فصل
ومما ينبغي أن يعلم أن كل خصلة من خصال الفضل فقد أحل اللَّه سبحانه رسوله في أعلاها، وخصه بذروة سنامها، فإذا احتجت بحاله فرقة من فرق الأمة -التي تفرقت تلك الخصال وتقاسمتها- على فضلها على غيرها، أمكن الفرقة الأخرى أن تحتج به على فضلها أيضًا.
فإذا احتجّ به الغزاة والمجاهدون على أنهم أفضل الطوائف، احتجّ به العلماء والفقهاء على مثل ما احتج به أولئك.
وإذا احتجّ به الزهاد والمتخلّون عن الدنيا على فضلهم، احتج به الداخلون في الدنيا والولاية وسياسة الرعية لإقامة دين اللَّه، وتنفيذ أمره.
وإذا احتج به الفقير الصابر، احتج به الغنى الشاكر.
وإذا احتج به العبّاد على فضل نوافل العبادة وترجيحها، احتجّ به العارفون على فضل المعرفة.
وإذا احتج به أرباب التواضع والحلم، احتج به أرباب العز والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم.
وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة والرزانة، احتج به أرباب الخُلُق الحسن والمزح المباح الذي لا يخرج عن الحق وحسن العشرة للأهل والأصحاب.
وإذا احتج به أصحاب الصدع بالحق والقول به في المشهد والمغيب، احتج به أصحاب المداراة والحياء والتكرم أن يبادروا (^١)
_________________
(١) في الأصل: "يبادوا" -بسقوط الراء-، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٥١٧ ]
الرجل بما يكرهه في وجهه.
وإذا احتج به المتورعون على الورع المحمود، احتج به الميسرون والمسهلون الذين لا يخرجون عن سعة شريعته ويسرها وسهولتها.
وإذا احتج به من [صرف عنايته إلى إصلاح دينه وقلبه، احتج به من] (^١) راعى إصلاح بدنه ومعيشته ودنياه، فإنه بعث بصلاح الدنيا والدين.
وإذا احتجّ به (^٢) من لم يعلّق قلبه بالأسباب ولا ركن إليها، احتج به من قام بالأسباب ووضعها مواضعها وأعطاها حقها.
وإذا احتج به من جاع وصبر على الجوع، احتج به من شبع وشكر ربه على الشبع.
وإذا احتج به من أخذ بالعفو والصّفح والاحتمال، احتج به من انتقم في موضع الانتقام.
وإذا احتج به من أعطى للَّه ووالى للَّه، احتج به من منع للَّه وعادى للَّه.
وإذا احتج به من لم يدّخر شيئًا لغد، احتج به من يدّخرُ لأهله قوت سنة.
وإذا احتج به من يأكل الخشن من القوت والأدم كخبز الشعير والخلّ، احتج به من يأكل اللذيذ الطيب كالشواء والحلواء والفاكهة والبطيخ ونحوه.
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) في الأصل بعد هذه الكلمة جملة: "من راعى إصلاح بدنه". ومحلها هنا سهو، إذ قد سبقت. والتصويب موافق للنسخ الثلاث الأخرى.
[ ٥١٨ ]
وإن احتج به من سرد الصوم، احتج به من سرد الفطر، فكان يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويفطر حتى يُقال: لا يصوم (^١).
وإن احتج به من رغب عن الطيبات والمشتهيات، احتج به من أحب أطيب ما في الدنيا وهو النساء والطيب.
وإن احتج به من لان جانبه وخفض جناحه لنسائه، احتج به من أدبهن وآلمهن وطلّقهن وهجرهن وخيّرهن.
وإن احتج به من ترك مباشرة أسباب المعيشة بنفسه، احتج به من باشرها بنفسه فآجر واستأجر، وباع واشترى، واستسلف، وأدان، ورهن.
وإن احتج به من يجنب النساء بالكلية في الحيض والصيام، احتج به مباشر امرأته وهي حائض بغير الوطء، ومن يقبّل امرأته وهو صائم.
وإن احتج به من رحم أهل المعاصي بالعذر (^٢)، احتج به من أقام عليهم حدود اللَّه، فقطع السارق، ورجم الزاني، وجلد الشارب.
وإن احتج به أرباب الحكم بالظاهر، احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة، فإنه حبس في تهمة، وعاقب في تهمة، وأخبر عن (^٣) نبي اللَّه سليمان ﵇ أنه حكم بالولد للمرأة بالقرينة
_________________
(١) روى ذلك البخاري في "صحيحه" رقم (١٩٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١١٥٥)، كلاهما من حديث عائشة ﵂.
(٢) في النسخ الثلاث الأخرى: "بالقدر". والأمر محتمل.
(٣) ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ٥١٩ ]
الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به (^١)، فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلانه بالقرينة.
وترجم أبو عبد الرحمن (^٢) على هذا الحديث ترجمتين:
إحداهما: قال: التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أَفْعَل ليستبين به الحق (^٣).
ثم قال: الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه، إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به (^٤).
وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده:
فقال على للمرأة التي حملت (^٥) كتاب حاطب: "لتلقين (^٦) الكتاب أو لأجرّدنك" (^٧).
وحد عمر بن الخطاب في الزنى بالحبل (^٨)، وفي الخمر
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦٧٦٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٧٢٠)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أي النسائي صاحب السنن.
(٣) سنن النسائي "المجتبى" ص ٨١٢، في ٤٩ - كتاب آداب القضاة، الباب رقم (١٥). و"السنن الكبرى" له أيضًا (٣/ ٤٧٢)، قبل الحديث رقم (٥٩٥٨).
(٤) "السنن الكبرى" (٣/ ٤٧٣) قبل الحديث رقم (٥٩٥٩). وليس هذا التبويب في السنن المجتبى.
(٥) في الأصل: "حكمت"، والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٦) في النسخ الثلاث الأخرى: "لتخرجن". وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٧) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٠٨١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٤٩٤).
(٨) روى البخاري في "صحيحه" رقم (٦٨٣٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم =
[ ٥٢٠ ]
بالرائحة (^١).
وحكى اللَّه سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شقّ القميص من دبر على براءته (^٢).
وقال ﷺ لابن أبي الحقيق وقد زعم أن النفقة أذهبت كنز حيي بن أخطب: "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" (^٣)، فاعتبر قرينتين دالّتين على بقاء المال، وعاقبه حتى أقر به.
وجوّز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل أنه قتله، ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم (^٤).
وشرع اللَّه سبحانه رجم المرأة إذا شهد عليها زوجها في اللعان، وأبت أن تلاعن للقرينة الظاهرة على صدقه (^٥).
_________________
(١) = (١٦٩١) عنه قال: "والرجم في كتاب اللَّه حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف".
(٢) روى ذلك عنه مالك في الموطأ (٢/ ٨٤٢)، وعلقه البخاري في صحيحه (١٠/ ٦٥) في ٧٤ - كتاب الأشربة، ١٠ - باب الباذق. قبل الحديث رقم (٥٥٩٨). وصححه ابن حجر في "فتح الباري" (١٠/ ٦٧).
(٣) قال اللَّه تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨].
(٤) رواه ابن حبان في "صحيحه" رقم (٥١٩٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ١٣٧).
(٥) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٦١٤٢)، (٦١٤٣)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٦٦٩)، من حديث سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج ﵄.
(٦) قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ =
[ ٥٢١ ]
وشريعته طافحة بذلك لمن تأمّلها، فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل، كما أنه حجة على قضاة السوء، وولاة الجور، واللَّه المستعان (^١).
والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته، وأتبعهم لها، وباللَّه التوفيق.
_________________
(١) = بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ [النور: ٦ - ٨].
(٢) توسّع الإمام ابن القيم ﵀ في تقرير ذلك في كتابه: "الطرق الحكمية" ص ٦ - ١٢.
[ ٥٢٢ ]