وأهمها غناه بربه على كل حال، وذلك بستر حاله عن أشكاله، فلتكن غيرة الفقير على فقره أكثر من غيرة الغني على غناه، فإن كان على التجريد فلا يأخذ بإشراف ولا تعريض ولا إلحاف، ولا يتعرض جهة إلا بثمنها، إلا في الأمر التافه، ولا يسامح نفسه في الترخص في الأخذ، ويحذر آفة الرد كما يحذر آفة الأخذ، وكل مريد مال لركوب الخيل ومواقف الرئاسة واللهو فهو مخدوع.
وكذلك إن آثر المصالح العامة أو اشتغل بتغيير المنكر في العموم، حيث لا يجب عليه بوجه واضح لا ضرر فيه ولا إذاية للمسلمين، أو سره ميل القلوب إليه أو إقبال أصحاب المراتب عليه، أو أخذ بالفضائل الجمهورية المغيرة لقلوب الأمراء، والمشاركة لهم في مراتبهم كالجهاد ونحوه دون أمر منهم، أو مع عورات إخوانه أو تشوف الأخبار الغيبية دون ضرورة، أو تولع بالأراجيف والأخبار السلطانية واستجلاء الكلام فيها، أو عظم الأغنياء على الفقراء، أو احتقر أهل النسبة للطريق، أو رأى لنفسه رتبة
_________________
(١) حديث متفق عليه البخاري مع فتح الباري ٩/ ١٦١ ومسلم ١/ ٧١.
(٢) الحديث في الصحيح عن أبي هريرة (ض)، قال: قال رسول الله (ص): «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد»، ومعنى تأكل القرى: تغلبها وتفتحها، البخاري مع فتح الباري ٤/ ٤٥٨، ومسلم ٢/ ١٠٠٦.
[ ٢٠٧ ]
فيهم بغير شاهد من الحق ولا الحقيقة، أو آثر السماع على وجه الدوام، أو على وجه يتضمن محرما أو مكروها لا وجه له، أو خرج عن الأدب فيه ظاهرا أو باطنا مع علمه به، أو أحب أن يطلع الناس على حقيقة حاله مع الله أو يروه في صالح أعماله، أو آثر الحقيقة على الطريقة، أو فرق الطريقة من الحقيقة، أو أكثر الجمع (١) والاجتماع، لا لفائدة علمية، أو همة حالية، أو عزيمة عملية، أو رأى العمل ناقصا، أو العلم يكفي خالصا، أو حكى حكايات الرجال واتخذها حالا لنفسه، أو تشبع بحالة ذهبت عنه، وادعاها على الدوام، أو ظهر بما ينافي دعواه من خوارق الشريعة، أو اشتغل بأحوال الرجال ردا وقبولا، أو حكاية وتفضيلا، أو نظرا وتعليلا، أو مال للأحداث بلا سبب واضح، أو خالط النسوان والظلمة بأي وجه كان، من غير ضرورة ملجئة، أو أخذ برقيق العلم قبل كثيفة، أو بكثيفه دون رقيقه، أو عادى الفقهاء (٢) بعلة الانتساب، أو أحب المنكرين بعلة السماح، أو تصدر للتربية دون شيخ يأمره، أو إشارة إلهية تدله، أو اتبع كل من يراه من صادق أو غير صادق، أو أساء الظن بظاهر بالنسبة، أو اغتر به في حاله دون اختبار ولا تحقق لحاله، أو كثر المشايخ والأسفار من غير استفادة، أو جعل الزيارة (٣)، هجيراه، واتباع (٤)، الجهل وجعله وطنه، أو قدم الباطن على الظاهر، أو اكتفى بالظاهر عن الباطن، أو آثر من أحدهما ما لا يوافق عليه الآخر، أو اكتفى بالعلم عن العمل، أو بالعمل عن العلم، أو بالحال عن أحدهما أو عنهما، أو بهما عن الحال، أو الجميع عن التحقق، أو بالتحقق عن التمكين، أو بالكرامة عن الاستقامة، أو لم يرجع لأصل في استقامته، أو يعتمد على أستاذه دون همة ولا عمل سنة، أو يهمل أقوال العلماء في حاله، أو يشغل نفسه بالشفاعات، أو يتوسع في الدنيا بعلة الديانة، أو يستكثر من المباحات مع غناه عنها، أو يعاد وقته فيما يعارضه من خفاء أو
_________________
(١) الجمع: الفناء في توحيد الربوبية، انظر الموسوعة الصوفية ٧٠٨.
(٢) في ت ١: الفقراء.
(٣) في ت ١: الزيادة.
(٤) هكذا ورد ولعل الصواب: أو اتبع.
[ ٢٠٨ ]
ظهور أو غيرهما، أو يسترسل مع ما يعرض له دون توقف ولا عمل بمقتضى الشرع والحقيقة فيه، أو تأثر بما ينقص فيه من دنياه، أو لم يبال بما فات من ديانته، ولو في باب المندوبات، أو تحامل على إخوانه في مال أو عرض أو غيره، بعلة طيب نفوسهم، لا بما يتوقعه (١) يكون واقعا بفعله، أو ذكر ذنوبه ولم يحققها بالبرهان على نفسه، أو ذكر نعم الله عليه ولم يقدرها تفصيلا في نفسه، أو نظر إلى الخلق فيما هم فيه، أو لما يجري عليهم من إقبال أو إدبار من حيث هم، أو استهان بمروءة نفسه لغير ضرورة واضحة، أو أشفق على نفسه فيما يتعين عليها، أو دخل فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه، أو أراد أن يكون سالما في دينه واليا في الحكم وليا في الحكمة، أو ترك الأولى في أقواله وأفعاله اقتصارا منه على قدر الواجب، أو تعزز بطريق الله وتجاهي (٢) بها على من يناصيه أو يناديه، أو افتخر بكثرة الأتباع له أو لشيخه أو لطريقه، إلى غير ذلك مما هو نقص في الحال وعقوبة في المآل، أعاذنا الله من البلايا بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
٦٤ - فصل