المعينة لها عندهم وذكر ما في ذلك.
أما هجرانهم لكل ذكر سوى الشهادة وتحجير الأمر في ذلك فهو مخالف لنفس الحق من حيث هجران ما هجروا، لا من حيث إيثار ما
_________________
(١) قال السخاوي في المقاصد: لم أقف عليه مرفوعا ونقل عن شيخه الحافظ أنه ليس بثابت، ولكن معناه صحيح، المقاصد الحسنة ص٣٦١.
(٢) أبو نعيم في الحلية ٦/ ١٥ عن أنس مرفوعا، ثم قال: وهذا ذكره أحمد بن حنبل عن بعض التابعين عن عيسى ابن مريم ﵇، فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي (ص)، فوضع عليه هذا الإسناد ، وهذا الحديث، لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل.
(٣) في خ: (يعني بقلبه)
(٤) جزء من حديث علقه البخاري، وقال الحافظ في فتح الباري ١/ ١٧٠: هو حديث مرفوع، أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية بلفظ: "يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، قال الحافظ: إسناده حسن، لأن فيه مبهما، واعتضد لمجيئه من وجه آخر، ورواه البزار موقوفا على ابن مسعود (ض)، ورجاله ثقات كما في مجمع الزوائد ١/ ١٣٤، انظر مختصر زوائد مسند البزار ١/ ١٢٠، وكشف الخفاء ١/ ٢٤٩.
[ ٨٩ ]
أثاروا، لأن السنة قد وردت بأذكار في الغداة والعشي، فرفضوها باختيارهم الاقتصار على ما ذكر، وأثنى الله سبحانه على المتضرعين والمستغفرين بالأسحار فلم يعرجوا على ذلك، بل جعلوا الكل هذه الكلمة المباركة، وهي لا تصح في الأصل إلا بإضافة شهادة الرسول (ص) لها، فلا تجزئ في الفرع إلا مع العمل بسنته (ص) والصلاة عليه، لاشتراك الفرع والأصل في أصل العلة التي هي وجوب الإيمان به (ص)، مع تعزيره وتوقيره المقرونين بتسبيح الحق وتحميده، في قوله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا﴾ فافهم، فالمقتصر على جهة واحدة ينظر بعين واحدة، هذا ما يتعلق بها من حيث الحكم.
فأما من حيث الحكمة والخاصية المدركة بالذوق والملابسة، فالكلمة المباركة متصاعدة الأنوار، فهي لإحراق الخبيث من العبد، الكفر فما بعده، ولهذا كانت نافعة للعام والخاص من أهل البدايات والنهايات، لكن مع إضافة ما يميل بها إلى الاعتدال من شهادة الرسول (ص) واتباع ما جاء به، فأخذها مفردة كأخذ المتطبب الحبة السوداء للمداواة من كل داء، مجردة عن تدبيرها، فإن ذلك لا يصح عند كل ذي نظر سديد، مع القطع بما ورد في أنها شفاء من كل داء إلا السام (١)، لكن بعد تلطيف أو ترطيب أو تقوية أو تحليل أو تركيب، وطب القلوب محاذ لطب الأبدان في قياسه وعمله، وإن كان مخالفا له في قصده ومأخذه، وقد علم أن السكنجبير شراب الأطباء النافع لكل ذي علة في كل وقت وسن وحال، لكن الطبيب الحاذق يسقيه كل أحد على حسب ما يليق به، ويزيد فيه وينقص منه، بحسب ما يراه تقتضيه أصول العلم عنده.
وهذه طريقة سادتنا من العجم في التسليك بهذه الكلمة، يأمرون بها كل أحد من المتوجهين ويراعون حاله، فيزيدون وينقصون له بحسب ما يرونه صالحا له، ويدخلون عليه من الأعمال ما يرونه لائقا به، فجاء هؤلاء المساكين وأخذوا بذلك في العموم، وجعلوه كسائر الرسوم، دون مراعاة أصل ولا فرع، فكان قبيحا منهم، أعني تعميم ما هو خاص في وجهه أو
_________________
(١) حديث في "الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام"، خرجه البخاري رقم ٥٣٦٤.
[ ٩٠ ]
حكمه، لا سيما والمقصود بذلك، أعني إفراد الذكر والوجه إنما هو المريد المشرف على الحقيقة، الذي قد تهيأ للفتح حتى تنصبغ حقيقته بما أشرف عليه، فهو المأمور عند القوم باعتزال كل شيء بعد الواجبات والسنن المؤكدة، سوى الذكر اللائق به في حاله، فهو حكم خاص لمخصوصين، لا لعوام المتوجهين، لأنهم إن كانوا في البداية احتاجوا لأشغال حقيقتهم بما ينفي ما دخلها من المختلفات الهوائية، وإن كانوا في النهاية، كان ذلك زيادة في أنوارهم وفتحهم على نسبته، وتعميم الحكم جهل، وإرساله لغير نهاية كذلك، لكن حقهم في التربية عدم الإشعار بالمقاصد المتوجه إليها، والأفراد دون الفوائد والغايات، ليكمل الاستعداد للأخذ، وتنجمع الهمة في التوجه والغايات، فلا يعترض عليهم ذلك.
وقد قال ابن عطاء الله (ض): واعلموا أن الله تعالى أودع أنوار الملكوت في أنواع الطاعات، فأي من فاته من الطاعات صنف، أو أعوزه من الموافقات جنس، فقد من النور بقدر ذلك، فلا تهملوا شيئا من الطاعات، ولا تستغنوا عن الأوراد بالواردات، ولا ترضوا لأنفسكم بما رضي به المدعون، بجري الحقائق على ألسنتهم وخلو أنوارها من قلوبهم، فذلك حال الجاهلين الذين لم يفقهوا عن الله، ولا واجههم المدد من الله، انتهى.
وفيه تنبيه على أن التقيد غير معتبر، وذكره في لطائف المنن وهو من أعجب شيء في الباب، والله الموفق للصواب.
٢٤ - فصل