والثاني: أنه أطلق لهما ذلك وهُمَا حديثا عهد بالإسلام، وهما لم يميّزا بين الجائز من ذلك وبين المحرم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فعلم أن الحكم لا يعدوهما إلى غيرهما.
فصل
وأما الكلمات (^١) اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النّوح والتسخّط، فلا تحرم ولا تنافي الصبر الواجب، نص عليه أحمد (^٢) لما رواه في "مسنده" من حديث أنس: "أن أبا بكر ﵁ دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه" (^٣).
وفي "صحيح البخاري" عن أنس أيضًا قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه. فقال: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعَاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول اللَّه ﷺ التراب (^٤).
وقال رسول اللَّه ﷺ: "وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" (^٥).
وهذا ونحوه من القول الذي ليس فيه تظلُّم للمقدور، ولا تسخُّط
_________________
(١) في (ب): "الكلمة".
(٢) انظر: "الفروع" لابن مفلح (٢/ ٢٩١).
(٣) "المسند" (٦/ ٣١). وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (٣/ ١٥٧).
(٤) "صحيح البخاري" رقم (٤٤٦٢).
(٥) وقد سبق تخريجه ص ١٩٥ (حاشية ١).
[ ٢٠٠ ]
على الرب تعالى ولا إسخاط له، فهو كمجرّد البكاء.
فصل
فأما قول النبي ﷺ: "إن الميت يُعذَّب بالنياحة عليه"، فقد ثبت عنه من رواية عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه، والمغيرة بن شعبة، وروى نحوه عمرانُ بن حصين، وأبو موسى ﵃ (^١).
فاختلفت طرق الناس في ذلك:
فقالت فرقة: يتصرف اللَّه في خلقه بما شاء، وأفعال اللَّه لا تعلل، ولا فرق بين التعذيب بالنوح عليه والتعذيب بما هو منسوب إليه؛ لأن اللَّه خالق الجميع، واللَّه تعالى يؤلم الأطفال والبهائم والمجانين بغير عمل.
وقالت فرقة: هذه الأحاديث لا تصح عن رسول اللَّه ﷺ، وقد أنكرتها عائشة أم المؤمنين، واحتجت بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، الإسراء: ١٥، فاطر: ١٨، الزمر: ٧].
ولما بلغها رواية عمر وابنه قالت: إنكم لتحدثون عن غير كاذبَين ولا متهمَين، ولكن السمع يُخطئ. وقالت: إنما مر النبي ﷺ على قبر يهودي، فقال: "إن صاحب هذا القبر يعذب، وأهله يبكون عليه" (^٢).
_________________
(١) وقد سبق تخريجه من حديث عمر وابنه والمغيرة وأبي موسى ﵃. أما حديث عمران بن حصين ﵁ فرواه النسائي في "المجتبى" رقم (١٨٤٩)، (١٨٥٤). وصححه ابن حبان حيث أورده في صحيحه برقم (٣١٣٤).
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٨٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٩٣١)، (٩٣٢).
[ ٢٠١ ]
وفي رواية متفق عليها عنها: إنما قال رسول اللَّه ﷺ "إن اللَّه ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه". وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^١).
وقالت فرقة أخرى منهم المزني (^٢) وغيره: أن ذلك محمول على من أوصى به إذ كانت عاداتهم ذلك، وهو كثير في أشعارهم؛ كقول طرفة:
إذا متُّ فانعيني بما أنا أهلُه … وَشُقِّي عليَّ الجيْبَ يا ابنةَ مَعْبَد (^٣)
وقول لبيد:
فقوما فقولا بالذي قد عَلِمتُما … ولا تخمِشا وجهًا ولا تَحلِقا شَعر
وقولا: هو المرء الذي لا صديقه … أضاع، ولا خان الأمين ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبكِ حولًا كاملًا فقد اعتذر (^٤)
وقالت طائفة: هو محمول على من سنتُه وسنة قومه ذلك، إذا لم ينههم عنه؛ لأن ترك نهيه دليل على رضاه به، وهذا قول ابن المبارك وغيره (^٥).
قال أبو البركات ابن تيمية (^٦): وهو أصح الأقوال كلها، لأنه متى
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (١٢٨٨)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٢٩).
(٢) الفقيه الشافعي المعروف. وانظر قوله في: "مختصره" ص ٤٦.
(٣) البيت من معلقته، وهو في "ديوانه" ص ٤٦.
(٤) البيت في "ديوانه" ص ٢١٣. وكلمة "اعتذر" جاءت في الأصل "أعذر"، وهو خطأ يخلّ بوزن البيت.
(٥) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٣/ ١٨٢).
(٦) انظر لاختيار أبي البركات: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (٢٤/ ٣٧٠ - =
[ ٢٠٢ ]
غلب على ظنه فعلهم له ولم يوصهم بتركه فقد رضي به، وصار كمن ترك النهي عن المنكر مع القدرة عليه. فأما إذا أوصاهم بتركه فخالفوه فاللَّه أكرم من أن يعذّبه بذلك، وقد حصل بذلك العمل بالآية مع إجراء الخبر على عمومه في أكثر الموارد.
وإنكار عائشة لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه، فإنهم قد يحضرون ما لا تحضره، ويشهدون ما تغيب عنه، واحتمال السهو والغلط بعيد جدًّا خصوصًا في حق خمسة من أكابر الصحابة.
وقوله في اليهودي لا يمنع أن يكون قد قال ما رواه عنه هؤلاء الخمسة في أوقات أخر. ثم هي محجوجة بروايتها عنه أنه قال: "إن اللَّه يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" (^١) فإذا لم تمتنع (^٢) زيادة الكافر عذابًا بفعل غيره، مع كونه مخالفًا لظاهر الآية لم يمتنع (^٣) ذلك في حق المسلم؛ لأن اللَّه سبحانه كما لا يظلم عبده المسلم لا يظلم الكافر، واللَّه أعلم.
فصل
ولا تحتاج هذه الأحاديث إلى شيء من هذه التكلُّفات، وليس فيها بحمد اللَّه إشكال ولا مخالفة لظاهر القرآن ولا لقاعدة من قواعد الشرع، ولا تتضمن عقوبة الإنسان بذنب غيره، فإن النبي ﷺ لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه ونَوحِهم، وإنما قال: إنه يعذب
_________________
(١) = ٣٧١).
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) في (ب): "يمنع".
(٤) في (ب): "يمنع".
[ ٢٠٣ ]
بذلك، ولا ريب أن ذلك يؤلمه ويعذبه.
والعذاب هو: الألم الذي يحصل له، وهو أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وقد قال النبي ﷺ: "السَّفَرُ قطعة من العذاب" (^١)، وهذا العذاب يحصل للمؤمن والكافر، حتى إن الميت ليتألم بمن يعاقب في قبره في جواره ويتأذى بذلك، كما يتأذى الإنسان في الدنيا بما يشاهده من عقوبة جاره، فإذا بكى أهل الميت عليه البكاء المحرم، وهو البكاء الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، والبكاء على الميت عندهم اسم لذلك وهو معروف في نظمهم ونثرهم، تألم الميت بذلك في قبره، فهذا التألم هو عذابه بالبكاء عليه، وهذه طريقة شيخنا في هذه الأحاديث، وباللَّه التوفيق (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٣٠٠١)، ومسلم في "صحيحه" رقم (١٩٢٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" (٢٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
[ ٢٠٤ ]