أما التحصن مما ذكر، فبأمور أربعة:
أولها: إيثار الأولى في كل شيء، دينا ومروءة، فإن المريد إذا فارق الأولى وقع في دناءة أو زلة أو عيب أو علة، فكان مذموما عند الله، ممقوتا عند أبناء الدنيا، قريبا من كل آفة، بعيدا من السلامة، والله أعلم.
الثاني: حفظه حرمة الربوبية، بالوفاء والعزم، والأخذ بالحزم، والوقوف على حد العلم، فإذا عقدت مع الله عقدا إياك أن تحله إلا أن يحله عليك الشرع بوجه لا خلاف فيه ولا تردد، وإذا عزمت مع الله تعالى في شيء فلا تتوقف حتى تمضيه، ولا تؤخر طاعة وقت لوقت فتعاقب بقوتها أو بقوت مثلها، ولا تقدم على أمر حتى تعلم حكم الله فيه جملة وتفصيلا، فإن من لم يحفظ الحرمة فقد أعان الشيطان على نفسه.
_________________
(١) أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البكر الجبنياني، أحد أئمة المسلمين، من أعلام المالكية (ت ٣٦٩ هـ) شجرة النور الزكية ص ٩٥.
[ ٢١٦ ]
الثالث: تعظيم حرمات المسلمين بكف الأذى وحمل الأذى، والإنصاف من نفسك وترك الانتصاف لها، فتتقي أعراضهم، وتبلغ أغراضهم، وتسامحهم فيما لا ينالك ضرره منهم، وقد كان السلف (ض) يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، بل كما قيل:
ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين اللطف والشفقة
وقر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق حق من خلقه
الرابع: الحذر والاشفاق واتهام النفس في جميع الأحوال، والحكم عليها بالعلم الظاهر المؤيد بحقائق الباطن، فإنها تنقاد للباطن المجرد وللظاهر المجرد (١)، وتحب الإكثار كما تحب الترك، ولا تقبل الوسط إلا بعد مشقة فادحة وجهاد كبير، وهي التي ﴿لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها﴾ (٢)، كما قال بعض المشايخ، ويرحم الله القائل في معنى ذلك:
توق نفسك لا تأمن غوائلها فالنفس أخبث من سبعين شيطانا
وأما إصلاح المختل، وإدراك الفائت فبالعود إلى ما كنت عليه أولا
من الصفاء والتوبة، «فما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة» (٣)، ولا يغرنك الشيطان بقوله: أي فائدة لتوبة لا ثبات لها، نظرا إلى حالك الأول، فإنك بين ثبات وموت على إثر توبة، أو غفران الماضي واستئناف عمل، فكما اتخذت الذنب والعود إليه حرفة، فاتخذ التوبة والعود إليها حرفة، عالما أن توبتك تعرض لنفحات رحمتك، وتوبته عليك منة وعناية،
_________________
(١) في خ وت ١: للباطن المجرد والظاهر المجرد.
(٢) الفتح ٢١.
(٣) «ما أصر من استغفر إلخ»، لفظ حديث عند أبي داود من طريق أبي بكر الصديق رقم ١٥١٤ وخرجه البزار في المسند ١/ ٢٠٥، وقال: لا يحفظ عن النبي (ص) إلا من طريق ابن نصيرة عن مولى لأبي بكر وكلاهما لا يعرفان، وخرج الحديث االترمذي رقم ٣٥٥٩ وقال: غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة، وليس إسناده بالقوي، وحسن الحديث الزيلعي والحافظ ابن كثير، انظر تخريج الأحاديث والآثار ١/ ٢٢٧ وفتح الباري ١/ ١١٢.
[ ٢١٧ ]
فتعرض لنفحات رحمته أبدا، لعل العناية تواجهك يوما ما، وقدر أنك لم تقع في الذنب غير هذه المرة، ثم استأنف يستأنف لك، وفي معنى ذلك قيل على لسان الحقيقة:
يا غافلا قد كنت عاهدتنا ومن بعد هذا قد نسيت الوداد
شمر من اليوم ودع ما مضى وكن فقيرا ما مضى ما يعاد
وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): تدري ما علاج من انقطع عن المعاملات، ولم يتحقق بحقائق المواصلات؟ علاجه أربع:
طرح النفس على الله طرحا لا يصحبه الحول والقوة، والتسليم لأمر الله تسليما لا يصحبه الاختيار مع الله، هذان علاجان باطنان، وفي الظواهر: ازم الجوارح عن المخالفات، والقيام بحقوق الواجبات، ثم تقعد على بساط الذكر بالانقطاع إلى الله ﷿ عن كل ما سواه، لقوله تعالى: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾ (١).
وقال (ض): موت النفس بالعلم والمعرفة، والاقتداء بالكتاب والسنة، وإن أردت جهاد النفس فاحكم عليها بالعلم في كل حركة، واضربها بالخوف عند كل فترة، واسجنها في قبضة الله أين ما كنت، واشك عجزك إلى الله تعالى كلما غفلت، وهي التي: ﴿لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها﴾، فإن سخرت لك في قضية فجدير بأن تذكروا نعمة ربكم ﴿وتقولوا سبحن الذيي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين﴾ (٢).
وقال (ض) بعد كلام في تصحيح العبودية:
ومن أخلد إلى أرض الشهوات واتباع الهوى، ولم تساعده نفسه على التحلي، وغلب عن التخلي فعبوديته عن أمرين:
أحدهما: معرفة النعمة من الله تعالى فيما وهبه من الإيمان والتوحيد،
_________________
(١) المزمل ٨.
(٢) الزخرف ١٣.
[ ٢١٨ ]
إذ حببه في قلبه وزيه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فيقول: يا رب أنعمت علي بهذا وسميتنى راشدا فكيف أيأس منك وأنت تمدني بفضلك وإن كنت متخلفا، فأرجو أن تقبلني وإن كنت زائفا.
والأمر الثاني: اللجوء والافتقار إلى الله تعالى دائما، وتقول: يا رب سلم سلم، وقني وانقذني.
فلا طريق لمن غلبت عليه الأقدار، وقطعته عن العبودية المحضة لله تعالى إلا هذان الأمران، فإن ضيعهما فالشقوة حاصلة والبعد لازم، والعياذ بالله تعالى، انتهى، والله المسؤول في الهداية والتوفيق بمنه وكرمه.
٦٧ - فصل