فصل
وأما تقوية باعث الدين، فإنه يكون بأمور:
أحدها: إجلال اللَّه ﵎ أن يعصى وهو يرى ويسمع، ومن قام بقلبه مشهد إجلاله لم يطاوعه قلبه لذلك ألبتة.
الثاني: مشهد محبته سبحانه، فيترك معصيته محبة له، فـ "إن المحب لمن يحب مطيع" (^١)، وأفضل الترك ترك المحبين، كما أن أفضل الطاعة طاعة المحبين، فبين ترك المحب وطاعته وترك من يخاف العذاب وطاعته (^٢)، بونٌ بعيد.
الثالث: مشهد النعمة والإحسان، فإن الكريم لا يعاملُ (^٣) بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعل هذا لئام الناس، فليمنعه مشهد إحسان اللَّه ونعمته عن معصيته حياءً منه أن يكون خير اللَّه وإنعامه نازلًا إليه (^٤)، ومخالفاته ومعاصيه وقبائحه صاعدة إلى ربه، فمَلَكٌ ينزل بهذا وملكٌ يعرُج بهذا، فأقبِح بها من مقابلة!.
الرابع: مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد
_________________
(١) هذا عجز بيت منسوب لابن المبارك، وصدره: (لو كان حبك صادقًا لأطعته). انظر: "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٤٦٩) و"إحياء علوم الدين" (٤/ ٢٨١). وهو منسوب أيضًا لمحمود الوراق. انظر: "فوات الوفيات" (٤/ ٨١)، و"الكامل للمبرد" (٢/ ٤)، و"التمثيل والمحاضرة" ص (١٢).
(٢) ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٣) في النسخ الثلاث الأخرى: "يقابل".
(٤) في (م) و(ن): "عليه".
[ ١٠٢ ]
في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلًا عن هذا العبد الضعيف.
الخامس: مشهد الفوات، وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة، وما يحدث له بها من كل اسم مذموم عقلًا وشرعًا وعرفًا، وتزول عنه من الأسماء الممدوحة شرعًا وعقلًا وعرفًا. ويكفي في هذا المشهد مشهد فوات الإيمان الذي أدنى مثقال ذرة منه خير من الدنيا وما فيها أضعافًا مضاعفة، فكيف يبيعه بشهوة تذهب لذتُها وتبقى سوء معيشتها (^١)؟! تذهب الشهوة وتبقى الشقوة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (^٢).
قال بعض الصحابة: "يُنزع منه الإيمان حتى يبقى على رأسه مثل الظُّلّة؛ فإن تاب عاد إليه" (^٣).
وقال بعض التابعين: "يُنزع عنه الإيمان كما يُنزع عنه القميص فإن
_________________
(١) في (م) و(ن): "تبعتها" مكان: "سوء معيشتها"، وفي (ب): "تبعاتها".
(٢) رواه البخاري في "صحيحه" رقم (٢٤٧٥)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٥٧)، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر معناه عن الصحابة في: "شعب الإيمان" للبيهقي رقم (٥٣٦٧)، و"الشريعة" للآجري ص ١١٤ - ١١٥، و"شرح الاعتقاد لللالكائي" رقم (١٨٦٩ - ١٨٧١، ١٨٧٧)، و"السنة" لعبد اللَّه بن أحمد (١/ ٣٥١)، و"السنة" للخلال (٤/ ١٠٠، ١٠٢ - ١٠٣)، و"تعظيم قدر الصلاة" رقم (٥٣٨ - ٥٣٩). وقد رواه أبو داود في "سننه" رقم (٤٦٩٥) عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٢) على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.
[ ١٠٣ ]
تاب لبِسه" (^١).
ولهذا رأى النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه (^٢) الزناة في التنور عراة؛ لأنهم تعرَّوا من لباس الإيمان، وعاد تنور الشهوة الذي كان في قلوبهم تنورًا ظاهرًا يحمى عليه بالنار.
السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرّة وفرحة عند من ذاق ذلك أعظم من الظفر بعدوّك من الآدميين وأحلى موقعًا وأتم فرحة. وأما عاقبته فأحمد عاقبة، وهو كعاقبة شرب الدواء النافع الذي أزال داء الجسد، وأعاده إلى صحته واعتداله.
السابع: مشهد العِوَض، وهو ما وعَد اللَّه سبحانه به تعويض من ترك المحارم لأجله، ونهى نفسه عن هواها، وليوازن بين العوض والمعوض، فأيُّهما كان أولى بالإيثار اختاره وارتضاه لنفسه.
الثامن: مشهد المعيّة، وهي نوعان: معية عامة، ومعية خاصة. فالعامة اطلاع الرب تعالى عليه، وكونه بعينه لا تخفى عليه حاله، وقد تقدم.
والمقصود هنا: المعية الخاصة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ
_________________
(١) هو مروي عن خالد بن معدان. انظر: "الثقات" لابن حبان (٧/ ٤٢). وقد جاء ذلك في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ رواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٢) من حديث أبي هريرة ﵁. وضعفه الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" برقم (١٢٧٤).
(٢) صحيح البخاري رقم (١٣٨٦) من حديث سمرة بن جندب ﵁.
[ ١٠٤ ]
الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، وقولِه: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فهذه المعية الخاصة خير له وأنفع في دنياه وآخرته من قضاء وطره ونيل شهوتِه على التمام من أول العمر إلى آخره، فكيف يؤثر عليها لذة مُنغّصة مُنَكّدة في مدة يسيرة من العمر، إنما هي كأحلام النائم أو ظل زائل؟!
التاسع: مشهدُ المغافصة (^١) والمعاجلة (^٢)، وهو: أن يخاف (^٣) أن يغافصَه الأجلُ؛ فيأخذه اللَّه ﷿ على غِرّة، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الدنيا وبينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة، فيا لها من حسرة ما أمرّها وما أصعبها، [لكن ما يعرفها إلا من جربها] (^٤)!
وفي بعض الكتب القديمة: "يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين ولا يتم له سرور يوم، الحذر الحذر" (^٥).
العاشر: مشهد البلاء والعافية، فإن البلاء في الحقيقة ليس إلا الذنوب وعواقبها، والعافية المطلقة هي الطاعات وعواقبها؛ فأهل البلاء هم أهل المعصية وإن عوفيت أبدانهم، وأهل العافية هم أهل الطاعة وإن
_________________
(١) غافص الرجل مغافصة وغفاصًا: أخذه على غزة. "لسان العرب" (٧/ ٦١).
(٢) في (ب): "والمعالجة". وهو خطأ.
(٣) جملة "أن يخاف" ساقطة من الأصل، واستدركتها من النسخ الأخرى.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الأخرى.
(٥) ذكر وهب بن منبه أنه وجده في التوراة بلفظ: "يا من لا يستتم سرور يوم، ولا يأمن على روحه يومًا، الحذر الحذر". رواه البيهقي في "الزهد الكبير" رقم (٥٢١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ٣٩٣).
[ ١٠٥ ]
مرضت أبدانهم.
وقال بعض أهل العلم في الأثر المروي: "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللَّه العافية" (^١): إن أهل البلاء المبتلون بمعاصي اللَّه والإعراض والغفلة عنه (^٢).
وهذا وإن كان أعظم البلاء فاللفظ يتناول أنواع المبتلين في أبدانهم وأديانهم، واللَّه أعلم.
الحادي عشر: أن يُعوّد باعث الدين ودواعيه مصارعة الهوى ومقاومته على التدريج قليلًا قليلًا حتى يدرك لذة الظفر، فتقوى حينئذ هِمته، فإن من ذاق لذة شيء قويت همته في تحصيله. والاعتياد لممارسة الأعمال الشاقة يزيد القوى التي تصدر عنها تلك الأعمال، ولذلك تجد قوى الحمالين وأرباب الصنائع الشاقة تتزايد بخلاف البزاز (^٣) والخياط ونحوهما. ومن ترك المجاهدة بالكلية ضعف فيه باعث الدين وقوي فيه باعث الشهوة، ومن عوّد نفسه مخالفة الهوى غلبه متى أراد.
_________________
(١) ذكر هذا الأثر ابن الجوزي في "المدهش" ص ٣٣٨، دون نسبة لأحد. وجاء أنه مرفوع إلى النبي ﷺ كما سيأتي في الحاشية التالية، إلا أنه روي عن عيسى بن مريم أنه قال: "فارحموا أهل البلاء واحمدوا اللَّه على العافية". رواه: مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٨٦) بلاغًا، ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣١٨٧٩، ٣٤٢٣٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٥٨، ٣٢٨) وغيرهما.
(٢) وهذا مروي عن الشبلي أنه سئل عن قول النبي ﷺ: "إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا اللَّه العافية". من هم أهل البلاء؟ قال الشبلي: أهل الغفلة عن اللَّه. انظر: "تاريخ بغداد" (١٢/ ١٦١).
(٣) البزاز هو بائع البَزّ. والبَزُّ: الثياب. "لسان العرب" (٥/ ٣١١ - ٣١٢).
[ ١٠٦ ]
الثاني عشر: كف الباطن عن حديث النفس، وإذا مرت به الخواطر نفاها ولا يؤويها ويساكنها، فإنها تصير مُنى، وهي رؤوسُ أموال المفاليس. ومتى ساكن الخواطر صارت أماني، ثم تقوى فتصير همومًا، ثم تقوى فتصير إرادات، ثم تقوى فتصير عزمًا يقترن به المراد.
فدفع الخاطر الأول أسهل وأيسر من دفع أثر المقدور بعد وقوعه وترك معاودته (^١).
الثالث عشر: قطع العلائق والأسباب التي تدعوه إلى موافقة الهوى، وليس المراد أن لا يكون له هوى، بل يصرف هواه إلى ما ينفعه ويستعمله في تنفيذ مراد الرب تعالى، فإن ذلك يدفع عنه شر استعماله في معاصيه، فإن كلَّ شيء من الإنسان يستعمله للَّه فإن اللَّه يقيه شرّ استعماله لنفسه وللشيطان، وما لا يستعمله للَّه استعمله لنفسه وهواه ولابد.
فالعلم إن لم يكن للَّه كان للنفس والهوى، والعمل إن لم يكن للَّه كان للرّياء والنفاق، والمال إن لم ينفق للَّه أنفق في طاعة الشيطان والهوى، والجاه إن لم يستعمل للَّه استعمل صاحبه في هواه وحظوظه، والقوة إن لم يستعملها في أمر اللَّه استعملتْه في معصيته.
فمن عوّد نفسه العمل للَّه لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عوّد نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشقّ من الإخلاص والعمل للَّه، وهذا في جميع أبواب الأعمال، فليس شيء أشق على المنفق للَّه
_________________
(١) توسع ابن القيم في بيان هذا الوجه في كتابه "طريق الهجرتين" ص ٢٧٤ وما بعدها.
[ ١٠٧ ]
من (^١) الإنفاق لغيره، وكذا بالعكس.
الرابع عشر: صرف الفكر إلى عجائب آيات اللَّه التي ندب عباده إلى التفكر فيها، وهي: آياته المتلوَّة وآياته المخلوقة، فإذا استولى ذلك على قلبه دفع عنه محاضرة الشيطان ومحادثته ووسواسه. وما أعظم غبن من أمكنه أن لا يزال محاضر الرحمن ورسوله والصحابة، فرغب عن ذلك إلى محاضرة الشيطان من الإنس والجنّ! فلا غبن بعد هذا الغبن، واللَّه المستعان.
الخامس عشر: التفكر في الدنيا وسرعة زوالها وقرب انقضائها، فلا يرضى لنفسه أن يتزوّد منها إلى دار بقائه وخلوده أخسَّ ما فيها وأقله نفعًا [إلا ساقط الهمة دنيء المروءة ميت القلب] (^٢) فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان زاده ما يعذب به ويناله بسببه غاية الألم؟! بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه كان حسرة عليه.
السادس عشر: تعرضه إلى من القلوب بين إصبعيه، وأزمّة الأمور بيديه، وانتهاء كل شيء إليه على الدوام، فلعله أن يصادف أوقات النفحات، كما في الأثر المعروف: "إن للَّه في أيام دهره نفحات فتعرضوا لنفحاته، واسألوا اللَّه أن يستُر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم" (^٣).
_________________
(١) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٣) روي عن أبي الدرداء ﵁، رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" رقم (٣٤٥٩٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٢٢١). وجاء في حديث مرفوع عن أنس بن مالك، أخرجه الطبراني في "الكبير" =
[ ١٠٨ ]
ولعله في كثرة تعرضه يصادف ساعة من الساعات التي لا يسأل اللَّه فيها شيئًا إلا أعطاه، فمن أُعطي منشور الدعاء أُعطي الإجابة، فإنه لو لم يُرد إجابته لما ألهمه دعاءه، كما قيل:
لو لم ترِد نَيلَ ما أرجو وأطلبه … من جود كفك ما عوّدتَني الطَّلبا (^١)
ولا يستوحش مِنْ ظاهر الحال، فإن اللَّه سبحانه يعامل عبده بمعاملة من ليس كمثله شيء في أفعاله، كما ليس كمثله شيء (^٢) في صفاته، فإنه ما حَرَمه إلا ليعطيه، ولا أمرضه إلا ليشفيه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا أماته إلا ليحييه، وما أخرج أبويه من الجنة إلا ليعيدهما إليها على أكمل حال، كما قيل: يا آدم لا تجزع من قولي لك: اخرُجْ منها، فلك خلقتها وسأعيدك إليها.
فالرب تعالى ينعم على عبده بابتلائه، ويعطيه بحرمانه، ويصحه بسقمه، فلا يستوحش عبده من حالة تسوؤه أصلًا إلا إذا كانت تغضبه عليه، وتبعده منه.
السابع عشر: أن يعلم بأن فيه جاذبين متضادين، ومحنته بين الجاذبين: جاذب يجذبه إلى الرفيق الأعلى من أهل عليين، وجاذب
_________________
(١) = رقم (٧٢٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ١٦٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (١١٢١) وغيرهم. وروي أيضًا من مسند أبي هريرة ومحمد بن مسلمة ﵄. وحسنه الألباني مرفوعًا بمجموع طرقه وشواهده في "السلسلة الصحيحة" رقم (١٨٩٠).
(٢) لم أقف عليه، وذكره ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين" (٣/ ١٠٣).
(٣) كلمة "شيء" ساقطة من الأصل. واستدركتها من النسخ الثلاث الأخرى.
[ ١٠٩ ]
يجذبه إلى أسفل سافلين.
فكلما انقاد مع الجاذب الأعلى صعد درجة حتى ينتهي إلى حيث يليق به من المحل الأعلى، وكلما انقاد إلى الجاذب الأسفل نزل درجة حتى ينتهي إلى موضعه من سجين.
ومتى أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين روحه في هذا العالم، فإنها إذا فارقت البدن تكون في الرفيق الذي كانت منجذبة إليه في الدنيا [فهو أولى بها، فالمرء مع من أحب طبعًا وعقلًا وجزاءً، وكل مهتم بشيء] (^١) فهو منجذب إليه وإلى أهله بالطبع، "وكلُّ امرئ يصبو إلى ما يناسبه"، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، فالنفوس العلوية تنجذب بذاتها وهممها وأعمالها إلى أعلى، والنفوس السافلة إلى أسفل.
الثامن عشر: أن يعلم أن تفريغ المحل شرط لنزول غيث (^٢) الرحمة، وتنقيته من الدغل (^٣) شرط لكمال الزرع، فمتى لم يفرغ المحل لم يصادف غيث الرحمة محلاًّ فارغا قابلًا (^٤) ينزل فيه، وإن فرّغه حتى أصابه غيث الرحمة لكنه لم يُنَقّه من الدّغل لم يكن الزرع زرعًا كاملًا بل ربما غلب الدّغل على الزرع وكان الحكم له.
_________________
(١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، واستدركته من النسخ الثلاث الأخرى.
(٢) ليست في الأصل، وإنما أثبتها من النسخ الأخرى، وهو مفهوم مما يأتي في كلام المصنف.
(٣) الدَّغَل: الفساد، وأصل الدّغل الشجر الملتف الكثير. انظر: "لسان العرب" (١١/ ٢٤٥ - ٢٤٤).
(٤) الكلمتان: "فارغًا قابلًا" ليستا في الأصل. أما الكلمة الأولى فهي من: (م) و(ن). وأما الكلمة الثانية، فهي من باقي النسخ.
[ ١١٠ ]
وهذا كالذي يصلح أرضه، ويهيئها لقبول الزرع، ويودع فيها البذر، وينتظر نزول الغيث، فإذا طهّر العبد قلبه وفرّغه من إرادات السوء وخواطره، وبذر فيه بذر الذكر والفكر والمحبة والإخلاص، وعرّضه لمهاب رياح الرحمة، وانتظر نزول غيث الرحمة في أوانه، كان جديرًا في حصول المُغَلّ (^١).
وكما يقوى الرجاء لنزول الغيث في وقته، كذلك يقوى الرجاء لإصابة نفحات الرحمن ﷻ في الأوقات الفاضلة والأحوال الشريفة، ولا سيما إذا اجتمعت الهمم، وتساعدت القلوب، وعظم الجمع، كجمع عرفة وجمع الاستسقاء وجمع أهل الجمعة، فإن اجتماع الهمم والأنفاس أسباب نصبها اللَّه تعالى مقتضية لحصول الخير ونزول الرحمة، كما نصب سائر الأسباب مُفضِية إلى مسبِّباتها.
بل هذه الأسباب في حصول الرحمة، أقوى من الأسباب الحسية في حصول مسبّباتها، ولكن العبد لجهله يغلب عليه الشاهد على الغائب والحس على العقل، ولظلمه يؤثر ما يحكم به هذا ويقتضيه على ما يحكم به الآخر ويقتضيه، ولو فرغّ العبد المحل وهيأه وأصلحه لرأى العجائب، فإن فضل اللَّه لا يرده إلا المانع الذي في العبد، فلو أزال ذلك المانع لسارع إليه الفضل من كل صوب. فتأمل حال نهر عظيم يسقي كل أرض يمر عليها، فحصل بينه وبين بعض الأرض المعطشة المُجدبة سكْرٌ (^٢) وسدّ كثيف، فصاحبها يشكو الجدب، والنهر إلى جانب أرضه!
_________________
(١) الأصل: "الممغل"، وما أثبت من النسخ الأخرى هو الصواب. والمغلّ بمعنى الغَلَّة.
(٢) قال في "لسان العرب" (٤/ ٣٧٥): سَكَرَ النهرَ يَسْكُرُه سَكْرًا: سَدّ فاه، وكل =
[ ١١١ ]
التاسع عشر: أن يعلم العبد أن اللَّه سبحانه خلقه لبقاء لا فناء له، ولعز لا ذُلَّ معه، وأمن لا خوف فيه، وغناء لا فقر معه، ولذّة لا ألم معها، وكمال لا نقص فيه، وامتحنه في هذه الدار بالبقاء الذي يسرع إليه الفناء، والعز الذي يقارنه الذلُّ ويعقبه الذلُّ، والأمن الذي معه الخوف وبعده الخوف، وكذلك الغناء واللذة والفرحة والسرور والنعيم الذي هنا مشوب بضدّه يتعقبه ضدّه، وهو سريع الزوال، فغَلِط أكثر الخلق في هذا المقام إذ طلبوا النعيم والبقاء والعز والملك والجاه في غير محله، ففاتهم في محله، وأكثرهم لم يظفر بما طلبه من ذلك، والذي ظفر به إنما هو متاع قليل ثم يزول عنه.
والرسل إنما جاءوا بالدعوة إلى النعيم المقيم والملك الكبير، فمن أجابهم حصل له ألذ ما في الدنيا وأطيبه فكان عيشه فيها أطيب من عيش الملوك فمن دونهم، فإن الزهد في الدنيا ملك حاضر، والشيطان يحسد المؤمن عليه أعظم حسد، فيحرص كل الحرص على أن لا يصل إليه، فإن العبد إذا ملك شهوته وغضبه فانقادا معه لداعي الدين فهو الملك حقًّا؛ لأن صاحب هذا الملك حرٌّ، والمَلِك المنقاد لشهوته وغضبه عبد شهوته وغضبه، فهو مسخَّر مملوك في زي مالك، يقوده زمام الشهوة والغضب، كما يقاد البعير.
فالمغرور المخدوع يقعُ نظره على المُلْكِ (^١) الظاهر الذي صورته مُلكٌ وباطنه رقّ، وعلى الشهوة التي أولها لذة وآخرها حسرة.
_________________
(١) = شَق سُدّ فقد سُكِر، والسِّكْرُ: ما سُدّ به.
(٢) ليست في الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
[ ١١٢ ]
والبصير الموفق يغير نظره من الأوائل إلى الأواخر، ومن المبادئ إلى العواقب، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
العشرون: أن لا يغترّ باعتقاده أن مجرد العلم بما ذكرنا كافٍ في حصول المقصود، بل لا بد أن يضيف إليه بذل الجهد في استعماله واستفراغ الوسع والطاقة فيه. وملاك ذلك الخروج عن العوائد فإنها أعداء الكمال والفلاح، فلا أفلح من استمرّ على عوائده أبدًا. ويستعين على الخروج عن العوائد بالهرب عن مظان الفتنة والبعد منها، قال النبي ﷺ: "من سمع بالدجال فلينأَ عنه" (^١)، فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانّه.
وهاهنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي: أن يظهر له في مظان الشر بعض (^٢) شيء من الخير، ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة، واللَّه المستعان (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٤٣١٩) من حديث عمران بن حصين ﵁. وصححه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٣١) على شرط مسلم.
(٢) في الأصل: "ضد"، والتصويب من (ب).
(٣) هذا الباب الذي هو في الأسباب التي تعين على الصبر، بشقيه: تضعيف باعث الشهوة، وتقوية باعث الدين، قد اقتبسه الإمام ابن القيم ﵀ من الإمام الغزالي في كتابه "إحياء علوم الدين" (٤/ ٦٥) وما بعدها. وبالطبع قد زاد الإمام ابن القيم هنا أمورًا تضرب لها أكباد الإبل.
[ ١١٣ ]