وادعوا أن الاشتغال به مهم لتحصيل الفوائد المالية،
وإقامة الزوايا وإطعام الطعام ونحو ذلك،
وربما يزيد بعضهم أنه من شروط الإيمان،
اغترارأ بقول أبي العباس البوني:
إن العلم به أول المراتب في الإيمان باليوم الدنيوي، وقصده أن تجويز وجوده من اتساع العلم بالقدرة، لا وجود طلبه والتعلق به، إذ لا يتعلق به إلا قليل الدين، قليل المروءة، قليل العقل، واسع دائرة الوهم، بعيد عن دائرة الفهم.
أما قلة دينه فلأنه يؤدي إلى محرمات، منها تأذيه ببعض السموم الثائرة منه، كما اتفق لكثير منهم، فمات أو تأذى غيره بها بعده، بواسطة قلبه للعين، حتى تستعمل في بعض الأدوية ونحوها، فيكون سببا في ذلك، وكذلك حرق ما لا يحل حرقه من شعر أو عظم أو تقطير حيوان، وإتلاف المال في غير محقق ولا مضمون السلامة، هذا مع ما يعرض له إن صح
_________________
(١) في خ: الاعتناء.
(٢) انظر فيما تقدم فصل ٥٢ (هامش) على شرح لفظة الكيمياء
[ ٢٢١ ]
من وجوب البيان الذي لا قدرة له عليه إلا بإلقاء نفسه في الهلكة، وإن لم يبين أكل حراما، ثم إن اطلع عليه ردت شهادته وإمامته، انظر القلشاني (١) في بيوع الرسالة عند قوله: (ولا ما إذا ذكره كرهه المبتاع).
وأما قلة عقله فتعريض نفسه للتلف، ودينه للنقص، وماله للهلاك، ومروءته للطعن بأمر متوهم، الغالب عدم وجوده بل فقده جملة وتفصيلا، كما قيل:
كاف الكنوز وكاف الكيمياء معا لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا
وقد تحدث أقوام بأمرهما وما أظنهما كانا ولا وقعا
وأما قلة مروءته فلأنه يعرض نفسه للمقال عند الاطلاع عليه، إذ لا ينسب إلا للتدليس والغش، ولو كان يأتي بأصل الحكمة وينبوع المعادن، وأيضا فلا يصح له ما يفعل إلا بالاحتياج لقوم لا خلاق لهم، واطلاعهم على سره من اليهود وأشباههم من أهل المعرفة بأنواع المواد والوجوه والتحقيقات، وإلا كان ماشيا في عمياء، ومن لم يأنف من مثل هذا في سببه فهو خسيس الهمة، وما يدعيه من الفوائد في جنب ما يحصل له من الشر كنقطة في بحر.
واحتجاج المحتج بوقائع الأكابر في ذلك، احتجاج بأمراض وقعت لمن تداركه الله على نفع العلة، ولقد رأينا هذه الصناعة ومن يطلبها مقرونة بالذل والفقر، وقال لنا بعض المشايخ:
ما وقع عليها أحد قط، إلا وقع في فقر الأبد، وهو البخل، أو غنى الأبد، وهو القناعة، حتى لا ينتفع بها، ولقد عاينا ذلك في كل من يتهم بها، فأما علمها مجردا فلا بأس به، لما فيه من الاطلاع على أسرار العالم وحكمة التركيب والتحليل وأسرار وجوده، ولقد كان بعض المشايخ يسلك به من حيث الهمة والفعل، لا من حيث الطلب والتحصيل، فاتهم به وله طريقة.
_________________
(١) هو أبو العباس أحمد بن محمد القلشاني، شارح الرسالة، (ت ٨٦٣) انظر شجرة النور الزكية ص ٢٥٨.
[ ٢٢٢ ]
فأما الكنوز فليس في طلبها إلا الطمع، وقلة العقل، والتعرض للتلف في غير حاصل، وهب أن واحدا حصل فآلاف الآلاف ماتوا بغصته، بل تلفوا في طلبه، والدنيا عند أهل الله أقل من أن ينظروا إليها، فكيف يبذلون فيها نفوسهم، وعلة الإطعام علة فارغة، لأن النفقة من القليل الخالص أفضل من الكثير المشوب، بل ولو من الخالص، وبالله التوفيق.
٦٩ - فصل