أنه يتعالى عنه، وأن ملكه الحق، وتفرّده بالإلهية وحده، وبربوبيته كل شيء، ينفي هذا الظنّ الباطل والحسبان الكاذب، كما قال تعالى:
[ ٣١٢ ]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦].
فنزّه سبحانه نفسه عن ذلك، كما نزّهها عن الشريك والولد والصاحبة وسائر العيوب والنقائص من السِّنة والنوم واللغوب والحاجة واكتراثه بحفظ السّماوات والأرض، وتقدم الشفعاء بين يديه بدون إذنه كما يظنه أعداؤه المشركون، وخفاء بعض أمر الخلق عليه كما يظنه أعداؤه الذين يُخرجون عن علمه جزئيات العالم أو شيئًا منها.
فكما أن كماله المقدس وكمال أسمائه وصفاته يأبى ذلك ويمنع منه، فكذلك يُبطل خلقه لعباده عبثما وتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يردهم إليه؛ فيثيب محسنهم بإحسانه ومسيئهم بإساءته، ويعرّف المبطلين منهم أنهم كانوا كاذبين، ويشهدهم أن رسله وأتباعهم كانوا أولى بالصدق والحق منهم.
فمن أنكر [ذلك فقد أنكر] (^١) إلهيته وربوبيته وملكه الحق، وذلك عين الجحود والكفر به سبحانه، كما قال المؤمن لصاحبه الذي حاوره في المعاد وأنكره: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ [الكهف: ٣٧]، فأخبر أن إنكاره للمعاد كفر بذات الرب سبحانه.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥]، وذلك أن إنكار المعاد يتضمن إنكار قدرة الربّ وعلمه وحكمته وملكه الحق وربوبيته
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣١٣ ]
وإلهيته، كما أن تكذيب رسله وجحد رسالتهم يتضمن ذلك أيضًا، فمن كذّب رسله وجحد المعاد؛ فقد أنكر ربوبيته سبحانه، ونفى أن يكون ربًّا للعالمين.
والمقصود: أنه سبحانه خلق الغنى والفقر مطيتين للابتلاء والامتحان، ولم ينزل المال لمجرد الاستمتاع به، كما في "المسند" عنه ﷺ قال: "يقول اللَّه تعالى: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم وادٍ من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له ثانٍ لابتغى له ثالثًا، ولا يملأ جوت ابن آدم إلا التراب" (^١)، فأخبر سبحانه أنه أنزل المال ليستعان به على إقامة حقه بالصلاة، وإقامة حق عباده بالزكاة، لا للاستمتاع والتلذذ كما تاكل الأنعام.
فإذا زاد المالُ على ذلك أو خرج عن هذين المقصودين، فات الغرضُ والحكمةُ التي أُنزل لها وكان التراب أولى به، فرجع هو والجوف الذي امتلأ بمحبته وجمعه إلى التراب الذي هو أصله، فلم ينتفع صاحبه به، ولا انتفع الجوف الذي امتلأ به (^٢) بما خُلق له من الإيمان والعلم والحكمة. فإنه خُلق لأن يكون وعاء لمعرفة ربه وخالقه، والإيمان به، ومحبته وذكره، وأنزل عليه من المال ما يستعين به على ذلك، فعطل (^٣) جوفه عما خُلق له وملأه بمحبة المال (^٤) وجمعه والاستكثار منه، ومع
_________________
(١) "المسند" (٥/ ٢١٨ - ٢١٩). وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (١٦٣٩).
(٢) "به" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) بعد هذه الكلمة في (م) و(ن): "الجاهل باللَّه وبأمر اللَّه وبتوحيد اللَّه وأسماء اللَّه وصفاته". وفي (ب): "الجاهل باللَّه وبأمر اللَّه وبتوحيد اللَّه وبأسمائه وصفاته".
(٤) بعد هذه الكلمة في (م): "وجمعه الفاني الذاهب الذي هو ذاهب عن صاحبه أو =
[ ٣١٤ ]
ذلك فلم يمتلئ بل ازداد فقرًا وحرصًا إلى أن امتلأ (^١) جوفه بالتراب الذي خُلق منه، فرجع إلى مادته الترابية التي خُلق منها هو وماله، ولم تتكمل مادته بامتلاء جوفه من العلم والإيمان الذي بهما كماله وفلاحه وسعادته في معاشه ومعاده.
فالمال إن لم ينفع صاحبه ضرّه ولا بدّ، وكذلك العلم والملك والقدرة كل ذلك إن لم ينفعه ضرّه، فإن هذه الأمور وسائل لمقاصد يتوسل بها إليها في الخير والشر، فإن عُطلت عن التوسل بها إلى المقاصد والغايات المحمودة تُوُسِّل بها إلى أضدادها.
فأربح الناس من جعلها وسائل إلى اللَّه والدار الآخرة وذلك الذي ينفعه في معاشه ومعاده، وأخسر الناس من توسّل بها إلى هواه ونيل شهواته وأغراضه العاجلة فخسر الدنيا والآخرة. فهذا لم يجعل الوسائل مقاصد، ولو جعلها كذلك لكان خاسرًا، لكنه جعلها وسائل إلى ضد ما جُعلت له، فهو بمثابة من توسل بأسباب اللّذة إلى أعظم الآلام وأدومها.
فالأقسام أربعة لا خامس لها:
أحدها: معطلٌ للأسباب معرض عنها.
الثاني: مكبّ عليها واقف مع جمعها وتحصيلها.
الثالث: متواصل بها إلى ما يضرّه أو لا ينفعه في معاشه ومعاده.
_________________
(١) = بالعكس". وفي (ب) و(ن): "الفاني الذاهب الذي هو ذاهب عن صاحبه أو بالعكس".
(٢) في الأصل: "أملأ". حيث سقطت التاء. والاستدراك من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣١٥ ]
فهؤلاء الثلاثة في الخسران.
الرابع: متوصل بها إلى ما ينفعه في معاشه ومعاده، وهو الرابح.
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦].
وقد أشكل فهمُ هذه الآية على كثير من الناس، حيث فهموا منها: أن من كان له إرادة في الدنيا وزينتها فله هذا الوعيد، ثم اختلفوا في معناها:
- فقالت طائفة منهم ابن عباس: من كان يريد تعجيل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ولا بالثواب والعقاب. قالوا: فالآية في الكفار خاصة على قول ابن عباس.
وقال قتادة: من كانت الدنيا همّه وسدمه (^١) ونيته وطَلَبه جازاه اللَّه في الدنيا بحسناته (^٢)، ثم يُفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يُجَازى بها، وأما المؤمن فيُجزى في الدنيا بحسناته، ويثاب عليها في الآخرة.
قال هؤلاء: فالآية في (^٣) حق الكفار بدليل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٦].
_________________
(١) تحرفت في (ن): "بشدته" السّدم: اللهج والولوع بالشيء. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٢/ ٣٥٥).
(٢) الأصل: "وطلبته. . . في حسناته"! والمثبت من بقية النسخ.
(٣) "في" ساقطة من الأصل، واستدركتها من (م) و(ن).
[ ٣١٦ ]
قالوا: والمؤمن يريد الدنيا والآخرة، فأما من كانت إرادته مقصورة على الدنيا فليس بمؤمن (^١).
- وقال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه: نزلت في أهل القبلة.
قال مجاهد: هم أهل الرياء.
وقال الضحاك: من عمل صالحًا من أهل الإيمان من غير تقوى عجّل له ثواب عمله في الدنيا (^٢).
واختار الفراء هذا القول، وقال: من أراد بعمله من أهل القبلة ثواب الدنيا عجل له ثوابه ولم يبخس (^٣).
وهذا القول أرجح، ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهذا لا يكون مؤمنًا ألبتة، فإن العاصي والفاسق ولو بالغا في المعصية والفسق فإيمانهما يحملهما على أن يعملا أعمال البر للَّه، فيريدان بأعمال البرّ (^٤) وجه اللَّه وإن عملا بمعصيته، فأما من لم يرد بعمله وجه اللَّه إنما أراد به الدنيا وزينتها فهذا لا يدخل في دائرة أهل الإيمان. وهذا هو الذي فهمه معاوية من الآية، واستشهد بها على حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في
_________________
(١) انظر: "تفسير ابن جرير" (١٢/ ١١) لقول ابن عباس ﵁. و(١٢/ ١٢) لقول قتادة.
(٢) انظر لقول مجاهد والضحاك: "تفسير ابن جرير" (١٢/ ١٢)، و"زوائد نعيم بن حماد على الزهد لابن المبارك" رقم (٦٠). وانظر لقول ابن عباس في رواية أبي صالح: "زاد المسير" (٤/ ٨٤).
(٣) انظر "معاني القرآن": (٢/ ٦) للفراء.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣١٧ ]
"صحيحه" (^١) في الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة: القارئ الذي قرأ القرآن ليقال: فلان قارئ، والمتصدق الذي أنفق أمواله ليقال: فلان جواد، والغازي الذي قُتل في الجهاد ليقال: هو جريء (^٢).
وكما أن خيار خلق اللَّه هم النبيُّون والصديقون والشهداء والصالحون، فشرار الخلق من تشبّه بهم وليس منهم، فمن تشبّه بأهل الصدق والإخلاص وهو مرائي، كمن تشبّه بالأنبياء وهو كاذب.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن إدريس قال: أخبرني عبد الحميد بن صالح حدثنا قطرب بن الحباب (^٣) عن عبد الوارث عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون اللَّه ﷿ للدنيا، وفرقة يعبدونه رياء وسمعة، وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره، فيقول للذين يعبدونه للدنيا: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك (^٤): الدنيا، فيقول: إني لم أقبل من ذلك شيئًا اذهبوا بهم إلى
_________________
(١) "صحيح مسلم" رقم (١٩٠٥).
(٢) الحديث رواه مسلم في "صحيحه"، أما استشهاد معاوية به على ما فهمه من الآية، فرواه: الترمذي في "جامعه" رقم (٢٣٨٢) وقال: "حديث حسن غريب".
(٣) هكذا في الأصل: "قطرب بن الحباب". وفي النسخ الثلاث الأخرى: "قطن بن الحباب". وفي "ذم الدنيا": "قطري الخشاب"، ولعله الصواب، وانظر في ترجمة قطري: "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٠٣)، و"تاريخ بن معين" -رواية الدوري رقم (٢٩٦٧) -.
(٤) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣١٨ ]
النار. ويقول للذين كانوا يعبدونه رياء وسمعة: [بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك: رياء وسمعة] (^١) قال: فإني لم أقبل من ذلك شيئًا، اذهبوا بهم إلى النار. ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه وداره: بعزتي وجلالي ومكاني ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك: وجهك ودارك (^٢). فيقول: صدقتم اذهبوا بهم إلى الجنة" (^٣).
هذا حديث غني عن الإسناد، والقرآن والسنة شاهدان بصدقه، ويدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، فدلّ على أنها في قوم لهم أعمال لم يريدوا بها وجه اللَّه، وإنما أرادوا بها الدنيا ولها عملوا، فوفّاهم اللَّه ثواب أعمالهم فيها من غير بخس، فأفضوا إلى الآخرة بغير عمل يستحقون عليه الثواب. وهذا لا يقع ممن يؤمن بالآخرة إلا كما يقع منه كبائر الأعمال وقوعًا عارضًا يتوب منه ويراجع التوحيد.
قال ابن الأنباري (^٤): فعلى هذا القول المعنى: قومٌ من أهل الإسلام يعملون العمل الحسن لتستقيم لهم الدنيا، غير مفكرين في الآخرة وما ينقلبون إليه، فهؤلاء يعجّل لهم جزاء حسناتهم في الدنيا، فإذا جاءت
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) "ذم الدنيا" لابن أبي الدنيا رقم (٤١٣). ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٦٨٠٨).
(٤) هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار البغدادي الحافظ الأديب النحوي اللغوي، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، من تصانيفه: كتاب المشكل في معاني القرآن. انظر: "تاريخ بغداد": (٣/ ١٨٢).
[ ٣١٩ ]
الآخرة كان جزاؤهم عليها النار، إذ لم يريدوا بها وجه اللَّه، ولم يقصدوا التماس ثوابه وأجره.
ثم أورد أصحاب هذا القول على أنفسهم سؤالًا قالوا: فإن قيل: الآية الثانية على هذا القول توجب تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار.
وأجابوا عنه: بأن ظاهر الآية يدل على أن من راءى بعمله ولم يلتمس به ثواب الآخرة بل كانت نيته به الدنيا، فإن اللَّه يبطل إيمانه عند الموافاة، فلا يوافي ربه بالإيمان.
قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿وحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٦]، وهذا يتناول الإيمان وفروعه.
وأجابت فرقة أخرى: بأن الآية لا (^١) تقتضي الخلود الأبدي في النار، وإنما تقتضي أن الذي يستحقونه في الآخرة النار، وأنهم ليس لهم عمل صالح يرجون به النجاة، فإذا كان مع أحدهم عمود التوحيد فإنه يخرج به من النار مع من يخرج من أصحاب الكبائر الموحدين، وهذا جواب ابن الأنباري وغيره.
والآية بحمد اللَّه لا إشكال فيها. واللَّه سبحانه ذكر جزاء (^٢) من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا حبط ما ينجو به وبطل لم يبقَ معه ما يُنجيه، فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها بل أراد به اللَّه ورسوله والدار الآخرة، لم يدخل هذا
_________________
(١) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣٢٠ ]
الإيمان في العمل الذي حبط وبطل، وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة المطلقة.
فالإيمان إيمانان: إيمان يمنع دخول النار، وهو: الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال للَّه يُبتغى بها وجهه وثوابه. وإيمان يمنع الخلود في النار، فإن كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد، واللَّه الموفق.
وكذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٨ - ١٩].
فهذه ثلاثة مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضًا، ويصدّق بعضها بعضًا، وتجتمع على معنى واحد، وهو: أن من كانت الدنيا مراده، ولها يعمل، وهي غاية كَدْحِهِ (^١)، لم يكن له في الآخرة نصيب. ومن كانت الآخرة مراده، ولها عمله، وهي غاية سعيه، فهي له.
بقي أن يُقال: فما حكم من يريد الدنيا والآخرة، فإنه داخل تحت حكم الإرادتين فبأيهما يلحق؟
قيل: من هاهنا نشأ الإشكال وظن من ظن من المفسرين أن الآية في حق الكافر، فإنه هو الذي يريد الدنيا دون الآخرة، وهذا غير لازم طردًا ولا عكسًا؛ فإن بعض الكفار قد يريد الآخرة، وبعض المسلمين قد لا
_________________
(١) في النسخ الثلاث الأخرى: "سعيه".
[ ٣٢١ ]
يكون مراده إلا الدنيا، واللَّه تعالى قد علّق السعادة بإرادة الآخرة، والشقاوة بإرادة الدنيا، فإذا تجرّدت الإرادتان تجرّد موجبهما ومقتضاهما، وإن اجتمعتا فحكم اجتماعهما حكم اجتماع البر والفجور والطاعة والمعصية والإيمان والشرك في العبد.
وقد قال تعالى لخير الخلق بعد الرسول ﷺ: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة ولم يكن فيهم منافق، ولهذا قال عبد اللَّه بن مسعود: "ما شعرت أن أحدَا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يريد الدنيا حتى كان يوم أحد ونزلت هذه الآية" (^١).
والذين أرادوا في هذه الآية هم الذين أخلوا مركزهم الذي أمرهم رسول اللَّه ﷺ بحفظه وهم من خيار المسلمين، ولكن هذه إرادة عارضة حملتهم على ترك المركز والإقبال على كسب الغنائم، بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها، فهذه الإرادة لون وإرادة هؤلاء لون.
وههنا أمر يجب التنبّه له، وهو: أنه لا يمكن إرادة الدنيا وعاجلها بأعمال البر دون الآخرة مع الإيمان باللَّه ورسوله ولقائه أبدًا، فإن الإيمان باللَّه والدار الآخرة يستلزم إرادة العبد وجه اللَّه والدار الآخرة بأعماله،
_________________
(١) رواه ابن جرير في "تفسيره" (٤/ ١٣٠)، وابن أبي عاصم في "الزهد" رقم (٢٠٣)، والطبراني في "الأوسط" رقم (١٣٩٩). ورواه بمعناه: أحمد في "المسند" (١/ ٤٦٣)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٦٧٨٣). وصححه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٣٤٩).
[ ٣٢٢ ]
فحيث كان مراده بها الدنيا فهذا لا يجامع الإيمان أبدًا، وإن جامع الإقرارَ والعلمَ، فالإيمان وراء ذلك، فالإقرار والمعرفة حاصل لمن شهد اللَّه سبحانه له بالكفر مع هذه المعرفة كفرعون وقوم ثمود واليهود الذين شاهدوا رسول اللَّه ﷺ وعرفوه كما عرفوا أبناءهم، وهم من أكفر الخلق. فإرادة الدنيا (^١) بالأعمال قد تجامع هذه المعرفة والعلم، ولكن الإيمان الذي هو وراء ذلك لا بد أن يريد صاحبه بأعماله اللَّه والدار الآخرة، واللَّه المستعان.
_________________
(١) في النسخ الثلاث زيادة: "وعاجلها" بعد "الدنيا".
[ ٣٢٣ ]
فصل
والمقصود: أنه سبحانه جعل الغنى والفقر ابتلاءً وامتحانًا للشكر والصبر والصدق والكذب والإخلاص والشرك. قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [التغابن: ١٥].
فجعل الدنيا عرضًا عاجلًا ومتاع غرور، وجعل الآخرة دار جزاء وثواب، وحفّ الدنيا بالشهوات وزيّنها بها، كما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
فأخبر سبحانه أن هذا الذي زيّن به الدنيا من ملاذّها وشهواتها وما هو غاية أماني طُلاّبها ومؤثريها على الآخرة، وهو سبعة أشياء:
- النساء اللاتي هنّ أعمّ زينتها وشهواتها وأعظمها فتنة.
- والبنين الذين بهم جمال الرجل وفخره وكثرته (^١) وعزه.
- والذهب والفضة اللذين هما مادة الشهوات على اختلاف أجناسها وأنواعها.
- والخيل المسومة التي هي عز أصحابها وفخرهم وحصونهم، وآلة
_________________
(١) في (ب): "وكرمه".
[ ٣٢٤ ]
قهرهم لأعدائهم في طلبهم وهربهم.
- والأنعام التي منها ركوبهم وطعامهم ولباسهم وأثاثهم وأمتعتهم وغير ذلك من مصالحهم.
- والحرث الذي هو مادة قُوتهم وقوت أنعامهم ودوابهم وفاكهتهم وأدويتهم وغير ذلك.
ثم أخبر سبحانه أن ذلك كله متاع الحياة الدنيا، ثم شوّق عباده إلى متاع الآخرة، وأعلمهم أنه خير من هذا المتاع وأبقى، فقال: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾ [آل عمران: ١٥].
ثم ذكر سبحانه من يستحق هذا المتاع ومَنْ هم أهله الذين هم أولى به، فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٦ - ١٧].
فأخبر أن ما أعدّه لأوليائه المتقين من متاع الآخرة خير من متاع الدنيا، وهو نوعان: ثواب يتمتعون به، وأكبر منه وهو: رضوانه عليهم.
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: ٢٠].
فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهدًا لأولي البصائر، وأنها لعب ولهو تلهو به النفوس، وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا
[ ٣٢٥ ]
حقيقة لهما، وإنما هما مشغلة للنفس مضيعة للوقت يقطع بهما الجاهلون العمر فيذهب ضائعًا في غير شيء.
ثم أخبر: أنها زينة زينت للعيون وللنفوس فأخذت بالعيون والنفوس استحسانًا ومحبة، ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها، ولآثرت عليها الآخرة، ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى.
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه (^١) عن النبي ﷺ قال: "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنبا كمثل راكب قال (^٢) في ظل شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها" (^٣).
وفي "جامع الترمذي" من حديث سهل بن سعد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لو كانت الدنيا تزن عند اللَّه جناح بعوضة ما سقي كافرًا منها شربة" ماء". قال الترمذي: حديث صحيح (^٤).
وفي "صحيح مسلم" من حديث المستورد بن شداد قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدُكم إصبَعه في
_________________
(١) جملة: "عن عبد اللَّه"، مكررة في الأصل.
(٢) أي استراح نصف النهار. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٤/ ١٣٣).
(٣) "المسند" (١/ ٤٤١). ورواه الترمذي في جامعه رقم (٢٣٧٧). وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في "سننه" رقم (٤١٠٩).
(٤) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٢٠)، وفيه "تعدل" بدل "تزن". وقال: "حديث صحيح غريب من هذا الوجه".
[ ٣٢٦ ]
اليمّ؛ فلينظر بماذا يرجع" (^١).
وفي "الترمذي" من حديثه قال: كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول اللَّه ﷺ على السَّخْلة الميتة، فقال رسول اللَّه ﷺ: "أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها"، قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول اللَّه (^٢)، قال: "فالدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها" (^٣).
وفي "الترمذي" أيضًا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر اللَّه وما والاه، وعالم أو متعلم" (^٤).
والحديثان حسنان.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هيثم بن خارجة: أنبأنا إسماعيل بن عياش عن عبد اللَّه بن دينار البهراني قال: قال عيسى ابن مريم ﵇ للحواريين: "بحق أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وإن عباد اللَّه ليسوا بالمتنعمين. بحق أقول لكم: إن شرّكم عملًا عالم يحب الدنيا فيؤثرها على الآخرة، أنه لو
_________________
(١) "صحيح مسلم" رقم (٢٨٥٨) نحوه. وفي النسخ الثلاث الأخرى بعد قوله: "يرجع": "وأشار بالسبابة".
(٢) وقع في الأصل بعد لفظ الجلالة كلمة: "القوها". والمثبت موافق للنسخ الثلاث الأخرى.
(٣) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٢١). وقال: "حديث حسن غريب". ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١١١).
(٤) "جامع الترمذي" رقم (٢٣٢٢)، وقال: "حديث حسن غريب". ورواه ابن ماجه في "سننه" رقم (٤١١٢).
[ ٣٢٧ ]
يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله" (^١).
وقال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، قال: أخبرني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: قال عيسى ابن مريم: "يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر دارًا؟ " قالوا: يا روح اللَّه ومن يقدر على ذلك؟ قال: "إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارًا" (^٢).
وفي كتاب "الزهد" لأحمد: أن عيسى ابن مريم كان يقول: "بحق أقول لكم: إن أكل خبز البُرّ وشرب الماء العذْب ونومًا على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس" (^٣).
وفي "المسند" عنه ﷺ: "إن اللَّه ضرب طعام ابن آدم مثلًا للدنيا، وإن قزّحه وملّحه، فلينظر إلى ماذا يصير" (^٤).
_________________
(١) "الزهد" للإمام أحمد رقم (٤٨٤). ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٣٨).
(٢) "الزهد" رقم (٣٢٥). ورواه أيضًا أحمد في "الزهد" رقم (٤٨١)، وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (٤٧٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٤٣٠) من غير طريق مكحول.
(٣) "الزهد" رقم (٣٢٦). ورواه ابن عساكر في "تاريخ مشق" (٤٧/ ٤٤٣ - ٤٤٤).
(٤) "المسند" (٥/ ١٣٦)، وهو من زوائد عبد اللَّه، من حديث أبي بن كعب ﵁. وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (٣٨٢). وقزّحه أي: تَوْبله من القِزْح وهو التابل الذي يُطرح في القدر، كالكمون والكزبرة ونحو ذلك. "النهاية" لابن الأثير (٤/ ٥٨).
[ ٣٢٨ ]
فصل
ثم أخبر تعالى عنها أنها تفاخرٌ بيننا، يفاخر بعضُنا بعضًا بها، فيطلبها ليفخر بها على صاحبه، وهذا حال كل من طلب منها شيئًا للمفاخرة من مال أو جاه أو قوة أو علم أو زهد.
والمفاخرة نوعان: مذمومة ومحمودة.
فالمذمومة: مفاخرة أهل الدنيا بها.
والمحمودة: أن يطلب المفاخرة في الآخرة، فهذه من جنس المنافسة المأمور بها (^١)، وهي أن الرجل ينفس على غيره بالشيء، أي: يغار أن يناله دونه، ويأنف من ذلك ويحمي أنفه له.
يُقال: نفِستُ عليه الشيءَ، أنفَسه نفاسة إذا ضننت به، ولم تحبّ أن يصير إليه دونك، والتنافس تفاعل من ذلك، كأن كل واحد من المتنافسين يريد أن يسبق صاحبه إليه، وحقيقة المنافسة الرغبة التامة والمبادرة والمسابقة إلى الشيء النفيس.
فصل
ثم أخبر تعالى عنها أنها تكاثر في الأموال والأولاد؛ فيحبُّ كلُّ واحد أن يَكْثَر بني جنسه في ذلك، ويفرح بأن يرى نفسه أكثر من غيره مالًا وولدًا وأن يقال فيه ذلك، وهذا من أعظم ما يلهي النفوس عن اللَّه والدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (^٢)
_________________
(١) كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦].
(٢) (ب): أكملت السورة حتى الآية الرابعة.
[ ٣٢٩ ]
[التكاثر: ١ - ٢].
والتكاثر في كل شيء، فكل من ألهاه وشغله التكاثر بأمر من الأمور عن اللَّه والدار الآخرة، فهو داخل في حكم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا، وهذا أسوأ حالًا عند اللَّه ممن يكاثر بالمال والجاه فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا (^١)، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها.
فصل
ثم أخبر سبحانه عن مصير الدنيا وحقيقتها وأنها بمنزلة غيث أعجب الكفار نباته.
والصحيح -إن شاء اللَّه- أن الكفار هم الكفار باللَّه، وذلك عرفُ القرآن حيث ذكروا بهذا النعت في كل موضع، ولو أراد الزّراع، لذكرهم باسمهم الذي يعرفون به، كما ذكرهم به في قوله تعالى ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وإنما خصّ الكفار بالإعجاب لأنهم أشد إعجابًا بالدنيا، فإنها دارهم التي لها يعملون ويكدحون، فهم أشد إعجابًا بزينتها وما فيها من المؤمنين.
ثم ذكر سبحانه عاقبة هذا النبات وهو اصفراره ويبسه، وهذا آخر الدنيا ومصيرها، ولو ملكها العبد من أولها إلى آخرها فنهايتها ذلك.
_________________
(١) في الأصل: "فإنه جعل أسباب الدنيا للآخرة". والمثبت من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣٣٠ ]
فإذا كانت الآخرة انقلبت الدنيا واستحالت إلى عذاب شديد، أو مغفرة من اللَّه وحسن ثوابه وجزائه، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: "الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومطلب نجح لمن سالم. فيها مساجد أنبياء اللَّه، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، فيها اكتسبوا الرحمة، وربحوا فيها العافية، فمن ذا يذمّها وقد آذنت بنيها، ونَعَتْ نفسها وأهلها، فتمثلت ببلائها، وشوّقت بسرورها إلى السرور تخويفًا وتحذيرًا وترغيبًا، فذمّها قوم غداة الندامة، وحمدها آخرون؛ ذكّرتهم فذكروا، ووعظتهم فاتعظوا. فيا أيها الذّامّ للدنيا المغترّ بتغريرها متى استذمّت إليك؟ بل متى غرّتك؟ أبمنازل آبائك في الثرى، أم بمضاجع أمهاتك في البلى؟! كم رأيت موروثًا، كم علّلتَ بكفَّيْك عليلًا، كم مَرّضتَ مريضًا بيديك تبتغي له الشفاء، وتستوصف له الأطباء؟ لم تنفعه شفاعتك، ولم تسعفه طلبتك، مُثّلت لك الدنيا غداة مصرعه ومصرعك" (^١). ثم التفت إلى المقابر فقال: "يا أهل الغربة ويا أهل التربة أما الدور فسُكنت، وأما الأموال فقُسمت، وأما الأزواج فنُكحت، فهذا خبر ما عندنا، فهاتوا خبر ما عندكم". ثم التفت إلينا فقال: "أمَا لو أُذن لهم لأخبروكم أن خير الزاد التقوى" (^٢).
فالدنيا في الحقيقة لا تذم وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهي قنطرة ومعبر إلى الجنة أو النار. ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن اللَّه والدار الآخرة، فصار هذا هو
_________________
(١) بعد هذه الكلمة في النسخ الثلاث الأخرى: "ومضجعه ومضجعك".
(٢) رواه عنه: ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" رقم (١٤٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٢/ ٤٩٨ - ٤٥٠) و(٥٨/ ٦٩ - ٧٠).
[ ٣٣١ ]
الغالب على أهلها وما فيها، وهو الغالب على اسمها، صار لها اسم الذم عند الإطلاق، وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة وفيها اكتسبت النفوس الإيمان ومعرفة اللَّه ومحبته وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها.
وكفى بها مدحًا وفضلًا ما لأولياء اللَّه فيها من قرة العيون، وسرور القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته والإقبال عليه والاشتغال به عن (^١) سواه، وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحُه الذي ألقاه من أمره فاجتبى (^٢) به من شاء من عباده.
ولقد فضّل ابن عقيل (^٣) وغيره هذا على نعيم الجنة، وقالوا: هذا حق اللَّه عليهم وذاك حظهم ونعيمهم، وحقه أفضل من حظهم (^٤).
قالوا: والإيمان والطاعة أفضل من جزائه.
والتحقيق: أنه لا يصح التفضيل بين أمرين في دارين مختلفين، ولو أمكن اجتماعهما في دار واحدة لأمكن طلب التفضيل.
_________________
(١) في (ب): "عمن".
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "فأخبر".
(٣) هو أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي. وله مصنف في هذا الموضوع أسماه: "تفضيل العبادات على نعيم الجنات" وقد أشار إليه ابن رجب في كتابه "استنشاق نسيم الأنس" ص ٩٨ دون تصريح بنسبته إلى ابن عقيل، ثم شرع في نقد هذه التسمية. (العمير).
(٤) في (ب): "حقهم".
[ ٣٣٢ ]
فالطاعة والإيمان في هذه الدار أفضل ما فيها، ودخول الجنة والنظر إلى وجه اللَّه وسماع كلامه والفوز برضاه أفضل ما في الآخرة.
فهذا أفضل ما في هذه الدار، وهذا أفضل ما في الدار الأخرى، ولا يصح أن يُقال: فأي الأمرين أفضل؟ بل هذا أفضل الأسباب، وهذا أفضل الغايات، وباللَّه التوفيق.
فصل
ولما وصف سبحانه حقيقة الدنيا وبيّن غايتَها ونهايتها وانقلابها في الآخرة إلى عذاب شديد ومغفرة وثواب، أمر عباده بالمسابقة والمبادرة إلى ما هو خير وأبقى، وأن يؤثروه على الفاني المنقطع المشوب بالأنكاد والتنغيص (^١).
ثم أخبر أن ذلك فضله يؤتيه من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ [الكهف: ٤٥].
ثم ذكر سبحانه أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وأن الباقيات الصالحات -وهي: الأعمال والأقوال الصالحة التي يبقى ثوابها ويدوم
_________________
(١) وذلك في قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١].
(٢) وذلك في قوله في الآية السابقة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
[ ٣٣٣ ]
جزاؤها- خير ما يؤمله العبد ويرجو ثوابه (^١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤].
ولما أخبر عن آفات هذه الدار دعا عباده إلى دار السلام التي سلمت من التغيير والاستحالة والزوال والفناء، وعمّ عباده بالدعوة إليها عدلًا، وخص من شاء بالهداية إلى طريقها فضلًا (^٢).
وأخبر سبحانه أن الأموال والأولاد لا تقرّب الخلق إليه، وإنما يقربهم إليه تقوى اللَّه ومعاملته فيهم (^٣).
وحذر سبحانه عباده أن (^٤) تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكره، وأخبر أن من فعل ذلك فهو الخاسر حقيقة لا من قل ماله وولده في الدنيا (^٥).
_________________
(١) وذلك في قوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].
(٢) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
(٣) وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧].
(٤) الأصل: "في أن".
(٥) قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩].
[ ٣٣٤ ]
ونهى نبيه ﷺ أن يمد عينيه إلى ما متع به أهل الدنيا فيها فتنة لهم واختبارًا، وأخبر أن رزقه الذي أعده له في الآخرة خير وأبقى من هذا الذي مُتّعوا به (^١).
وأخبر سبحانه أنه آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم وذلك خير وأفضل مما متعّ به أهل الدنيا في دنياهم، وجعل ما آتاه مانعًا له من مدّ عينيه إلى ذلك، فهذا العطاء في الدنيا وما ادّخر له من رزق الآخرة خير مما متعّ به أهل الدنيا، فلا تمدّن عينيك إليه (^٢).
_________________
(١) قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١]
(٢) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٧].
[ ٣٣٥ ]
فصل
وإذا عُرف أن الغِنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من اللَّه لعبده يمتحن بها صبره وشكره، عُلم أن الصبر والشكر مطيتان للإيمان لا يُحمل إلا عليهما، ولا بد لكل مؤمن منهما، وكل منهما في موضعه أفضل، فالصبر في مواطن الصبر أفضل، والشكر في مواطن الشكر أفضل.
هذا إن صح مفارقة كل منهما للآخر، وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر، والشكر جزء مسمى الصبر، وكل منهما حقيقة مركبة من الأمرين معًا كما تقدّم بيانه، فالتفضيل بينهما لا يصح إلا إذا جرّد أحدهما عن الآخر، وذلك فرض ذهني يقدره الذهن لا يوجد في الخارج.
ولكن يصح على وجه وهو: أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذي هو قدر زائد على مجرد الصبر من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر النفس على ما هو فيه لقوة الوارد (^١) وضيق المحل، فتنصرف قواه كلها إلى كف النفس وحبسها للَّه، [وقد يغلب شكره بالأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه لنفسه وحبسها للَّه] (^٢) فتكون قوة إرادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه.
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى، مع ملاحظة أن كلمة: "على" ليست في (م) و(ن)، ولفظ الجلالة، غير موجود في (ب).
[ ٣٣٦ ]
واعتبر (^١) هذا بشخصين: أحدهما حاكم على نفسه، متمكن من حبسها عن الشهوات قليل التشكي للمصيبات، وذلك جلُّ عمله.
وآخر كثير الإعطاء لفعل الخير القاصر والمتعدي، سمح النفس ببذل المعروف والبرّ، ضعيف النفس عن قوة الصبر.
فللنفس قوتان: قوة الصبر والكف وإمساك النفس، وقوة البذل وفعل الخير والإقدام على فعل ما تكمل به. وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها.
والناس في ذلك أربع طبقات، فأعلاهم من اجتمعت له القوتان، وأسفلهم من عُدم القوتين، ومنهم من قوة صبره أكمل من قوة فعله وبذله، ومنهم من هو بعكس ذلك.
فإذا فُضِّل الشكر على الصبر؛ فإما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام، وإما أن يكون باعتبار تجريد كل من الأمرين عن (^٢) الآخر وقطع النظر عن اعتباره.
وتمام إيضاح هذا بمسألة الغني الشاكر والفقير الصابر، فلنذكر لها بابًا يخصها، ويكشف عن وجه الصواب فيها، واللَّه أعلم.
_________________
(١) في الأصل: "واعتبرا". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) في الأصل: "على". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٣٣٧ ]