وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" (^١).
فصل
وأما الندب والنياحة فنص أحمد على تحريمهما. قال في رواية حنبل: النياحة معصية (^٢).
وقال أصحاب الشافعي وغيرهم: النوْح حرام (^٣).
وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن النياحة لا تجوز للرجال ولا للنساء (^٤).
وقال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: يكره ذلك تنزيهًا، وهذا لفظ أبي الخطاب في "الهداية" قال: ويكره الندب والنياحة، وخمش الوجوه، وشق الجيوب، والتّحفّي (^٥).
والصواب: القولُ بالتحريم لما في "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعى بدعوى الجاهلية" (^٦).
_________________
(١) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (١٣٠٣)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٣١٥). من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) انظر: "الفروع" لابن مفلح (٢/ ٢٩٠).
(٣) انظر: "روضة الطالبين" (٢/ ١٤٥).
(٤) "الاستذكار" (٣/ ٦٨).
(٥) "الهداية" (١/ ٦٣). وانظر: "المغني" (٣/ ٤٩٠)، و"الفروع" (٢/ ٢٩٠).
(٦) "صحيح البخاري" رقم (١٢٩٧)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠٣).
[ ١٩٥ ]
وفي "الصحيحين" عن أبي بردة قال: وجع أبو موسى وجعًا فغُشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: "أنا بريء ممن برئ منه رسول اللَّه ﷺ، فإن رسول اللَّه ﷺ برئ من الصالقة (^١) والحالقة والشاقّة" (^٢).
وفي "الصحيحين" أيضًا عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن من نيح عليه يُعذب بما نيح عليه" (^٣).
وفي "الصحيحين" أيضًا عن أم عطية قالت: "أخذ علينا رسول اللَّه ﷺ في البيعة ألا ننوح، فما وفَّت منا امرأة إلا خمس نسوة" (^٤).
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" (^٥)
وفي "صحيح مسلم" عن أبي مالك الأشعري: أن النبي ﷺ قال: "أربعٌ في (^٦) أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنّ: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تُقامُ يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" (^٧).
_________________
(١) الصالقة: هي التي ترفع صوتها في المصائب. انظر "النهاية" لابن الأثير (٣/ ٤٨).
(٢) "صحيح البخاري" رقم (١٢٩٦)، و"صحيح مسلم" رقم (١٠٤).
(٣) "صحيح البخاري" رقم (١٢٩١)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٣٣).
(٤) "صحيح البخاري" رقم (١٣٠٦)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٣٦).
(٥) "صحيح البخاري" رقم (١٢٩٢).
(٦) في الأصل: "من". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى.
(٧) "صحيح مسلم" رقم (٩٣٤).
[ ١٩٦ ]
وفي "سنن أبي داود" عن أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: "كان فيما أخذ علينا رسول اللَّه ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهًا ولا ندعو ويلًا ولا نشق جيبًا ولا ننتف (^١) شعرًا" (^٢).
وفي "مسند الإمام أحمد" عن أنس قال: أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعهن أن لا يَنُحن، فقلن: يا رسول اللَّه إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال: "لا إسعاد في الإسلام" (^٣).
وقد تقدم قوله: "ما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" (^٤)، وقوله: "نَهيتُ عن صوتين أحمقين؛ صوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب، ورنة شيطان" (^٥).
وفي "مسند أحمد" من حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: "الميت يُعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه، جُبذ (^٦) الميت وقيل له: أنت عضدها؟! أنت
_________________
(١) في النسخ الثلاث الأخرى: "ننفش".
(٢) "سنن أبي داود" رقم (٣١٣١). وفيه: "وأن لا ننشر شعرا"، بدل: "ولا ننتف شعرا". وصححه الألباني في "أحكام الجنائز" ص: (٣٠).
(٣) "المسند" (٣/ ١٩٧). ورواه النسائي في "المجتبى" رقم (١٨٥٢). وصححه ابن حبان حيث أورده في "صحيحه" برقم (٣١٤٦).
(٤) تقدم ص ١٩١ (حاشية ٣).
(٥) تقدم ص ١٩٢ (حاشية ٤).
(٦) في الأصل: "جذ". والتصويب من النسخ الثلاث الأخرى. وجُبِذَ أي: جُذب. =
[ ١٩٧ ]
ناصرها؟! أنت كاسيها؟! " (^١).
وفي "صحيح البخاري" عن النعمان بن بشير قال: "أغمي على عبد اللَّه بن رواحة، فجعلت أخته عمرة بنت رواحة تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلتِ لي شيئًا إلا قيل لي: آنت كذلك؟ فلما مات لم تَبكِ عليه" (^٢).
وكيف لا تكون هذه الخصال محرمة وهي مشتملة على التسخط على الرب، وفعل ما يناقض الصبر، والإضرار بالنفس: من لطم الوجه، وحلق الشعر ونتفه، والدعاء عليها بالويل والثبور، والتظلم من اللَّه سبحانه، وإتلاف المال بشق الثياب وتمزيقها، وذكر الميت بما ليس فيه؟
ولا ريب أن التحريم الشديد يَثبت ببعض هذا.
قال المبيحون لمجرد الندب والنياحة مع كراهتهم له: قد روى حرب عن واثلة بن الأسقع وأبي وائل: أنهما كانا يسمعان النوح ويسكتان (^٣).
قالوا: وفي "الصحيحين" عن أم عطية قالت: لَمّا أُنزلت هذه الآية
_________________
(١) = انظر: "لسان العرب" (٣/ ٤٧٨).
(٢) "المسند" (٤/ ٤١٤). ورواه ابن ماجه في "سننه" برقم (١٥٩٤) نحوه. وصححه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧١).
(٣) "صحيح البخاري" رقم (٤٢٦٧)، (٤٢٦٨).
(٤) انظر: "المغني" (٣/ ٤٩٠). وأثر أبي وائل أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (١٢١١٣).
[ ١٩٨ ]
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إلى قوله ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] كان منه النياحة، فقلت: يا رسول اللَّه إلا آل فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم. فقال: "إلا آل فلان" (^١).
وفي رواية لهما قالت: بايعنا رسول اللَّه ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ مِنّا يدها فقالت: فلانة أسعدتني فأنا أريد أن أجزيها. قالت: فما قال لها شيئًا، فذهبت فانطلقت ثم رجعت، فبايعها (^٢).
قالوا: وهذا الإذن لبعضهن في فعله يدل على أن النهي عنه نهي تنزيه لا تحريم، ويتعين حمله على المجرد من تلك المفاسد جمعًا بين الأدلة.
قال المحرِّمون: لا تُعَارَضُ سنة رسول اللَّه ﷺ بأحد من الناس كائنًا من كان، ولا تضرب سنتُه بعضها ببعض، وما ذكرنا من النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل تأويلًا، وقد انعقد عليها الإجماع.
وأما المرأة التي قال لها: "إلا آل فلان"، والمرأة التي سكت عنها، فذلك خاص بهما لوجهين:
أحدهما: أنه قال لغيرهما لما سألته ذلك: "لا إسعاد في الإسلام" (^٣).
_________________
(١) "صحيح البخاري" رقم (٤٨٩٢)، و"صحيح مسلم" رقم (٩٣٧)، واللفظ لمسلم.
(٢) هذا اللفظ هو للبخاري رقم (٤٨٩٢)، واللفظ السابق هو لمسلم رقم (٩٣٧).
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
[ ١٩٩ ]