وكيفيته وفاء ونقصا، وما يجري في ذلك.
أما أصله فحديث عبادة بن الصامت (ض) أن رسول الله (ص) كان في عصابة من أصحابه، فقال: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني (ولا تعصوا) في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، (ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارة له) (٢) ومن أصاب شيئا من ذلك ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفى عنه"، فبايعناه على ذلك (٣)، أخرجه البخاري وغيره، وقد جعل أئمة الطريق هذا الحديث أصلا في أخذ العهد إذ كان بعد تقرير الإيمان، ومقصده التوثق بمقتضيات الإيمان حتى لا يخل بها، وفيه من السماح ما لا خفاء به، وهو خلاف ما يلزمه هؤلاء الجماعة من المشاق، ويبنون عليه من ضيق النطاق. فإن قالوا: الطريق مبني على الحزم، والرخصة إنما هي للعوام،
_________________
(١) أي: القليل الذين هم على استقامة.
(٢) ما بين القوسين في خ فقط.
(٣) هو في البخاري مع فتح الباري ١/ ٧١.
[ ١٣٠ ]
والنبي (ص)، قال: "أجرك على قدر نصبك" (١)، قلنا: عزم الطريق باعتبار الحكم، وترك الرخص، يعني المختلف فيها كما يأتي بيانه، وقال (ص): "إن الدين يسر ولن يشاب الدين أحد إلا غلبه" (٢) وقال (ص): "إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى" (٣) وقال (ص): "بعثت بالحنيفية السمحة البيضاء النقية" (٤)، وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): الشيخ عن دلك على راحتك لا على تبعك، وقال أيضا عن أستاذه (٥) (ض) في قوله (ص): "يسروا ولا تسروا وبشروا ولا تنفروا" (٦) يعني: دلوهم على الله ولا تدلو هم على غيره، لأن من دلك على الدنيا فقد غشك، ومن ذلك على العمل فقد أتعبك، ومن ذلك على الله فقد نصحك.
_________________
(١) تقدم ص ٧٦، وهو في البخاري مع فتح الباري ٤/ ٣٦٠.
(٢) رواه البخاري في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي (ص)، البخاري مع فتح الباري ١/ ١٠١.
(٣) هو من حديث جابر مرفوعا، وأوله: "إن هذا الدين متين"، رواه البزار في مسنده، كما في مختصر زوائد سنن البزار حديث رقم ٢٩، قال البزار بعد أن ذكره: وهذا يروى عن ابن المنكدر مرسلا ، وابن المنكدر عن عائشة، وابن المنكدر لم يسمع من عائشة «ض)، قال الشيخ (أي الحافظ الهيثمي): وأبو عقيل (أحد رواة الحديث عند البزار) كذاب، وعزاه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٦٧ أيضا إلى البزار، وقال: فيه يحيى بن المتوكل أبو عقيل، وهو كذاب، وذكره الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة ص٣٩١، وعزاه إلى البزار، والحاكم في علومه، والبيهقي في سننه، وأبو نعيم والقظاعي والعسكري والخطابي في العزلة، وذكر الاضطراب فيه وضعفه، وقال: كلهم يرويه من حديث جابر، وذكر البخاري الحديث في التاريخ الكبير ١/ ١٠٣، وقال: إرساله عن ابن محمد بن المنكدر أصح من إسناده عن جابر.
(٤) طرف من حديث أبي أمامة (ض) عند أحمد في المسند ٥/ ٢٦٦ عن النبي (ص)، وفيه: " إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة"، وذكره البخاري تعليقا بلفظ: أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، قال الحافظ في فتح الباري ١/ ١٠١: إسناده حسن.
(٥) أي: ابن مشيش.
(٦) صحيح مسلم ٣/ ١٣٥٨، رقم ١٧٣٢ من حديث أبي موسى (ض)، قال: كان النبي (ص) إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره، قال: "بشروا ولا تنفروا".
[ ١٣١ ]
وقولهم: الأجر على قدر المشقة، كلام باطل (١)، بل الأجر على قدر الاتباع، ولولا ذلك لكان كثير من الأعمال أفضل من الذكر، ومن المعرفة والإيمان، ولفضل الحج الصلاة، وهو أمر لا يصح بحال، إلى غير ذلك، فافهم، والحديث خاص لخاص في خاص، فلا يكون حجة في العموم.
وأما الكيفية فللناس فيها طرق بحسب أحوالهم، ومواقع أمورهم، وطريقة هذه الجماعة في ذلك أن يصافح الشيخ، ثم يأخذه فقير أو مقدم عندهم ليخلو به ويعلمه صورة الطريق، وهذا من حيث صورته أمر لا ضرر فيه، إلا من حيث كيفية المصافحة وما يترتب عليها، وقد مر ما في ذلك ويأتي بعضه إن شاء الله، والطريق المأخوذ عن الشيخ أبي الجمال يوسف العجمي (٢) ﵀ ورضي عنه، هي أن يصحح الشيخ مقامه في التوبة ليتحقق ما يأمر به، ويكون ممن يأمر بالخير بعد فعله، وليقوم بحق الله عليه في واجب وقته، لأنه لا يخلو مقام عن توبة تليق به، إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين، ثم يصلي ركعتي التوبة إن أمكنه ذلك، ثم يجلس بأدب، جامعا همته في الصدق مع الله واللجوء إليه في هداية نفسه، ومن تعلق به، خارجا عما عنده لما عند الله، بأن يشعر نفسه بأنه تعالى هو المتوب، وأنه آلة في تأكيد العهد على عبده هذا، فإنه لا يقدر له ولا لنفسه على شيء، بل الله هو التواب الرحيم، ويذكر له عند ذلك حقيقة التوبة وآدابها وشروطها وفرائضها ومكملاتها إن لم يكن عالما بها، وإلا اكتفى بعلمه بها، ويحذره المعاصي والعودة إليها، ويذكره الله في شأنها، ويخوفه من نقض العهد بما يتقي من العقوبة عاجلا، والعذاب آجلا، مثل: لعنة الله، وقسوة القلب، المتضمنين في قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا
_________________
(١) أي: على إطلاقه، وإلا فإن المشقة قد تزيد في الأجر كما قال (ص) لعائشة (ض): "أجرك على قدر نصبك"، لكن لا ينبغي للمكلف أن يقصد المشقة، فإن المشقة غير مقصودة لذاتها، فمن يقدر على الحج راكبا ليس له أن يقصد المشقة ويحج ماشيا، أما غير القادر على الركوب إذا كلف نفسه الحج ماشيا، فإن أجره يكون فعلا على قدر نصبه، والمشقة تزيده أجرا.
(٢) هو يوسف بن عبد الله بن عمر، أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد في مصر (ت ٧٦٨) الطبقات الكبرى ٢/ ٦٠.
[ ١٣٢ ]
قلوبهم قاسية﴾ (١) الآية، ويعرفه أن النقض يجر إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله، قالوا: ثم يضع يده اليمنى فوق باطن يد التائب اليمنى، ويعرفه بأنه شريكه في التوبة، لاستوائهما في أمر الله لهما، بقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ (٢) الآية، وهذا كله حسن له مستند من الشرع في صورة البيعة.
قالوا: ثم يغمض عينيه ويسكت ساعة ليجتمع همة، ثم يتعوذ، ويبسمل، ويقول: أستغفر الله العظيم ثلاثا، نسقا، ثم يقول بعد الثالثة:
وأتوب إليه وأسأله التوبة والتوفيق لما يحب ويرضى، ثم يصلي على النبي (ص)، ويقول: الحمد لله رب العالمين، ويتبعه المريد في ذلك كله، ثم إن شاء ذكر مشايخه وأستاذه أو استغنى عن ذلك، قالوا: وكذا يفعل في تلقين الذكر، ولبس الخرقة (٣) ثم يأمره بلزوم التقوى والطاعات، واجتناب المخالفات، والبحث عما فيه رضى الله تصريحا وتلويحا، وهذا كله أمر اصطلاحي، ولكن له مستندات تجري على أصل القوم في العمل بما يقتضي جمع قلوبهم مما لم يجمع على تحريمه.
_________________
(١) المائدة ١٣.
(٢) النور ٣١.
(٣) ما يروى من لبس خرقة الصوفية، وكون الحسن البصري لبسها من علي (ض)، وكذلك نسبتها إلى أويس القرني، وأن النبي (ص) أوصى له بها، كل ذلك لا أصل له، قال ابن الصلاح: باطل، ولم يسمع الحسن من علي حرفا بالإجماع، فكيف يلبسه منه، وقال الحافظ: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أن النبي (ص) ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لبعض أصحابه، ولا أمر أحدا من الصحابة بفعل ذلك، وكل ما يروى صريحا في ذلك فباطل، ومن لبسها وألبسها فإنما اعتمد على مستندها من طريق الصوفية تبركا بهم، لا من طريق السنة، قال الحافظ السخاوي: لبسها وألبسها جماعة، كالدمياطي والذهبي وأبي حيان والعلائي ومغلطاي والعراقي وابن الملقن والبرهان الحلبي وابن ناصر الدين، وأوضحت ذلك كله مع طرقها في جزء مفرد، هذا مع إلباسي إياها لجماعة من أعيان الصوفية، تبركا بذكر الصالحين، واقتفاء لمن أثبته من الحفاظ المعتمدين، انظر المقاصد الحسنة ص ٣٣١، وكشف الخفاء ٢/ ١٩٨، وأسنى المطالب ص ٢٤٧.
[ ١٣٣ ]
فقد يقال: إنها من المصالح الدينية، لما فيها من التثبيت والتأثير الظاهر، والفائدة الجلية في ربط أقوام من أهل الجرائم عما هم عليه من القبائح والرذائل، لكن ما يزيده بعضهم من ذكره آية البيعة، وتكرير آخرها، قد ينكر من جهة تنزيل نفسه منزلة الشارع (ص) الذي هو نائب الحق سبحانه حقيقة، إلا أن تكرير آخرها قد يكون للتأكيد في عدم النكث والله أعلم، وبالجملة فهذه الكيفية لا تلزم، وكل أحد ينفق من حاله، فيلقي للمريد على قدره، وكل حركة صدرت من غير هوى أفادت الحقيقة والتحقق، بخلاف غيرها، وكل ما تضمنه العهد من مباح ونحوه فالوفاء به واجب، والمحرم حرام والمكروه مكروه، وبالله التوفيق.
٤١ - فصل