بحيث أن أحدهم يقف بالباب، ثم يقول: سبحان الله مرات، فإن أذن له وإلا رجع، وهذه بدعة صريحة، إذ قد أماتت سنة ثابتة عن رسول الله (ص)، هي قوله في الاستئذان: "سلام عليكم أأدخل؟ ثلاثا" (١) فإن أذن له وإلا رجع، ويتمهل في ذلك بينها، فأبدلوا ذلك بالتسبيح، مع اعتقادهم أن ذلك أفضل، لكونه ذكرا، ولا أفضل من العمل بالسنة، ثم لا تأتي البدعة إلا بشر، ومنه الإخلال بحرمة التسبيح عند وجود المقابلة بالنقيض، وسبب ذلك من استعماله في غير محله، فقد وقع لبعض الناس منهم أنه استأذن على صاحب لهم بذلك، فقالت امرأته في جوابها: مشى يطول الحمارة، فانظر هذا الجواب ما أشنعه في مقابلة أرفع الأمور وهو
_________________
(١) هذا اللفظ كما في أبي داود ٤/ ٣٤٥، علمه النبي (ص) الرجل الذي قال عند الاستئذان: ألج؟ فقال: "قل: السلام عليكم أأدخل"، وفي الصحيح من حديث أنس (ض)، أن رسول الله (ص) كان إذا سلم سلم ثلاثا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا، وقال (ص): "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له، فليرجع"، البخاري مع فتح الباري ١٣/ ٢٦٣، ومسلم ٣/ ١٦٩٤ و١٦٩٦، وفي حديث عمر (ض)، أنه أتى النبي (ص) وهو في مشربة له (حجرة)، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، أيدخل عمر؟، أبو داود ٤/ ٣٥٢ حديث رقم ٥٢٠١.
[ ١١٤ ]
التسبيح، مع مخالفة السنة الثابتة، أعاذنا الله من البلاء بمنه وكرمه، وقد سمعت بعضهم يقول: إن الاستئذان بالتسبيح ذكر الزمخشري (١) فيه حديثا، وهذه نتيجة الجهل من وجوه:
أحدها: معارضة أمر ثابت مستفيض، بحديث باطل إن صح نقله، لكونه غير معروف في كتب الإسلام الحديثية والفقهية.
الثاني: استنادهم لمعتزلي في الأصول، زيدي في الفروع، غير إمام في الحديث، في مسألة فيها حكم ثابت مسلم متداول، فهو إعانة على أنفسهم.
الثالث: اغترارهم باعتبار الأئمة بكتابه، وذلك من عدم علمهم بالوجه الذي اعتبروه منه، وهو قيامه على علوم البلاغة والتصرف بها على أحسن الوجوه، وقد أقر هو بعدم قيامه على غير ذلك في مقاماته.
وعابه عليهم آخرون ورأوه فضيحة في الدين من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه اطراح لسني بمعتزلي بأخذ كتابه، وترك كتاب السني، كابن عطية (٢) والواقدي (٣)، ونحوهما، وتلك مصيبة عظيمة، والعياذ بالله.
الثاني: أنه ثناء على معتزلي وإكرام له، وقد قال (ص): "لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم الله تعالى" (٤) كذا ذكره ابن أبي جمرة في هذا المحل.
_________________
(١) أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري المعتزلي، إمام في اللغة والتفسير (ت ٨٥٣) شذرات الذهب ٤/ ١١٨.
(٢) ابن عطية عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن، من أعلام المالكية (ت ٥٤٦) الديباج ص ١٧٤.
(٣) الواقدي محمد بن عمر بن واقد السهمي، محدث حافظ، متروك الحديث، (ت ٢٥٦) تهذيب التهذيب ٨/ ٣٦٣.
(٤) خرجه أحمد وأبو داود من حديث بريدة عن النبي (ص) بلفظ: "لا تقولوا للمنافق سيدنا " إلخ، قال في الفتح الرباني ١٩/ ٢٣١: سكت عنه أبو داود والمنذري، فهو صالح.
[ ١١٥ ]
الثالث: أنه يصير شواشا (١) لمعتزلي، وربما وقع في بعض مهاويه ينظر كتابه، أو وقع غيره بسببه، انظر ابن أبي جمرة في حديث البيعة أول الكتاب.
فإن قالوا: الاستئذان أمر عادي، فلا يدخله الابتداع على المعول عند الأئمة المحققين، كالمآكل والمشارب والملابس ونحوها، والتسبيح عبادة جعلناها في محل العادة، فكانت أولى، لا سيما وقد ورد توقيع ذلك في التعجب والإنكار، ونحوهما، كقوله تعالى: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ (٢) وقوله (ص): "ماذا أنزل الليلة من الفتن" (٣) وقوله (ص): "سبحان الله أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم" (٤) وحديث: "من نابه شيء في صلاته فليبسح" (٥) فجعل التسبيح علما للتنبيه على السهو، قلنا: لو لم يفهم من فعلكم هذا أنه من صلب الدين، ولم يثبت في محله سنة ماضية، ولم يكن بالاشتراط والمشارطة، وعلى مفارقة ما ورد في الأحاديث لكان له وجه، والمواضع التي وقع فيها إنما هو التنبيه على معناه المضمن بها عند من تأمله، وشرح ذلك يطول، وبالله التوفيق.
_________________
(١) أي: مقدما على الجماعة.
(٢) النور ١٦.
(٣) لفظ الحديث، في الصحيح من رواية أم سلمة (ض)، قالت: استيقظ رسول الله (ص) ذات ليلة، فقال: "سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن؟ وماذا فتح من الخزائن؟ أيقظوا صواحب الحجر - أي: زوجاته (ص) - رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة". البخاري مع فتح الباري ١/ ٢٢١، والموطأ ٢/ ٩١٣.
(٤) حديث محمود بن لبيد في الرجل الذي طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام النبي (ص) غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله إلخ"، خرجه النسائي ١/ ١١٦ وغيره، وليس فيه لفظ: سبحان الله.
(٥) لفظ) الحديث في البخاري: "من نابه شيء في الصلاة فليقل: سبحان الله". انظر البخاري مع فتح الباري ٣/ ٣٥٠.
[ ١١٦ ]
٣٥ - فصل